بين القيم الإنسانية النبيلة وتعاليم الفصائل والأحزاب

نشر بتاريخ: 11/11/2005 ( آخر تحديث: 11/11/2005 الساعة: 13:31 )
معا - هل بات انهيار صرح ثقافة قيم المقاومة وشيكاً, بعد أن شهدت الساحة الفلسطينية الداخلية هجمات مسلحة ومعارك, واستخدام غير مشروع وغير منضبط, فقد استخدمت أسلحة ثقيلة ورشاشة وعبوات محلية الصنع, ما كانت إلا لأجل مقاومة المحتلين الصهاينة, فإذا بالسلاح ينحرف عن أهدافه الحقيقية ويصوب نحو القلب الفلسطيني؟
هل يحق لرجال الفصائل أن يكونوا فوق القانون؟! أليسوا من عامة الشعب الذي يريد تطبيق القانون على الجميع وبدون استثناء..ألا يعرفون أن سلاح الجريمة قد تسلل سلاح المقاومة, وأنه إذا ظلت الأمور على ما هي عليه فإن المقاومة ستخسر روحها أي القاعدة والركيزة القوية لمضمونها وأخلاقياتها وسلوكياتها, فأي مصير ينتظر الجميع إذا انساقت الفصائل والجماعات وراء مصالحها الفردية وضربت بعرض الحائط مصلحة الوطن والشعب, فهل ستبقى لدينا ثقافة مقاومة طاهرة نقية كضمانة لطهارة السلاح ؟ فهذه الثقافة كانت عاملاً في الصمود ومواجهة الغزاة دائماً, فماذا يقول المثقفون في هذا الموضوع.

المثقف وثقافة المقاومة؟؟
يقول الأديب غريب عسقلاني" ثقافة المقاومة يجب أن تأتي على ضوء برنامج فكري يستند على رؤية سياسية لواقع معين, خاصة وأن الفصائل في فلسطين هي نتاج المجتمع, بحيث تضع برامجها حسب رؤيتها للواقع وتقديراتها لمعادلة الصراع, مضيفاً" أن ثقافة المقاومة هي جزء أساسي من مكونات الشخصية, ولكن الخلاف يكمن في أساليب التنفيذ ابتداءً من الكفاح المسلح وانتهاء بالحوار, لذلك نقول ربما لم يتبلور النهج الثقافي بما يلبي طموحات الشعب مما يدل على أن هناك قصور في البرامج التي تتبناها الفصائل.!!.

وفيما يتعلق بدور التوجيه الديني في تقديم ثقافة مقاومة صحيحة يرى عسقلاني بأن:" الديانات السماوية تقوم على فكرة تقديس قيمة الفرد على الأرض, مؤكداً على أهمية الخطاب الديني الذي يجب أن يعيد النظر في وسائل المقاومة التي لا تنحصر فقط في استخدام السلاح وإنما في التنشئة الصحيحة لهذا الجيل".

النخبة..وبلبلة الواقع
وفي رده على سؤال يتعلق بدور النخب السياسية والاجتماعية والثقافية أجاب عسقلاني بأن النخب السياسية على اختلافها منهمكة في التصادم مع العدو, ولكن في بعض الحالات لا تقوم بوضع برامج تعزز قيم الشعب نحو هذه المصادمة فيحدث خلط بين ما يعد تكتيكي واستراتيجي, مما يجعل الجمهور في بلبلة وحيرة لعدم وضوح البرامج وسيادة الشعارات المحرضة على طبيعة الحوار الهادئ واستطرد قائلاً :"الثقافة إفراز لقدرات هذه النخب تقوم ببلورتها وتقديمها في قوالب للجمهور ليتعامل معها, كذلك عند استبعادها يجب أن توجد نخب بديلة تفسح المجال لتبادل الآراء وحوار الأديان محذراً من خطورة إبعاد المفكرين والمثقفين عن دورهم في نشر الوعي لأنه ستعم حالة من الفوضى والصبيانية والارتجال والانفلات وهذا ما نشهده حالياً""

الخطاب الديني..الخطاب السياسي!!

فيما يرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل :"بأن الخلل ليس في ثقافة المقاومة أو دور الفصائل, ولكن المشكلة في نوع الثقافة التي يجري الترويج لها وحصر مفهوم المقاومة عملياً في الكفاح المسلح, وأن الشخصيات السياسية لديها خطأ في المفهوم الصحيح للمقاومة سببه القصور الفكري والسياسي من ناحية, والاندفاع وراء ردود الفعل التي تضعها إسرائيل من ناحية ثانية خاصة وأن إسرائيل صاحبة المصلحة الأولى في حصر النضال الفلسطيني بالعنف "مطالبا باعتماد أساليب إبداعية نضالية وتأصيل مفهوم المقاومة الشعبية ,قائلاً:"المطلوب إعادة تأصيل المفهوم الصحيح للمقاومة ليس فقط باعتماد المفهوم الأوسع ولكن بممارسته عملياً مثل مقاومة جدار الفصل العنصري خاصة وأن الانتفاضة ذات طابع شعبي ,ولكن إسرائيل فرضت عليها السلاح منذ البداية, وأن رد الفصائل على جرائم الاحتلال هو رد فعل طبيعي" منبها إلى أن:" إسرائيل تريد تحييد الجماهير الشعبية والسياسية وذلك بحصر المجابهة بالجوانب العسكرية"!!
ويرى عوكل معادلة الحالة السائدة بطرفيها الديني والسياسي بالقول:" أن التوجيه الديني مهم وهو شكل من أشكال العمل الثقافي لأنه خطاب موجه للناس ولكن الخطاب الديني لم يكن محايداً, بحيث كان جزء من حالة الفعل الداخلي الفلسطيني وامتداد لنفس المعادلة السياسية."

تغييب مقصود للمثقف!!

واستغرب عوكل عدم التنبه للمسار ومخاطره معبرا بالقول:" على أننا ما زلنا نتابع الانسياق وراء نفس المفاهيم لأن هناك قصور في الوعي والنضوج لدى القيادة الفلسطينية, وهنا تظهر أهمية النخب الفكرية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني للعمل بشكل مستقل وموضوعي لأن غياب الثقافة هو غياب للعقل والحكمة, على الرغم من معاناة المثقفين وعجزهم عن القيام بدورهم لما قد يتعرضون له من تهديدات الفصائل وبعض الأفراد في حال نطق أحدهم برأي مخالف لهم ولمصلحتهم."

عنصرية تفجير الدم!!

ويرى الصحفي موفق مطر أن الشعب الفلسطيني باعتباره جزء من الأمة العربية, فهو يمتلك ثقافة مقاومة متأصلة في نصوص العقيدة والتراث الشعري والأدبي, وتظهر في التكوين الثقافي للفرد كما تبدو ملامحها في مظاهر شكلية متعددة.
ويعتقد مطر:" أن مؤامرة كبرى قد أسهمنا جميعنا في نصيب منها عن قصد أو جهل ,إلى جانب النصيب الأكبر لقوى الشر الهادفة للقضاء على قيم الإنسانية وتعوضها بقيم الناب والمخلب وقوة الافتراس, فتشوهت مضامين ثقافة المقاومة النبيلة, وصبت مفاهيمها في شكل قالب واحد يسمى" العنف المسلح", وأهملت الأنبل في سبل وأشكال وأساليب المقاومة وهي الكلمة الحرة, والمنطق القويم, والمحبة للقيمة الإنسانية في أسباب المقاومة.

ويوضح مطر أن المقاومة النبيلة قد تم دفعها لتنحصر في زاوية المشروع الحزبي الفصائلي المحدود, والمؤطر بخطوط عريضة من الدم ومشتقاته من" الجماجم" فلا يجوز في نظر مطر أن يرفع أحد شعار "الدم يجلب دم", أو شعار "نحن نفجر الدم اليهودي ونسافر به إلى الجنة".منبها إلى خطورة التساوق مع التعاليم في جبهة الغزاة فيقول:" ندرك تماما أن غزاة أرضنا والمحتلين الصهاينة لمصيرنا ومستقبلنا يرتكزون على تعاليم تلمودية تقدس السيف اليهودي وتحلل بنظرة عنصرية خالصة إهدار دماء الآخرين من الناس دون اعتبار لقيمتهم الإنسانية !!.. لكن هذا لا يدعونا بالمطلق إلى اكتساب ثقافتهم في الحرب ,لأننا أصحاب ثقافة مقاومة في الحروب التي تفرض علينا".

ويرى مطر أن المؤامرة نجحت في تحويل المقاومة المشروعة إنسانياً, إلى فعل يتوازى تماماً مع شكل ومضمون القتل الذي يمارسه الطغاة والغزاة المحتلون ومنهم جنود المشروع الصهيوني.

ويأسف مطر لأن بعض رجال الدين قد ساهموا في هذا التحويل الخطير, ببثهم المفاهيم المغلوطة عن القيم النبيلة لثقافة المقاومة في الكتب السماوية , وتجاهلهم ثقافة الجهاد الأكبر, وتقديم وعملقة الجهاد الأصغر على حساب الأكبر, مستغلين بذلك عواطف الناس,وموظفين انفعالاتهم ورغبتهم بردود أفعال نحو كيان صهيوني ,يوظف آلته الحربية ومستوطنيه في عملية قتل إجرامي يومي واستيلاء وسيطرة على حياة الناس ومقدراتهم.
ويخشى مطر أن تنعكس تعاليم رجال الدين سلباً على أفكار الشباب المتحمس المتقبل والمقتنع بدون تحليل أو إدراك كامل لمنطقهم, فتتحول المقاومة النبيلة إلى رغبة جامحة للقتل تنطلق بدوافع الكراهية والحقد على الآخر فقط!!..إذ يخشى أن يأتي وقت لا يستطيع المسير بهذه المفاهيم والمسلوبة إرادته في التفكير والاختيار أن يفرق بين خصومه في الرأي مع أخيه في الوطن, وآخرون يهدفون لإلغاء وجوده وثقافته ومستقبله كليا مع أخيه في وطنهما".

ويقول مطر:" بدون الإيمان بالقيمة العليا للإنسان في السلم والحرب فأن لن تكون لنا مقومات ثقافة مقاومة نبيلة , الأمر الذي سيجعل كفاحنا جريمة في ميزان العقل والمنطق الإنساني المستمد روحه من الله.

السلطة المعنوية

أما راجي الصوراني رئيس المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فقد عبر عن أسفه لما يجري على الساحة من قتل وتخريب على أيدي بعض أفراد الفصائل, وهو نتيجة طبيعية لإهمال السلطة وعدم التعامل الجدي والحفاظ على النظام العام بحيث وصلت فوضى السلاح أشدها.

وأضاف الصوراني نحن أمام مفهوم مدمر ومشوه للمقاومة وثقافتها بشكل واضح, والسبب يكمن في ثلاث مستويات أولاً السلطة, وثانياً الأجهزة الأمنية, وأخيراًُ حركة فتح مؤكداً على أن المقاومين لا يقدمون على هذه الأفعال المشينة وان 90% من المشكلة تكمن في حركة فتح تنظيماً وحكومة.

وعبر الصوراني عن وجهة نظره حول تأثير التوجيه الديني في ثقافة مقاومة حقيقية قائلاً:"إن الدين لا علاقة له بالموضوع, وإنما يتعلق بالوطن والعمل من أجله, وطالب الصوراني الفصائل السياسية بالترويج لمقاومة صحيحة لأن الشعب الفلسطيني يعي ما يجري ويريد ثقافة مجتمع مدني صحيحة, وهذا يقع على عاتق المثقفين الذين يملكون السلطة المعنوية, ويرى الصوراني أن الحل الأجدى يأتي بتطبيق القانون وغير ذلك يدل على أن هناك مشكلة داخل الحكومة والسلطة, فإما أن تلتزم بواجباتها وإما أن تذهب للجحيم.

هل يدرك المقاومون أن ثقافة المقاومة التي تؤكد على سيادة القانون واحترامه وتحكيم العقل لإدارة العمل النضالي هو من مصلحة الشعب المظلوم ومصلحة مقاومته المشروعة إذ تحفظ كرامة المقاومين وأمنهم وسلامتهم وترفع من شأن القضية والشعب والوطن.
فالمقاومة منهج وفلسفة وعمل يؤمن به الأحرار وهي رصيدهم الإنساني في كتب التاريخ مادامت من أجل الحرية والأمن والسلام.

فأحسن مقاومة هي معاهدة سلام يعقدها المرء مع ضميره.

الكاتبة: رحمة ثابت - غزة