الإثنين: 24/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

تعليق على قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا

نشر بتاريخ: 24/03/2018 ( آخر تحديث: 24/03/2018 الساعة: 13:18 )

الكاتب: د.معتز قفيشة

تعليق مقتضب على قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا الصادر بتاريخ 12 آذار/ مارس 2018 بخصوص نفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين

بعد قراءة قرار المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا الصادر بتاريخ 12 آذار/ مارس 2018 (طلب رقم (2) لسنة (3) قضائية المحكمة الدستورية العليا "تفسير")؛ ومع الاحترام للمحكمة ولكافة قضاتها؛ فإنني أقدم الملاحظات التالية:
أولا- من غير الدقيق اعتبار الدستور، بما في ذلك وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي الفلسطيني، في مرتبة أعلى من الاتفاقيات الدولية. فالدستور، في أي دولة، هو جزء من القانون الداخلي. وبالنسبة للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي عموما تعتبر كل التشريعات الداخلية (الدساتير، القوانين الأساسية، القوانين العادية، القرارات بقوانين، اللوائح، الأنظمة وغيرها) والقرارات القضائية المحلية وحدة واحدة، أي أن جميعها يعتبر جزءا من القانون الداخلي. فلا يجوز، مهما كانت الأسباب، التذرع بأي من أحكام القانون الداخلي للانتقاص من أحكام القانون الدولي. هذا ما قررته محكمة العدل الدولية في العديد من قراراتها وآرائها الاستشارية وأكده لجان الأمم المتحدة القائمة على أساس اتفاقيات حقوق الإنسان. وهو أمر مفروغ منه وليس محلا للنقاش في القانون الدولي المعاصر (كانت هذه الحجة موجودة قديما عندما سادت فكرة السيادة المطلقة ولكنها تلاشت في ظل التحول إلى مبدأ نسبية السيادة). فإذا تم قبول حجة علو الدستور على الاتفاقيات، جدلا، فإن أي دولة في العالم تستطيع التذرع بدستورها أو بقانونها الداخلي أو أمنها أو قيمها الدينية أو هويتها الوطنية من أجل عدم تطبيق الاتفاقيات؛ الأمر الذي يفرغ الاتفاقيات والقانون الدولي عموما من مضمونهما. لكن، بالطبع، يبقى الخيار للدولة أن ترفض الانضمام للاتفاقية إذا كانت الاتفاقية لا تناسبها لأي سبب من الأسباب المذكورة، أو أن تعترض الدولة على بعض أحكام لا تناسبها من اتفاقية ما من خلال التحفظ بشروطه وضوابطه. فانضمام الدول للاتفاقيات والمنظمات والمحاكم الدولية هو أمر اختياري، كما أن الانسحاب ممكن أيضا.

ثانيا- تجيز المادة 12، الفقرة 1(ج)، من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 أن يكون للتوقيع على اتفاقية ما قوة الإلزام إذا اتجهت نية الدولة إلى إعطاء التوقيع قوة النفاذ من خلال الصلاحيات الكاملة لممثل الدولة الذي وقع الاتفاقية. والرئيس الفلسطيني عندما وقع الاتفاقيات كانت له كافة الصلاحيات باعتبار أنه رئيسا لدولة فلسطين وبسبب أنه لا توجد في فلسطين نصوص دستورية تحدد كيفية الدخول في الاتفاقيات وبسبب أن الرئيس يملك السلطتين التنفيذية والتشريعية في حال غياب المجلس التشريعي. ولأن للرئيس الصلاحيات الكاملة في الانضمام، فقد تم قبول فلسطين كطرف في الاتفاقيات. الدليل على ذلك تصريح الفيدرالية السويسرية قبول فلسطين في اتفاقيات جنيف الأربع، وإعلان المحكمة الجنائية الدولية قبول فلسطين رسميا في ميثتاق روما، وإدراج فلسطين ضمن الدول الأطراف في نظام الأمم المتحدة للاتفاقيات، وتقديم فلسطين تقارير لبعض لجان اتفاقيات حقوق الإنسان، وعضوية فلسطين الفعلية في المنظمات الدولية التي تأسست بناء على الاتفاقيات (مثل اليونسكو والمحكمة الدائمة للتحكيم)، ومشاركة فلسطين في اجتماعات الدول الأطراف في بعض الاتفاقيات (اتفاقية المناخ، اتفاقيات جنيف، اتفاقية مكافحة الفساد)، وشروع بعض المؤسسات الفلسطينية لتلبية طلبات بعض الاتفاقيات لتأسيس أجهزة وطنية لتطبيقها مثل جهاز الإنتربول الوطني في الشرطة والجهاز الوطني الذي يتطلبه بروتوكول مناهضة التعذيب في وزارة الداخلية. إذن انضمام دولة فلسطين للاتفاقيات ونفاذ تلك الاتفاقيات يؤكده تصرفات فلسطين عند التوقيع وعمليا بعد التوقيع/ الانضمام وموقف الدول الأطراف والجهات التي قامت على أساس الاتفاقيات. فكيف يمكن بعد ذلك القول بأن الاتفاقيات التي انضمت إليها فلسطين تحتاج إلى "وجوب مصادقة رئيس الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية"؟ يعتبر هذا تعارضا واضحا بين اعتبار توقيع الرئيس انضماما وضرورة مصادقة الرئيس من أجل نفاذ الاتفاقية محليا. وما فائدة مصادقة الرئيس على ما قد وقعه سابقا؟ فالتصديق أو الانضمام أو الموافقة دائما تكون من قبل جهة أخرى غير الرئيس (أو غير الجهة التي وقعت)، وبما أن هذه الجهة غير محددة في النظام القانوني الفلسطيني؛ إذن توقيع الرئيس يعتبر، وبشكل فوري، انضماما أو تصديقا أو موافقة.

ثالثا- قالت المحكمة الدستورية العليا أن "المعاهدة أو الاتفاقية لا تعد قانونا يطبق في فلسطين، وإنما يجب أن تكتسب القوة من خلال مرورها بالمراحل الشكلية الواجب توافرها لإصدار قانون داخلي معين لإنفاذها". يلغي هذا القول القيمة القانونية لانضمام فلسطين للمعاهدات. وبالتالي فلا يمكن تطبيق أي حكم من أحكام أي معاهدة في فلسطين طالما أنه لم يتم إصدار المعاهدة بقانون أو بقرار بقانون. أي أن المحاكم الفلسطينية لا تستطيع أن تطبق الاتفاقيات حتى الآن، وأن الدولة ومؤسساتها غير ملزمة بالتطبيق. يترتب على ذلك أن فلسطين غير ملزمة يتقديم التقارير إلى اللجان التي تأسست بموجب الاتفاقيات وأنه لا يمكن محاسبة فلسطين دوليا في حالة إخلالها بأحكام الاتفاقيات. كما يقتضي ذلك أن فلسطين لا تستطيع تحريك شكاوى ضد إسرائيل بموجب أي من هذه الاتفاقيات، بما فيها ميثاق روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية وسيتم رد كافة الشكاوى التي يمكن أن ترفع ضد إسرائيل. وهذين الأمرين يتعارضان مع واقع أن فلسطين قدمت تقاريرا لبعض لجان الاتفاقيات وقدمت شكاوى للمحكمة الجنائية الدولية. هذا أمر في غاية الخطورة وقد يستخدم ضدنا في المحكمة الجنائية الدولية التي قد ترد بعض الشكاوى بذريعة أن المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية قد قررت أن الاتفاقيات الدولية غير ملزمة حتى يتم إصدارها بقانون أو بقرار بقانون.

رابعا- القول بعدم نفاذ الاتفاقيات يؤدي إلى عدم قدرة فلسطين الاستفادة من أحكام المعاهدات على المستوى الدولي. من ذلك عدم إمكانية تعيين قضاة أو موظفين فلسطينيين في بعض المحاكم التي أسستها الاتفاقيات التي تتطلب المناصب أو الوظائف فيها أن يكون الموظف أو القاضي مواطنا من دولة طرف، مثل محكمة قانون البحار والمحكمة الدائمة للتحكيم. كما لا يمكن ترشيح فلسطينيين لعضوية لجان اتفاقيات حقوق الإنسان السبع التي انضمت إليها فلسطين أو المشاركة في اجتماعات الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربع أو في اتفاقية المناخ أو ميثاق روما. هذا بالطبع يتعارض مع المشاركة الفلسطينية الرسمية في هذه الاجتماعات. ولم يكن ليتم قبول مشاركة فلسطين إلا لكونها طرف في الاتفاقيات؛ والدولة الطرف لها حقوق وعليها واجبات. فلا يمكن لنا من ناحية القول بأن لنا حقوق المشاركة وتعيين أعضاء وتقديم تقارير وتأسيس أجهزة، ومن ناحية أخرى تقول المحكمة الدستورية العليا أننا غير ملزمين بتطبيق أحكام هذه الاتفاقيات أو بعضها على المستوى المحلي. فإما أن الاتفاقيات ملزمة كلها أو غير ملزمة وعلى المستويين المحلي والدولي.

خامسا- قول المحكمة الدستورية العليا بعدم نفاذ الاتفاقيات الدولية في فلسطين يقتضي، منطقيا، عدم قدرة مقاضاة فلسطين لدول أطراف أخرى في اتفاقيات تتيح المقاضاة أمام محكمة العدل الدولية أو جلب الدول الأطراف للتحكيم، مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 (في حال انضمامنا بالطبع للبروتول الخاص الملحق بهذه الاتفاقية الخاص بالتقاضي) أو في حال اختلافنا حول الحدود أو الثروات البحرية وفقا لاتفاقية قانون البحار لعام 1982. وبهذا ربما يكون ما ذهب إليه الراي المخالف لقرار المحكمة الدستورية الذي أورده القاضي فيها المستشار حاتم عباس هو الموقف الصحيح، وخاصة قوله: "أنه بمجرد التوقيع وتصديق فخامة الرئيس على المعاهدة أو الاتفاقية ]تصبح[ هي واجبة التطبيق فورا ولا تحتاج إلى أي أجراء شكلي أو تشريعي ]أو[ لإصدار قانون داخلي معين لانفاذها فهي واجبة التطبيق بكافة بنودها باستثناء المواد التي تم التحفظ عليها عند التصديق".

سادسا- من غير الواضح ما المقصود بما أقرته المحكمة الدستورية العليا في قرار سابق (4/2017) وأكدته في هذا االقرار من أن الاتفاقيات الدولية تطبق "بما لا يتناقض مع الهوية الدينية والثقافية للشعب الفلسطيني". هذه عبارة فضفاضة وتفتح المجال لعدة تفسيرات قد تمنع تطبيق عدد من أحكام الاتفاقيات التي أصبحت فلسطين طرفا فيها؛ وهذا، بدوره، يؤدي إلى مسؤولية فلسطين دوليا بموجب الاتفاقيات التي لا تطبقها.

سابعا- لا يعد نشر الاتفاقيات في الجريدة الرسمية، ولا ضمن "سلسلة الوثائق الصادرة عن الأمم المتحدة"، شرطا لنفاذ الاتفاقية لا على المستوى الوطني ولا على المستوى الدولي. فمن المستغرب أن تشترط المحكمة هذا الشرط لنفاذ الاتفاقيات التي تعتبر فلسطين طرفا فيها؛ وإن كنت شخصيا أحبذ هذا الإجراء.

بعد وضوح هذه الإشكاليات، فما السبيل؟

أقترح أحد الحلول الثلاثة التالية:

1- أن تقوم المحكمة الدستورية العليا بإعادة النظر في هذه القرار من خلال رأي تفسيري جديد. وأقترح أن يتم، قبل إصدار القرار الجديد، إعداد دراسة من قبل متخصصين بالقانون الدولي المعاصر، خاصة اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات وتفسيراتها وتطبيقها من قبل محكمة العدل الدولية في قراراتها وآرائها الاستشارية، ودراسة كيفية نفاذ كل اتفاقية من الاتفاقيات التي انضمت إليها فلسطين على حدة وأبعاد ذلك.

2- أن يقوم رئيس دولة فلسطين، من أجل تطبيق منطوق قرار المحكمة الدستورية العليا، بإصدار قرار بقانون يتم فيه النص على اعتبار كل الاتفاقيات التي انضمت لها فلسطين (من خلال إدراجها في قائمة) جزءا من القانون الفلسطيني وأن يتم نشر النصوص الكاملة لكل هذه الاتفاقيات في الوقائع الفلسطينية. أو أن يقوم الرئيس بإصدار سلسلة قرارات بقوانين يتضمن كل واحد منها إحدى الاتفاقيات التي انضمت إليها فلسطين.

3- أن يتم إلغاء هذا القرار التفسيري من قبل المحكمة الدستورية العليا ذاتها؛ باعتبار أن من يملك سلطة إصدار قرار، يملك الحق في إلغائه.