السبت: 19/09/2020

يا بيروت

نشر بتاريخ: 08/08/2020 ( آخر تحديث: 08/08/2020 الساعة: 16:02 )
يا بيروت

الكاتب: السفير منجد صالح

أسدل الليل رداءه المثقل بالبارود على وجنتي مينائك المُتورّدتين المُتفجّرتين دما ودموعا يا بيروت.

هجر طائر السنونو عُشّه وترك صغاره جرحى وصرعى في محراب حبّك الأبدي، فبيروت لا تُشبه غيرها من العواصم، لا تُشبه غيرها من المدن، لا تشبه غيرها من المرافئ.

فالزهر في بيروت لا يذبل مطلقا وأبدا، إنّما ينفجر في عزّ شبابه وعنفوانه وتورّده، ليصل صدى أنّاته وأنينه وزئيره إلى دمشق وعمّان ولارنكا.

الفنيقي، سيّد البحار، منذ بدء الخليقة، ما زال حرّا طليقا أبيّا يمخر عباب بحار ومحيطات العزّ والكرامة، يُعانق شقيقه وجاره الكنعاني.

يتعانقان كلاهما، في حضن واحد دافئ، مع البابلي الذي شيّد الحدائق المُعلّقة، إحدى عجائب الدنيا السبع.

لم تعد عجائب الدنيا سبعا، وإنّما تسعة وعشرة، زادت وزادت عجائب وعجبا وعُجاب على مرّ الزمان وتبدّل الأيام.

لكنّك يا بيروت تبقين صامدة واقفة، سارية من نور، قبل الميناء وبعد الميناء، على الأرض وفي عنان السماء، ترفعين على مرفئك العتيق العريق راية كُتبت عليها كلمة "مُقاومة".

هل هذا ذنب أم عزّ لك يا بيروت؟؟؟!!!

عزّ وفخار يا بيروت في صمودك ورسمك نقوش آيات وتراتيل العزّة والكرامة والفداء على بوّابات هذا الشرق.

تحفر من تحته "خُلدات" بني صهيون وبني العم سام وبني العُرب التوابع من المُتلفّعين المُتدثّرين بالدشاديش البيضاء شديدة القتامة والسواد.

تقطر أطرافها وذيولها سُمّا وكازا وغازا، وتيها وضياعا، في سراب صحراء ترامب ونتنياهو، "الصديقان المُصدّقان"، العابثان، "الخبيران" في "شفط" النفط، وجلب القحط، وتمريغ أنوف كرامة الحكام والملوك في كثبان الرمال المتحركة.

رايتك يا بيروت ستبقى خفّاقة، بالرغم من تبدّل لونها من الأحمر إلى الأحمر القاني إلى شديد الحُمرة والاحمرار.

يحرسها شعب أبيّ صابر وسواعد سمراء لشباب ثائر صنديد في الوغى، رحماء بينهم، حانين على عوائلهم وشعبهم، بالرغم من عبث العابثين من "السُمّار" والجعاجعة والسنيوريّات والكرادلة الغُشماء ومجموعة المهرولين إلى موائد "شيا"، السفيرة الأمريكية في بيروت.

رايتك يا بيروت تحمل نقوشا ورسوما لقامات وهامات كمال جنبلاط ومعروف سعد وإبراهيم قليلات وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وسليم الحص ورشيد كرامي وسعد صايل (أبو الوليد) وحسن نصر الله.

رايتك يا بيروت مزيّنة برائحة المسك فوّاحة من بطولة وفداء سناء المحيدلي ودلال المغربي وعلي ابو طوق وعزمي الصغيّر وعبّاس الموسوي.

رايتك يا بيروت لا تحمل ابدا وردا ذابلا وإنّما شذرات ازهارك الفتية العطرية المُتناثرة حُبّا وودّا وسلاما على الأصدقاء وسهاما مسمومة زعافا على الأعداء وعلى كيد الكائدين.

لملمي، يا بيروت، جراحك وحزنك وزهرك المُتنائر وانبعثي عنقاء غرّاء من تحت الجمر والرماد.

فأنت لا تُشبهين غيرك من المدن، لا تُشبهين غيرك من العواصم، لا تُشبهين غيرك من المرافئ.

بيروت "خيمتنا الأخيرة" والأولى والتالية يا درويش.

سلام لبيروت سلام من قلوبنا يا فيروز.

مرفأ وشوارع بيروت الجريحة تُناجي شوارع القدس الأسيرة العتيقة يا فيروز.

ترفضين يا بيروت، أنت وجنوبك، أن تموتي، وستبقين حيّة نضرة تحيا تحيا بيروت يا جوليا بطرس، يا عاشقة الجنوب.

يا بيروت، يا نغمات أغاني مارسيل خليفة وأميمة الخليل، ومواويل وديع الصافي ونصري شمس الدين وعود الأخوين رحباني وعود زياد الرحباني.

يا بيروت، يا منجنيق المُقاومة.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني