الخميس: 01/10/2020

الطائفة السامرية : أصغر وأقدم طائفة دينية في العالم

نشر بتاريخ: 10/05/2005 ( آخر تحديث: 10/05/2005 الساعة: 11:52 )
السامريون هم السلالة الحقيقية لشعب بني اسرائيل ، وهم غصن الشجرة التي جار عليها الزمن بملاحمه ونكباته، مؤلفين بتاريخهم ملحمة من أقسى الملاحم التي عرفها التاريخ. هم اشعاع القدماء الذين لم يغادروا الأراضي المقدسة منذ قدومهم الى أرض فلسطين ، أي منذ ثلاثة آلاف سنة ونيف. وعلى الرغم من أهمية هذه الطائفة دينياً، تاريخياً، واجتماعياً، وعراقة عاداتها وتقاليدها وثقافتها، الى جانب الحضارات القديمة والمتتابعة على الأراضي المقدسة، الا أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي من قبل الكتاب، والباحثين ، والمستشرقين، علماء التاريخ والآثار الا في مطلع القرن الحالي، هكذا بدأ الكاهن حسني واصف السامري مدير مركز ومتحف جرزيم حديثه الخاص عن الطائفة.
وأكمل: السامريون هم بقايا شعب قديم، ينحدرون من مملكة اسرائيل الشمالية، ورغم مرور السنين والعصور، الا أنهم لم يفقدوا هويتهم كشعب قائم بحد ذاته. تمثلهم الآن أصغر وأقدم وأعرق طائفة موجودة في العالم، عاشت ومازالت تعيش على أرض فلسطين. ويرجع تاريخهم الى عهد الملك سليمان (923 ق.م) الذي بنى هيكله المقدس في مدينة القدس مخالفاً لتعاليم التوراة، وبعد وفاته تولى ولده رحبعام الملك، ولما رفض هذا الملك رفع الضرائب أو تخفيفها عن أهل الشمال، التي فرضها عليهم والده أثناء بنائه هيكله، تجزأت الدولة العبرية الى مملكتين، المملكة الجنوبية مملكة يهودا، متخذة عاصمتها القدس، والمملكة الشمالية مملكة اسرائيل (المملكة السامرية) وعاصمتها سبسطيه، وأصبحت المملكتان متنافستين، وأحياناً متعاديتان. وكان لكل منهما أيام ازدهار وانحطاط، وميزان القوى يميل تارة لمصلحة اسرائيل، وطوراً الى جانب يهودا.
وينتسب السامريين الى ثلاثة من الأسباط الاثنى عشر أولاد سيدنا يعقوب، هم سبط لاوي الذي تنتمي اليه عائلة الكهنة، وسبطا أبناء سيدنا يوسف، افرايم ومنشي والذي تنتمي اليه بقية العائلات الأربع الأخرى، دنفي، صدقه، مفرج، وسراوي.

وعن تعداد السامريين قال الكاهن : عندما انقسمت الدولة العبرية الى مملكتين، كان عدد سكان المملكة السامرية (مملكة الشمال) يعد بالملايين، وتضاءل هذا العدد حتى وصل في القرنين الرابع والخامس للميلاد مليون ومائتي ألف نسمه، كانوا يسكنون في مدن وقرى كثيرة في أرض فلسطين، من جنوب سوريا وحتى شمال مصر. الا أن الأحكام التي مورست ضدهم، وما حل بهم من مذابح وملاحقات واكراه للتخلي عن دينهم، قد أدت الى تقليص عددهم حتى وصل عام 1917 الى 146 نسمة. أما الآن فيبلغ عددهم 655 نسمة نصفهم يسكن في الجبل الجنوبي من مدينة نابلس (جرزيم) والقسم الآخر في مدينة حولون قرب تل أبيب. وترتكز عقيدتهم على خمسة أركان أساسية: الوحدانية: الله رب العالمين، اله واحد، النبوة: موسى بن عمران، رسول الله وكليمه، الشريعة المقدسة: التوراة، خمسة أسفار سيدنا موسى (العهد القديم) ،الجبل المقدس: جبل جرزيم، قبلة السامريين ، اليوم الآخر : يوم الحساب والعقاب.
ان كل سامري لا يؤمن بالأركان الخمسة هذه، ايماناً أكيداً ثابتاً وراسخاً غير قابل للشك، لا يعتبر سامرياً.

وبما يتعلق بأعياد هذه الطائفة قال الكاهن : يحتفل السامريون في كل عام بالأعياد الدينية فقط، والتي نصت عليها الشريعة المقدسة، وعددها سبعة أعياد وهي عيد الفسح ويصادف في الرابع عشر من الشهر الأول للسنة العبرية ، يقدمون فيه قرابينهم على جبل جرزيم، شكراً وعرفاناً للمولى، على خلاصهم من عبودية فرعون مصر.
عيد الفطير ، هو ذكرى خروج شعب بني اسرائيل من مصر، حيث خبزوا عجينهم وأكلوه عويصاً ومدته سبعة أيام، عيد الحصاد: وهو ذكرى نزول التوراة، ويعرف بعيد السبعة أسابيع. عيد رأس السنة العبرية : يصادف في الأول من الشهر السابع للسنة العبرية. عيد الصوم ويصادف في العاشر من الشهر السابع، يعرف بيوم الغفران، حيث تمتنع كل نفس عن تناول الطعام والشراب، والاعتكاف فيه الى الصلاة والعبادة. عيد العرش أو المظال وهو ذكرى للتيه الاسرائيلي الذي استمر أربعين عاماً يعرف بعيد المظال، ومدته سبعة أيام. وختام الأعياد يكون بعيد فرحة التوراة ويأتي ثامن يوم من عيد المظال.

وتحدث الكاهن عن الطهارة حيث قال ان الديانة السامرية تعتمد على الطهارة، وهي ركن الدين وأساسه، والمرأة السامرية لا يجوز لها أن تلمس أي شيء من حاجة البيت أثناء الحيض" العادة الشهرية"والتي تستمر سبعة أيام، منزوية في فراشها الخاص، أما اذا ولدت ذكراً فانها تبتعد 41 يوماً، واذا ولدت انثى فتبتعد 80 يوماً. يحق لها فقط الاعتناء بولدها الرضيع.
ويجب على السامري الاغتسال فوراً بعد عملية الجماع، واذا أحدث "استحلم" الرجل أثناء نومه، واذا لمس الحيوانات المحرم أكلها، ولمس الميت.
وبما يتعلق بالزواج قال : الزواج هو رباط مقدس عند السامريين، يمر بثلاث مراحل، خطبة، عقد قران، وزفاف. ولا يحق للسامري الزواج من العمة والخالة وزوجة الأخ وابنة الأخ أو ابنة الأخت والربيبة وابنة الزنا. ويتم الزواج بعقد وشهود، ويجري باحتفال يرأسه الكاهن الأكبر أو من ينوب عنه. أما حالات الطلاق فهي نادرة وتحت شروط.

الطعام والميراث لدى السامريين
لا يجمع السامريون في طعامهم، روحين على مائدة واحدة كاللحم واللبن، كما لا يجوز أكل اللحوم المذبوحة على غير طريقة السامريين، لأن الذبيح له شروط دينية، كما يقول الكاهن وأهمها أن يكون الذابح سامرياً ،ملماً بتعاليم التوراة، يعرف المحللات والمحرمات، وأن يستعمل سكيناً حاداً لا يقل طوله عن 25 سم، حتى يستطيع الذبح بنحرة واحدة، ويعرف موقع السكين من رقبة الحيوان، وأن يتوجه أثناء الذبح الى جبل جرزيم ، وأن يطمر الدم بعد الذبح.
هذا ويأكل السامريون من الطير ذوات الحوصلة وغير مشبكة الأصابع. ومن الحيوانات البحرية من كان له زعانف وحراشيف. أما الحيوانات البرية ما كانت مجترة ومشقوقة الظلف. ويحرم عليهم ذبح الحبالى من اناث الحيوان.
وعن الارث قال : يوزع الارث عند السامريين بين الورثة بالتساوي، وتكون حصة البكر الضعف، والبنت لا ترث في حال الأموال غير منقولة. أما اذا توفي شخص، وترك بنات فقط، فانهن يرثن بشرط أن يتزوجن من أبناء عمومتهن، كي لا يختل توازن تقسيم الأرض المقدسة على أسباط بني اسرائيل.
أما الختانة عندهم فهي عهد قطعه رب العالمين مع سيدنا ابراهيم عليه السلام، ومنذ ذلك الوقت والسامريون يحافظون على هذا العهد، حيث يختنون المولود الجديد في اليوم الثامن من ولادته، ولا يجوز تأخيرها لأي سبب من الأسباب.
ويملك السامريون حساباً فلكياً يعرف بـ "حساب الحق"، وهو حساب فلكي قمري منقول عن سيدنا آدم الى يومنا هذا. وهو متوارث في عائلة الكهنة فقط.
السنة العبرية مكونة من اثني عشر شهراً قمرياً، لكن هناك سبع سنوات كبيسة(ثلاثة عشر شهراً) تقع كل تسعة عشر سنة.
أما ابتداء التاريخ السامري فكان منذ دخول بني اسرائيل الأراضي المقدسة أي قبل 3638 سنة خلت.


الشريعة المقدسة

السامريون يؤمنون بخمسة أسفار سيدنا موسى، وهي التكوين، والخروج ، واللاويين، والعدد، والتثنية. ويملكون أقدم نسخة خطيه موجودة في العالم للتوراة، حيث يعود تاريخها الى ما قبل 3625 سنة يقول الكاهن أن كاتبها هو الحفيد الرابع لسيدنا هارون، أبيشع بن فينحاس بن العازر بن هارون شقيق سيدنا موسى. وكتبت بعد دخول شعب بني اسرائيل الى الأراضي المقدسة بثلاثة عشر سنة. ومكتوبة باللغة العبرية القديمة. وعدد أحرف اللغة اثنان وعشرون حرفاً، تكتب من اليمين الى اليسار. وحتى مطلع القرن الأول للميلاد كان اليهود يكتبونها ويتكلمون بها.
والتوراة السامرية تختلف عن النسخة اليهودية من التوراة بسبعة آلاف فرقاً، بين كلمة وآية.
أما كلمة التوراة فتعني التورية حيث يجد فيها الانسان كل ما يحتاجه في هذا الوجود في أي زمان ومكان.

وعن قدسية جبل جرزيم يقول انه جبل الفرائض حيث اختاره رب العالمين لتقديم القرابين عليه وهي العشور، والأضاحي. وهو أحد الأركان الخمسة التي يرتكز عليها الدين السامري. وهو قبلتهم ومهوى أفئدتهم. أراد سيدنا ابراهيم تقريب ولده اسحق عليه، ورأى سيدنا يعقوب أثناء حلمه عليه الملائكة صاعدة الى السماء. وبنى يوشع بن نون هيكل سيدنا موسى عليه، عند دخوله الأراضي المقدسة، خصه المولى بثلاثة عشر اسماً مميزاً في الشريعة، لكن القدس لم تذكرها التوراة ولا مرة واحدة.


السامريون والديانات الأخرى

يقو ل الكاهن ان جميع الديانات ذكرت السامريين في كتبها السماوية، لذلك هناك اهتمام من قبلها بهذه الطائفة، وتذكر الكتب السامرية أنه لدى انتشار الاسلام في الجزيرة العربية توجه وفد سامري برئاسة أحد حكمائها ويدعى (صرمصا) الى النبي محمد (عليه السلام) من أجل الحصول على كتاب خطي، لأمن السامريين وحمايتهم. فكانلهم ما أرادوا، حيث أمر الرسول محمد عليه السلام علي بن أبي طالب بأن يكتب عهد للسامريين جاء فيه "أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب أمرت أن يكتب للسامرة أماناً وذماماً على أنفسهم وديارهم وأموالهم وبيوت عباداتهم وأوقافهم في كل بلادهم وأن يسري فيهم وفي ذمم أهل فلسطين بالسيرة الحسنة".

أما المسيحيون فيطلقون على معظم مؤسساتهم الخيرية (السامري الصالح) تيمناً بالسامريين الذين ساعدوا المسيحي الذي أنقذوه من الموت قرب أريحا، والسامرية التي أسقت المسيح في بئر يعقوب قرب نابلس.

أما اليهود فيعود اهتمامهم بالسامريين كونهم يملكون أقدم نسخة خطيه موجودة في العالم للتوراة، والتي يرجع تاريخها الى 3625. وكذلك العادات والتقاليد العبرية القديمة.

أما الشعوب الأخرى فتهتم بالسامريين لرغبتها بالتعرف على أقدم وأصغر وأعرق طائفة موجودة في العالم، والتي رغم الأحكام التي مورست ضدها وما حل بهم من مذابح وملاحقات واكراه للتخلي عن دينهم الا أنهم ما زالوا يحتفظون بأعرق التقاليد لأقدم العادات.


السامريون في وقتنا الحاضر

يعمل السامريون في مدينة نابلس بالوظائف الحكومية، التربية والتعليم، والوزارات والمؤسسات المدنية وغيرها، ويقوم بعضهم بأعمال حرة كالتجارة.
ويعتبر السامريون الأكثر تعليماً في العالم من حيث عدد السكان، فلا تتعدى نسبة الأمية بينهم 1% ، ويلتحق جميع طلابهم بمدارس المدينة، ويكملون تعليمهم العالي في جامعة النجاح الوطنية، حيث أنه لا يتسنى لهم اكمال تعليمهم خارج البلاد لما يتعلق بالمحللات والمحرمات، كالأكل، والحفاظ على قدسية يوم السبت، والتواجد في جبل جرزيم وقت الأعياد، والصلوات وغيره.
ويتحدثون فيما بينهم اللغة العربية ، بينما يستخدمون اللغة العبرية القديمة في صلواتهم.
وقد حاول الاحتلال دمجهم مع المجتمع اليهودي عندما طلبوا منهم أن يضم جبل جرزيم الى المنطقة (ج)، باعتباره منطقة اسرائيلية، لكنهم رفضوا اذ يعتبرون أنفسهم جزء لا يتجزأ من المجتمع والشعب الفلسطيني يشاركونه أفراحه وأحزانه.