Advertisements

خمس قصص في مواجهة نكسة67

نشر بتاريخ: 10/06/2020 ( آخر تحديث: 10/06/2020 الساعة: 12:45 )
خمس قصص في مواجهة نكسة67

المتوكل طه

أبو شيبان

لعل إيمانَ أبي شيبان لم يحتمل أن يرى "الاحتلال الاسرائيلي في القدس"! ويسقط عليه هذا الأمر قدراً ثقيلاً! فالأهون عليه أن يغادر هذا الواقع والقدر المحتوم ويغادر وَعْيه، لأن هذا الوعي لا يستوعب قسوة "الحقيقة" المناقضة لكل وَعْيه واحتمالاته.

وبمغادرته إلى عوالم كثيرة، فإنه يكون في حالة دفاع دائم عن إيمانه الذي تقهقر أمام ذلك الحدث الداهم الثقيل.

وبالتأكيد، فإن إيمان أبي شيبان لم يتغيّر، لكنه هُزم كشخص. فثمة مؤمنون لا يحتمل إيمانهم أن يُهزم، لأنهم يدركون أن هناك مُجبرات وفجائع وحقائق مبهظة في الحياة، لهذا يقاومونها ويرفضونها ويتألمون لذلك، وقد يُهزَمون كأشخاص، لكن إيمانهم لا يُهزم! لأنهم على يقين أن الإيمان كينونة وليس كائناً.

* * *

نشعر بندم شديد! لكننا كنّا صغاراً لا نُدرك أن اجتماعنا ولحاقنا بأبي شيبان وصراخنا خلفه مستهزئين سيورثنا هذا الندم الممضّ!

كان رجلاً قد تجاوز السبعين، يمشي هائماً على وجهه المفزوع بلحية شائكة بيضاء، وسروال متّسخ، حافياً زائغاً، وكثيراً ما كانت روزته تنفتح فتبدو كالعباءة على كتفيه، فتظهر شلحته المتسخة وسرواله الفضفاض المُهترئ.

وأبو شيبان كان رجلاً ولا كل الرجال.. عاقلاً.. دمثاً.. قليل الكلام.. محتشماً.. خجولاً.. ذا مروءة وكرم، لكن صبيحة اليوم الثاني من نكسة حزيران العام 1967 كانت كافية لأن يخرج أبو شيبان على غير هدى إلى الناس يسألهم عمّا جرى، فصار يمسك بقبّة هذا ويد ذاك، ويلكز هذا ويصرخ في وجه ذاك، وهو غير مُصدّق، ويكرّر جُملته الواحدة: هل هُم في القدس الآن؟ ثم يصرخ: الاحتلال في القدس.. يا باي، ويلطم على وجهه، ويبكي! فيضرب الناس كفّاً بكفّ ويقولون: لقد جُنّ أبو شيبان!

وظلّ أبو شيبان ينظر في الوجوه، ويتفحّص الخلائق الذين انغمسوا في أعمالهم صارخاً في وجوههم، يشدّ مَنْ يجده، حتى باتوا يتحاشونه، كأنهم يفرّون من سؤاله الذابح!

كان طبيعياً أن تصدف أبا شيبان دائراً كالزوبعة في الأزقة والشوارع، يتمتم بكلامه المُبهم وخطواته السريعة التائهة، حتى غاب عن الأنظار، ولم يفطن أحد لغيابه، فقد وجدوه متكلّساً في حقل الليمون جوار البلدة لشِدّة البرد، فظنوه مجمّداً أو مغمياً عليه، لكن طبيب الوحدة الصحية أكد أنه ميت منذ ما يزيد على شهر، والعجيب أن جثته لم تتعفّن ولم تتغضّن، وظلت بطراوتها وأنفاسها الدافئة كأنه حيّ يرزق.

وظلّت البلدة دون سؤال!

***************

حبشين

"بيّارته أكبر من البحر"، كانت تقولها لنا أُمّي عندما يأتي يوم العيد، ويسلّم عليها ويعيّدها دون أن تتبدّل ملامحه الحجرية الصارمة، ويخرج مكتفياً بكاسة شاي.

ويبدو أنه ارتخى للنهاية اليائسة، فاستسلم، كمريض، لا يتغيّا الشفاء!

وربما كان يعتقد أن شَجَرهُ مروحةُ الدنيا، وأن بيّارته أغنية خضراء، ولكن الخنازير قد أخذت قالب الحلوى، ولن يرحمه غيرُ هذا الصمت والحرمان اللذين أعطياه الموازنة الدقيقة بين البقاء والفناء، مثلما أعطياه مقاربةً يظل معها شهيداً في بيت عزائه الذي لن يُغلق إلى أبد الداهرين.

* * *

ربما يبتسم، لكنه لا يضحك ولا تُرى أسنانه! ولم يحضر عُرْساً، ولم يشارك في زفَّة أو سامر. يؤدي يومه بآلية رتيبة، ويجلس في حسبته يبيع الخضار والفاكهة، ويظل صامتاً في ذاته ومشاويره الغامضة الزائغة.

كان لقبه "حَبْشين"، ولا يدري أحدٌ ما معناه ومنْ أطلقه عليه، لكنهم ينادونه بأبي زهدي.

وأبو زهدي الذي كان يملك بحراً من بيارات يافا الممتدة حتى أراضي اللد والرّملة.. هاجر إلى بلدتنا وافتتح حسبته، وحرّم على نفسه أكل البرتقال أو شرب عصيره ما دامت البلاد تحت دياجير الاحتلال.

لكن جار أبي زهدي الذي يعرف أنه يشرب من إبريق الفخّار الموضوع على بسطة الشباك الكبير.. قد عصر كمية من البرتقال، وصبّها في الإبريق رحمةً بأبي زهدي ليتذوق فاكهته التي حرّمها على نفسه!

وكالعادة، مشى أبو زهدي إلى إبريقه، ووضعه على فمه، وكرع جرعةً، ثم ألقى بالإبريق بعيداً، فتهشّم!

نزلت جرعةُ البرتقال إلى أمعاء أبي زهدي كأنها سمٌّ زعاف، فتلوَّى، فحملوه إلى المستشفى، فضاقت أنفاسه، ولم يلبث يومين حتى مات!

***************

صلاة الجماعة

أبو سَلَمة خفيف الظل، ذو غمازتين حلوتين، واثق كل الثقة من أنّ للبيت ربّاً يحميه. فما إن يتحادث الرجال عن الشائعات التي تقول بأن اليهود سيقومون باحتلال ما تبقّى من القدس، حتى يدير ظهره لهم، ويقول جملته البيضاء في وجه كلامهم الأسود، ومفادها: إن للحَرم ربّاً يحميه! أما في يوم الخامس من حزيران في ذلك العام المشؤوم 1967، فقد هُدمت قناعة الرجل عندما سمع جنوداً يرطنون بلغة غريبة تختلط مع قعقعة السلاح وأسماء لم يعهدها؟ ففتح أبو سلمة الشباك، ونظر إلى السماء، وقال: لماذا تحرجني؟ ماذا سيقول الناس عني؟

* * *

بعد شهور رأى الناس أبا سلمة يذهب عند أذان المغرب، ويقف بين شواهد القبور، في مقبرة الرحمة شرق البلدة القديمة، وحده، ثم يُقيم الصلاة وحده، أيضاً، ويقف إماماً وينظر يمينه ويساره ويقول: استقيموا إلى الصلاة يرحمكم الله، استووا واعتدلوا أثابنا وأثابكم الله، ويصلّي كأنَّ وراءه مُصلّين! وكم كان استغراب مَنْ رآه يصلّي إماماً في جماعةٍ وهو وحدَه ليس إلاّ.

وتكررت صلاة أبي سلمة وإمامته في الناس غير المرئيين، وكان ذلك كل أسبوع تقريباً! وصادف أن أبا سلمة كلّما قام بصلاته تلك وقعت عملية فدائية؛ تفجير هنا وقنبلة هناك، ورصاص هنا وكمين هناك، وراح الناس يربطون بين إمامة أبي سلمة في المقبَرة والعملية البطولية التي ستقع بعدها بساعات!! وذُهل أهل المدينة غير مصدِّقين تلك العلاقة الحقيقية والمبهمة، والرابط الذهبي بين الصلاة والجهاد!

ووصل الخبر إلى المخابرات الاحتلالية، فقامت باعتقال أبي سلمة، وأخضعته لتحقيق مكثف وشرس وطويل، غير أنها خرجت خالية الوفاض، ولم تتمكن من استخراج حرف واحد من فم أبي سلمة، فوضعته في زنزانته وحيداً مُنعزلاً .. وراحت تراقبه!

كانت المخابرات قد وضعت عدسة كاميرا تراقب أبي سلمة ليلا ًونهاراً، وتعدّ عليه أنفاسه، وتراقب صلواته ودعواته ونومه وقضاء حاجته! وأخيراً، لاحظوا أن أبا سلمة قام ووسّع المكان الضيق في زنزانته، ونفخ غبارها ومسحه بيده، ووقف في زاوية الزنزانة وكبّر وأقام الصلاة، ونظر خلفه يميناً ويساراً وقال: استقيموا إلى الصلاة يرحمنا ويرحمكم الله، استووا واعتدلوا أثابنا وأثابكم الله، وراح يُصلّي جهراً صلاة المغرب كأنّ أسراباً خلفه تؤمّن على ما يقوله من كتاب الله العظيم، وفي اليوم التالي كانت عملية فدائية قد خسفت تجمعاً لجنود الاحتلال! فأعادوا أبا سلمة إلى التحقيق، ولكن دون جدوى!

************

وجه غريب

لم تكن أراضي بلدتنا بعيدة عن تلك المستعمَرة، التي أقامتها العصابات الصهيونية، وأطلقت عليها اسم المُوشاف الجديد.

كان الموشاف قد تضاعفت أكواخه الحجرية وبيوته التي أقامها هؤلاء الغرباء، وراحوا يُسَيّجون حولها بالأسلاك الشائكة والأشجار الحرجيّة. غير أنّ بستاننا الممتد الكبير يقع بمحاذاة الموشاف مباشرة، فكنت أرى سكان البيوت القريبة وهم يدخلون ويخرجون، وصدف أن كانت صبية سمراء فارعة الطول تقطن أحد تلك البيوت، فكنت أطيل النظر إليها وكانت تلحظ نظراتي.. وشيئاً فشيئاً صرت ألوّح لها إلى أن استجابت لنداءاتي البعيدة، فاقتربتْ من السياج، وتسلّلت منه وجاءتني.. فإذا بها مهاجرة يمنيّة تتحدث العربية بطلاقة.

تواصل عبورها من السياج إلى بستاننا، وتحوّل حوارنا تدريجياً إلى علاقةٍ تعمّقت إلى أن أصبحنا مثل زوجين على سريرٍ واحد.

كانت ترتعش تحت ثوبها، إلى أن تحقّق الكمال. والحبّ ليس نزلة بَرْدٍ تُصاب بها، الحبّ يجعلنا ضعفاء. وقد ملأت خزانة قلبي بقلائدها الساحرة.. تلك الفاتنة الذهبية، التي تعزف الناي دون أن يُلامس شفتيها! فالحبّ شغف، والصداقةُ سَكينة.

ووقعت النكبة، وانقطعت عنّي تلك اليمنيّة، التي كانت قد تعرّفت عليّ جيداً وتعرّفت عليها، وعلمتُ أنّها تعيش مع أُمّها وأبيها، وأنّ أخاها قد التحق مع عصابات الهاغانا، وأنها عروسة جندي آخر، طالما عاشرها وغاب عنها، لهذا لم تكن تخشى أن تكتمل علاقتي الجسدية بها. ولا يوجد مَن هو صالحٌ.. دائماً.

أقْبِلْ أيها الألم! إننا نرحب بك.

.. وحلّت نكسة حزيران العام 1967، ودهمت العصابات وجيش الاحتلال ما تبقّى من أرضنا! لم أكن أتوقع أنّ تلك اليمنيّة حملت منّي، وأن عريسها قُتل بعد أُسبوعٍ واحدٍ من آخر لقاء جمعنا معاً.

كنتُ في دكّاني أبيع الخضروات والفاكهة، وكنت قد تزوّجتُ، ونسيتُ تلك المرأة، غير أنّ وقوفها أمامي بعد شهور من نكسة حزيران قد أعادني مرة واحدة إلى ما كُنّا عليه من تواصلٍ في ذلك الكوخ، الذي يتوسّط بستاننا. لم أعرفها بداية الأمر، وحسبتها زبونة، فإذا بها تسلّم عليّ وتعيدني إلى تلك الذكريات، وقد صعقتني عندما أخبرتني أن ابنها الوحيد هو من صُلْبي!

أنكرتُ الأمر، وحسمتُ ذلك الحوار المخيف بأن أكّدتُ لها أنني لم أعرف امرأة غير زوجتي، وأنها تتوهّم علاقةً مع عدوٍّ لها لا يمكن له أنْ يُعاشر مَن تحتلّ أرضه.

ذهبتْ، وحسبتُ أنَّ المسألة قد انقضت.. غير أنّ الحاكم العسكري قد جاء بقوّة عسكرية طوّقت دكّاني، وقاموا باعتقالي.

بعد أُسبوعٍ من الاعتقال والتحقيق، أعلمني الحاكمُ العسكري أنه قد تمّ اتخاذ قرار بإبعادي خارج الوطن. وأضاف أن قصة تلك المرأة غير حقيقية، وحذّرني من أن أنبس بكلمة واحدة عن علاقتي تلك بها.

لم يكن أمامي غير أنْ أطفق في بلاد الله وأسعى في مناكبها، إلى أن حَطّتْ راحلتي في السويد، حيث الجبال الضبابية والمطر الحارق! وكم كان حنيني إلى تلك النسمة الّلعوب! التي كانت تُؤَوِّب في جنبات بستاننا في الفصول المتتابعة.

وبعد ثلاثين عاماً، حملتُ نفسي وقصدتُ زيارة بلدي وأهلي، وبإمكاني العودة بوساطة جواز سفري السويدي. وهبطتُ، وقلبي يخفق شوقاً، يسابق خطواتي نحو الوصول إلى البيت والحارة.. وفي بهو مطار اللد، وعند نقطة فحص الجوازات، رأيت ضابطاً يكاد يكون نسخةً منّي! فتوجّهتُ إليه وسألته: ما اسم أمّك؟ استغرب الضابط سؤالي وظنّ بي الجنون، فتشاغلَ ولم يجبني. غير أنّ الغمّازتين اللتين كانتا على وجه تلك المرأة أكاد أجزم أنهما انتقلتا على خديّ ذلك الضابط .. غير أنّ نساءهم يضعن أطفالاً على جلودهم بقعةُ دمٍ تُشبه الوَحْمة التي لا تزول، وظننتُ أنّ هذا الضابط قد ولد دون بقعة، أو ربّما كانت وحمته على صدره، تحت قميصه!

حملتُ حقائبي وقصدتُ الخروج من معبر التفتيش إلى خارج مبنى المطار، فوجدت الضابط قد لحق بي، وسألني: لماذا سألتني عن اسم أمّي ؟! قلت له: لأنك تشبهني! فأجاب سريعاً بلهجةٍ عربيةٍ يمنيّة مكسّرة: أنتَ غلطان، أنا لا أشبهك ولا أشبه أحداً من قومك، انصرف واخرس! وإلّا أعدتُكَ من حيث أتيت.

*******************

الغائب

هل عاد فارس؟

لا، لم يعد..

فَحَمل نفسه وخرج من البيت وعلامات الاستياء بادية عليه.

إلى أين يا رجل؟ سألته زوجته.

سأكون في الحقل.

بعد عام رجع وسأل زوجته: هل عاد فارس؟

لا.. لم يعد..

فَقفَل راجعاً إلى بيّارته.

بعد عامين عاد وسألها: هل عاد فارس؟

لم يعد.

أدار ظهره واتّجه نحو الأشجار.

بعد خمسة أعوامٍ سألها: هل عاد فارس؟

لا..

فعاد من حيث أتى.

بعد عشرة أعوام: هل عاد فارس؟

لم يعد.. لم يعد.

بعد عشرين عاماً..

لم يعد فارس!

بعد أربعين عاماً كرّر السؤال نفسه: هل عاد فارس؟

وتقول زوجته: لم يعد.

لكنّ الشيخ بقي في البيت، بل اتّجه نحو غرفته ولم يعد إلى الحقل، فسألته زوجته: لماذا تبقى؟ لقد أفنيت عمرك بين الأشجار تنتظر وَلَدك، فَعَلامَ تظلّ؟ هل لتكرّر سؤالك الجارحَ عليَّ كلّ دقيقة لتذبحني؟

طأطأ رأسه ولم يُجب.

كان الإسمنت الطازج والإسفلت العريض والبوابات الإلكترونية وأبراج المراقبة قد أتت على الحقل وأبادت الأشجار، ولم يتبقَّ غير ذلك البيت الصغير لينتظر فيه ولده.

في اليوم التالي سألها: هل عاد فارس؟

لعلها ضحكت من سؤاله المكرور.. أو ربما كان ضحكها أشبه بالبكاء المكسور.

Advertisements

Advertisements