الخميس: 01/10/2020

السعودية و تركيا...تحالف لا يُعكّر صفوه إلّا (الإخوان المسلمين)

نشر بتاريخ: 31/12/2015 ( آخر تحديث: 31/12/2015 الساعة: 14:09 )

الكاتب: د. وليد القططي

في زيارة الرئيس التركي رجي طيب أردوغان للسعودية مؤخراً أُعلن عن تشكيل مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين لتعزيز العلاقات بينهما في مختلف المجالات ، وسبقه بأسبوعين إنشاء السعودية تحالف عسكري يضم دولاً إسلامية من أهمها تركيا بهدف مُعلن وهو مكافحة الإرهاب ، وبعد سنوات من وجود تحالف غير مُعلن بين البلدين لإسقاط النظام السوري ، وإذا أبحرنا أعمق من ذلك زمنياً فيمكن القول أن هذا التقارب قد بدأ بعد وصول حزب العدالة و التنمية للحكم في تركيا عام 2002 وزيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز تركيا عام 2006 الذي وضع حجر الأساس لشراكة استراتيجية بين البلدين ظهرت نتائجها في مضاعفة التبادل التجاري بين البلدين. وإذا كان البلدان قد حققا هذا التقارب والتحالف لوجود مصالح متبادلة وإقليمية مشتركة بينهما ، انعكست على تأييدهما للثورة السورية ودعمهما للمعارضة السورية المسلحة بهدف إسقاط النظام السوري كلٌ لأسبابه الخاصة. فإن هذا الاتفاق لم يكن موجوداً في الموقف من الثورة المصرية ، بل كان التناقض هو سيد الموقف ، فقد أيدت تركيا الثورة المصرية ، ودعمت الإخوان المسلمين المشاركين في الثورة ، وتعاطفت مع الرئيس محمد مُرسي ، وانتقدت الإطاحة به من الجيش المصري . بينما عارضت السعودية الثورة المصرية ، وهاجمت الإخوان المسلمين ، ولم تتعاطف مع الرئيس محمد مرسي ، بل أيّدت الإطاحة به ، ودعمت نظام الحكم الذي حلت مكانه سياسياً واقتصادياً . فما سر هذا التناقض البارز في الموقف من الإخوان المسلمين رغم التحالف بين البلدين؟

عندما زار الإمام الشهيد حسن البنا السعودية للمرة الأخيرة عام 1948 التقى بالملك عبد العزيز آل سعود ، وطلب منه فتح فرع للإخوان المسلمين في المملكة ، رفض الملك عبد العزيز طلبه وقال له " كلنا إخوان وكلنا مسلمون" في الحقيقة لم يكن هذا الرد عفوياً من الملك السعودي بقدر ما كان تعبيراً عن موقف يعتبر فيه الدولة السعودية هي النموذج الإسلامي الصحيح للحكم ، وليس نموذج الإخوان المسلمين ، وبقدر ما كان تعبيراً عن صراع خفي لإحتكار التمثيل السياسي للإسلام بين تيارين إسلاميين في الدائرة السنية هما تيار السلفية الذي أحياه الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه في الجزيرة العربية ، وتيار الإخوان المسلمين الذي أسسه الإمام حسن البنا وتلاميذه في مصر ، وتخلل ذلك محاولات سعودية لاستيعاب النموذج الإخواني في داخل نموذجها وتوظيف الإخوان المسلمين لصالحها لاسيما بعد محنتهم الكبرى في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عندما وجدوا في المملكة السعودية حضناً دافئاً لهم ، ولكن امتلاك الإخوان المسلمين لنموذجهم الخاص الأقرب إلى الوسطية والاعتدال من النموذج السعودي السلفي أفشل كل محاولات الاستيعاب والتوظيف السعودية... وعندما وصل الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر لأول مرة بعد فوز الرئيس محمد مرسي بالرئاسة ، فانتقل مشروع الإخوان المسلمين من التنظير إلى التطبيق ، فأصبح يُهدد زعامة السعودية للعالم الإسلامي السني ، مما يُفسر تأييد المملكة لخصوم الإخوان المسلمين داخل مصر ودعمهم لمعارضيهم .

هذا الموقف السعودي المعادي للإخوان المسلمين يختلف عن الموقف التركي الداعم للإخوان المسلمين في عهد أردوغان وحزبه - العدالة والتنمية - وهذا يعود إلى هوية الحزب الإسلامية والإخوانية ، فحزب العدالة والتنمية الذي تم تأسيسه عام 2001 كامتداد لسلسلة الأحزاب التي أنشأها نجم الدين أربكان ووارث لتراثها الحركي والفكري الذي يمتد لمدرسة الإخوان المسلمين بعد صبغها باللون التركي المتميز ، والحزب يعتبر نفسه أحد نتاجات جماعة الإخوان المسلمين التي كانت بدورها رداً على سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 على يد مصطفى كمال الذي حوّل تركيا إلى دولة علمانية مرتبطة بالغرب ، ومتحالفة مع (اسرائيل) ، ومتنكرة لهويتها الإسلامية ، بعد أن كانت دولة الخلافة الإسلامية . . . وبعد وصول حزب العدالة والتنمية للحكم بزعامة أردوغان عام 2002 حاول الحد تدريجياً من العلمانية المتطرفة المحمية بالدستور والجيش انطلاقاً من هويته الفكرية المتأثرة بالإخوان المسلمين ، واتبع سياسة اقتصادية ناجحة ، ونهجاً خارجياً منفتحاً على محيط تركيا العربي والإسلامي وداعماً للقضية الفلسطينية من بوابة غزة ..... غير أنه ورث عن الدولة التركية ارتباطها بحلف الناتو ، والتعاون الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني , والدور الوظيفي المرتبط بالغرب ، وزاد عليه سياسية اقليمية خاطئة ساهمت في تدمير الدولة السورية وتقسيم العراق . وكان الموقف الايجابي من الاخوان المسلمين هو المحدد للكثير من سياسياته الاقليمية التي تتناقض مع سياسية السعودية تجاه الجماعة.

هذا التناقض في موقفي الدولتين تجاه الإخوان المسلمين هو ما يُعكّر صفو التحالف السعودي التركي ، والذي قد يتطور إما باتجاه إنهاء التناقض بينهما أو باتجاه إنهاء التحالف بينهما فيما لو تضاربت المصالح وتبدلّت موازين القوى وتغيّرت المبادئ .