الثلاثاء: 18/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

أستاذ ورئيس قسم

نشر بتاريخ: 02/08/2015 ( آخر تحديث: 02/08/2015 الساعة: 12:39 )

الكاتب: تحسين يقين

في ظل النظم الهشة، تطفو على السطح الإعلامي الفنون والآداب المنسجمة معها تسطيحا، إلا ما كان موجودا من قبل وظل مجتهدا في إثبات الوجود المبدع. 

ما سبق يفسّر ما ظل سائدا خلال الثلاثة عقود السابقة بأننا نعاني عربيا من أزمة كتابة النصوص الدرامية، والبقاء في السطحية. ولزيادة التوضيح، فإن النظم الثقافية الحاكمة كانت تستثني الإبداع، الذي يحمل داخله بذور النقد والاحتجاج، باستثناءات قليلة لبعض الأقلام خجلا من نفيها أو تمثيلا لدور الديمقراطية.
دائما كانت هناك روايات عظيمة، لكن لم يأخذ غير القليل منها طريقها إلى الدراما التلفزيونية والسينمائية والمسرحية. وهكذا فقد كان يتأخر وصولها ارتباطا بتغير الأنظمة أو شخوص الأنظمة.

لذلك يأتي مسلسل أستاذ ورئيس قسم لعادل إمام في هذا السياق، رغم المناخ الثوري الثقافي الجديد. "ترى ما العمق الذي يقدمه فكريا واجتماعيا؟ أم أنه لم يبعد عن كونه تقريرا إعلاميا في ثوب اجتماعي يتحدث عن مصر قبل الثورة الأولى والثانية حتى الآن.

الثابت والمتحول، ما ينمو وما يبقى على حاله، ذلك جوهر الدراما، الرواية والمسرح، والمسلسل والفيلم، فكلما وصل الكاتب والفنان إلى عمق الشخصيات كان الإبداع أكثر، ويصعب إبداع ذلك ما لم يتم بناء ذلك إنسانيا، من حيث رصد المشاعر والأفكار تجاه الأحداث، من منطلقات ذاتية وموضوعية.
ترى ما التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية في دراما "أستاذ ورئيس قسم"؟
لنحاول التفكير معا، علما ان فترة قياس التحولات غير كافية، لكنها تعطي إشارات، حيث إن التحولات تعتمد على الفترة الزمنية، التي تمنح الإمكانية لرؤية تطور الحياة، والتغيرات التي تجري، وكيف ينفعل بها البشر.

منذ الحلقة الأولى، ونحن نرصد كيف سيتعامل المسلسل العربي "أستاذ ورئيس قسم" للنجم المعروف عادل إمام، مع التطورات السياسية في مصر، من قبل ثورة 2011، حتى الآن.
وبالرغم من مآخذنا الفنية على المسلسل الذي لم ينج من التكلف، ومن السطحية، وربما هذا ما دفع النجم عادل إمام الى اللجوء لكبار النجوم كي يكونوا روافع له، خصوصا أنهم أبدعوا في التمثيل، إلا أنه قدم تجربة فنية في مسألة التحولات في المجتمع المصري خلال فترة قصيرة.
ابتدأ المسلسل بمشاهد واقعية غير تمثيلية تظهر الحياة المصرية البائسة، في إشارة إلى التلويح بأنها من بواعث الثورة والتغيير، ولكن حتى الحلقات الأخيرة، لم يظهر أي تغيير لتلك الحياة المصرية البائسة.
قام المسلسل على شخصية د. فوزي جمعة، التي قدمها عادل إمام، شخصية يسارية تتعرض لمضايقات الأمن، في النظام السابق، ومع بدء الثورة ينضم للثوار، بالرغم اننا لم نشاهده سوى جالسا في الخيمة، ثم يتم اختياره وزيرا في أول حكومة شكلها المجلس العسكري، وصولا إلى ترك منصبه احتجاجا على أداء الحكومة، فدخول الأخوان الميدان السياسي وما تركوا من أثر.
رموز النظام السابق بشكل عام تعرضت للصدمة، أما البقية فتعرضوا للتغييرات.

ورغم أن تحولات الشخصية الرئيسة محدودة كونه ظل سائرا بالوعي والسلوك الذي كان بهما قبل الثورة وبعدها، إلا أن التحولات ظهرت في المحيطين والمحيطات به.
من التحولات الفكرية، والسياسية ما جرت في شخصية الأكاديمي والكاتب الشخصية التي أداها باقتدار الفنان أحمد بدير، الذي بدأ بالبحث عن أي شيء يقربه من الحالة الجديدة ما بعد الثورة، والتحلل من مواقفه السابقة التي كانت تمجد النظام السابق. ثم ليدخل تحولات فكرية-أيديولوجية-دينية- من أجل رضا جماعة الأخوان المسلمين التي بدأ نفوذها يتزايد.

ومنها التحولات الأخيرة للمحافظ (أحمد بدير) حين يتم إقصاؤه من قبل الإسلام السياسي الحاكم، فيبحث عن حاضنة جديدة توقعها، ربما بحركة الجيش، ليذكرنا بالبرجوازية الفرنسية التي حين رأت تهاوي النظام الملكي، فانضمت للثورة الجديدة، كحاضنة لها، ترعى مصالحها من خلالها.
ومنها أيضا التحولات الفكرية في ابن حسونة بيك، وابنته في التقرب من الجماهير، حيث تأثرا بالأخوان المسلمين، بعد طول تأثر باليساري زوج أمهما السابق د. فوزي جمعة الشخصية الرئيسة. من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. وقد واكب ذلك تحول اجتماعي ظهر في الزواج من عامة الشعب.

والمتأمل في التحولات السابقة لدى أبناء حسونة بيك، يجد أنها في عمقها تحولات نفسية، جاءت من احتياج أبناء رموز النظام السابق أو من أثريائه إلى اكتساب الشرعية، أو البحث عن حاضنة فكرية سياسية، ولعل التفسير الثاني أقرب إلى التحليل النفسي-الاجتماعي-السياسي-الفكري، كونهم تنقلوا ما بين اليسار واليمين.

لقد ذهبت التحولات إلى البحث عن المصلحة، والبحث عن حواضن جديدة (حاضنات) في ظل الفراغ السياسي الذي نجم عن زوال النظام (شكلانيا بالطبع وإشكاليا)، وإن حاول المسلسل إثبات غير ذلك، وهو عودة الضالين من أبناء حسونة بيك وغيرهم لحضن العقلانية (حضن الشعب)، بعد تجريبهم العمل السياسي والفكري.

دخول شخصيات المسلسل في اليمين هو منسجم مع مدّ اليمين في المجتمع المصري، وصولا إلى مجلس الشعب والرئاسة، لكن ذلك كما قلنا لم يأت عن قناعة، بقدر البحث عن خلاص ما أو مصلحة ما أو عقاب لنظام معين رحل، في ظل العمل المنظم للأخوان المسلمين، وليس بالضرورة العمل المؤدي إلى تخليص الشعب.
المسلسل معوم فكريا، ينتقد النظام السابق، ثم ينتقد ما بعده، ويميل نحو النظام الجديد، لعله نوع من موالاة الفن للنظم، وهو نفسه الذي لم ينج منه عادل إمام في علاقته مع النظام السابق. وما يقوي هذا الرأي هو عدم إنتاج عمل فني ناقد للأخوان في فترة الرئيس السابق مرسي، الذي مثّل فكر واتجاه الأخوان. وأستاذ ورئيس قسم عمل فني ينتقد الإسلام السياسي(الأخوان) لكن بعد أن أصبحوا خارج الحكم.

بالطبع ثمة تفاهم بين عادل إمام والكاتب يوسف معاطي، وهو نفسه التفاهم الضمني مع الحالة الجديدة، بعد آخر انتخابات.
فترة ست سنوات، وعدم الوضوح، هو ما جعل التحولات في المسلسل تحولات غير عميقة. فهي تحولات مستمرة غير ثابتة، تتأثر بالمصالح أكثر من تأثرها بالأفكار.
المسلسل معوم، وغير حاسم فكريا ولا سياسيا ولا اجتماعيا ولا نفسيا، ومرد ذلك منطق الاتهام للربيع العربي ومنه مصر، بأنه ربيع فوضى. إنها نظرة مطلقة تأتي من كاتب وممثل كبير بحجم عادل إمام، يمثل شخصية ناقدة للنظام السابق.

ونحن نشاهد المسلسل، كنا نرى التحولات وأثرها على الأفراد،( أبدع فيها بشكل مدهش الفنان الكبير أحمد بدير) وكيف كانت تغيرات النفوس تظهر مع التغير السياسي، قبل وبعد الثورة، والاختلافات ما بعد الثورة، المجلس العسكري، الأخوان، الجيش(الثورة الثانية)، الانتخابات الأخيرة).

لقد حاول الكاتب يوسف معاطي التعبير عن الشخصيات في ظل تغيرات سريعة نزقة، تبحث عن الخلاص الفردي وكيف تلتصق بهمومها مغلبة مصالحها الفردية،والخلاص والجماعي، لتخليص البلد. ولكن للأسف لم يستطع الكاتب التعبير عن هذا الطموح، فلم يتجل ذلك في تناوله لا للتحولات السياسية والفكرية، ولا للتحولات الاجتماعية والنفسية، ولربما يكون السبب هو عدم النضوج السياسي والمجتمعي، لبلد ما زالت تبحث عن استقرارها، وأفراد ينتظرون تحسن الحال.

أما تفسير ذلك كله، فهو ميل الفن للشعبوية، للانسجام مع التيارات العامة، بدلا من أن يكون قائدا لها من أجل التغيير، فالفن ليس تصويرا فوتوجرافيا لما يحدث في المجتمع والحياة، كما صرّح عادل إمام بأنه لم يرد الميل مع أي جهة، مكتفيا بالحياد، لأن هذا الحياد الآن غير محمود. ولو أجل عمله لكان أفضل.
أما أن يعيد الفن (الكاتب والممثل الكبير) نفسيهما بما فيهما من تخوف ومجاملة وتفريغ سياسي من خلال الدراما، فهذا يكرّس الحالة النفسية-الاجتماعية-السياسية، التي تحيا في مجتمع غير ديمقراطي.

كنا نتوقع أن تذهب التحولات عميقا في النفس والحياة الاجتماعية والسياسية، لكن أن تظل ملامسة للسطح، فإن ذلك لا يعني غير السطحية في الفن، والتي أيضا تبحث عن خلاصها.

صحيح أننا تابعنا "أستاذ ورئيس قسم"، لكن لم نكن سعداء بتلك المتابعة. وكنا نتوقع لو نهض المسلسل بنفسه والمجتمع أكثر.
أكيد هناك ما أفضل من "أستاذ ورئيس قسم، لكن متى سنراه؟