الأربعاء: 21/10/2020

‏أُريدُ أن أكون التفاحةَ والسهمَ، ‏وهذا التداخلُ يحدُثُ

نشر بتاريخ: 23/09/2020 ( آخر تحديث: 23/09/2020 الساعة: 19:49 )
‏أُريدُ أن أكون التفاحةَ والسهمَ، ‏وهذا التداخلُ يحدُثُ


الكاتب: نداء يونس

تقوم فلسفة العدمية Nihilism لدى فريدريك نيتشه على الاعتقاد بنسف كافة الاسس المرجعية للقيم وكذلك الاعتقاد بامكانية المعرفة، ويرافقها عادة التشاؤم الشديد والشك المتطرف الذي يدين الوجود. ان هذا التعريف ينطلق اساسا من زاوية معالجة فكرة العدمية التي يستند نيتشه في تعريفها الى التدمير ويعني ذلك تحطيم ما هو قائم لا انكار الوجود ذاته، ان عدمية نيتشه تبدو اكثر توجها نحو الهدم، الزوال او التآكل، انها ليست اللاشي nothingness انها نوع من انواع الوجود الذي نقول بعدم استحقاقه للوصول الى درجة اليقين او انه العدم المرتبط بعملية تآكل جوهرية للوجود، فالعدمية بهذا ليست الفراغ الذي يعني حالة اللاوجود او القيمة الصفرية للاشياء، ويستند نيتشه في تعريفه للعدمية الى الاصل اللاتيني nihil، اي اللا شيء بعد ان يكون، انها نفي للشيء.

ينتمي بعض الفلاسفة الى هذا المذهب الذي تميز في القرن العشرين بنزعة نحو الفشل المعرفي، وتدمير القيم، والكون الذي بلا هدف واللامبالاة ورفض النزعة التأسيسية وهي مبادئ رئيسية تبدو كنبوءة قديمة من نيتشه لخصاص مرحلة ما بعد الحداثة التي تميزت برفض السرديات الكبرى او الفوقية والكيفية التي تم بها استخدامها لشرعنه سلطات الخطاب، الا ان ما يميز نيتشه هو جدليته المتعلقة بآثار العدمية المسببة للتآكل والتي ستدمر في النهاية كل المعتقدات الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية وتعجّل بأكبر أزمة في تاريخ البشرية، وبهذا المفهوم يمكن ان تجد ارضية تطبيقية في تفكيكية دريدا ولا نهائية تعيينها للدوال والمدلولات، سيما وان عدمية نيتشة تبقى محصورة في بعدها الانطولوجي فقط مع ضرورة الانتباه الى ما تقودنا اليه تفكيكية دريدا من انكار ليس للحقيقة بل لقدرتنا على معرفتها.، اننا امام هدم داخل اللغة واليقين سيؤدي بالضرورة الى نسف مرجعي لفكرة تقديس الثوابت من خلال عدم قدرتنا على اثباتها، وهذا سيؤدي الى نسف الكيونة (سيندي) لا الوجود (سين).

ان العدمية النيتشوية ممارسه فكرية بينما تفكيكية دريدا ممارسة لغوية، واذا كان كلا التوجهان يستندان الى التشكيك بثبات المعتقد، فان مسألة اليقين تصبح مجرد العاب لغوية كما اسماها فنجشتاين وبنى على ذلك ليوتار. وفي هذه الحالة، تتحول انطولوجيات السرد الفوقي كممارسة سلطوية الى العاب للغة تستخدم لاضفاء الشرعية على الادعاءات بدلا من الاعتماد على الموضوعية والتجربة.

واذا كان سورين كيركجارد قد قدم العدمية بمفهومها الماركسي اي التسوية leveling بافتراضه ان الفرد يمكنه ان يقود تمردا لكنه لا يستطيع ان يقود عملية تسوية (مع سلطات الخطاب)، فان هذا البعد التجريدي ذاته للعدمية الكيكجاردية والذي يعتبر قهرا للفردية هو الغاء للفرد او عدمية له، أي انه انحلال او تآكل لمفهوم الوجود الانساني نفسه امام فكرة البنى الفوقية.

وبما ان الشعر وجه اخر للفردية التي ترفض الخضوع لسلطات الخطاب، وحيث ان الثقافة رافعة ما دامت تسير مع السائد وحالة قلق اذا اختلفت عنه، فان حتمية الاختلاف اوجبت انشغالات وهواجس وجودية كان العدم احدها في مجموعتي الشعرية كتابة الصمت بجزأيه "انائيل" و"بروفايل للسيد هو"، فهو الذي اقول انه "طائرُ ":

"يحفرُ جذعَ الزمنِ،

لكنه بلا منقارٍ ص (277)

وحيث ان كل شي يصبح مجرد وهم وانحلال، فان الزمان يصبح مرادفا لسيولة المكان وعدميته من خلال عمله كموظف حسابات لدى العدم، هذا السيد الخراب:

فقاعاتٌ

تقدمُ تقريرًا للعدم؛

الزمن (ص 253)


وبهذا تصبح الحياة عدمية ايضا ولا وظيفة لها سوى ان تحجز لنا مكانا لنا معه او مع اشياء نقول اننا نعرفها او ندعي ذلك وبهذا تصبح المعرفة التي ندعيها مرادفا نيتشويا للعدم:

ألمٌ؛

إذا كنت تستطيع

أن تستمرَ بالسباحة في الملحِ

دون لاصقةِ جُروح؟

الانتظار؛

إجابةٌ للأسئلةِ التي تطرَحُها

الحياةُ، وهي تحاولُ أن تحجزَ لنا موعداً مع العدمِ

أو شيءٍ آخر ندَّعى بأننا نعرفه؛

أو هكذا يبدو (ص 254)


وبهذا تصبح الحياة ذاتها في تعريفها هنا مجرد عدم قدرة على التقاط الاشارات او عدم امكانية لفعل ذلك، وهذا انعكاس للمفهوم التفكيكي لدريدا، ما يؤدي الى نسف الكينونة كما قال نيتشه، وبهذا انفذ الى معنى الحياة كوجه اخر للوجود، فالمعنى يكمن في الضد، ويظهر ذلك في:


على شاشة التلفاز bad signal،

والحظ موسوم بـ bad signal،

والحياة منذ البدء bad signal،

وحدها الجبالُ

ترى النارَ التي أشعلتِ الماء.

الجُندِيُّ الذي رسم وجه بوذا،

على باب خشبي

في ثكنة عسكرية،

لم يكن يعرفك،

لولا أنت،

يمكن أن يُفهم «هو»؛

خطأً.


طبقٌ باردٌ،

ألتهمهُ بلا جوعٍ،

وأتقيؤهُ؛

هذا الوقت.

الزمن نورسٌ يحلقُ فوق

صحراء،

إما أنه لا يرى،

أو أنه يقضي عقوبةً بالعدم.

وبعدين؟!

لا أرى من جثةِ الحياةِ

سوى يدِها

المتفسخةِ.

الحلمُ هو المكانُ الأكثرُ أمنا،

لكنْ لا شئ مما يحدثُ له

ماضٍ،

إلا منذ أن وضعتْ اينانا

يدها

على رحمي.

ثلاثةُ دنانير ذهبية،

هل تكفي ليكونَ لي بستانُكَ،

لأشتريَ سيفَكَ المُطعَمَ،

لأَمتلكَ صندوقَ العجائبِ

والممالكِ

والمرافئِ

والزّمن.

خارطةٌ؛

هلا فككتَ معي الطلاسِمَ؟

شامَةٌ على اليمينِ،

وغابَة الدفْلَى عن شمَالكَ،

وهنا غارَ نيزكٌ واحترقَ.

أكمِلْ ... أكمِلْ،

ماذا تُسمّي هذي العلامةَ

تلك الإشارةَ،

وكيف يمكن أن تَطالَ كنزَاً

من ورق؟!

- علّمْني: كيف؟!

أو أعطني تعريفاً آخر للعدم!

- للعدمِ معنىً آخر: bad signal (ص 238-242)

وبما ان العدمية تمارس ايضا من خلال العاب اللغة كما يقول فنجشتاين، ولان الشعر حالة رفض فردي لسلطة الخطاب كما يقول فوكو، فان العدمية هنا هي ممارسة شعرية مشروعة تحاول ان تخترق البنى العمودية بالخلود، من خلال النص الذي يبقى، وتماحك نبوءة ليوتار حول فشل الفردية امام الجمعية اليقينية التي تمت السيطرة عليها خطابيا، فالنجاة من العدم قد تكون شكلا اخر للتجريد او للحب الذي هو رومانسية وهروب مؤقت ما يلبث ان يصطدم بالواقع وبالعدم الذي يمكن ان تتمثل مرحلة انسلاخه وانهياره بظهوره ظلا جسدا اي تجسدها:

لا ‏أ‏قولُ ‏أ‏ن الانعكاسَ ضرورةٌ‏،

‏بل أن الظلَّ

‏إثباتٌ‏ ‏على نجاةِ الكائناتِ‏

‏لا من الحبِ؛

‏بل ‏من العدَم‏ِ.(ص 48-49)

والشك قائم في اعمق الجماليات الوجودية التي نلجأ اليها لنكسر وهم الخرافة؛ الحب

مروركَ يكفي كي أصدقَ

خرافتي، وأنجو

ربما،

من فكرةِ العدم (ص 108)


لكنني ايضا اقلب الفكرة، فكرة العدمية ذاتها، ففي هذا المقطع الشعري، تصبح العدمية شغل العدم نفسه وليس الانسان، انه الذي يمارس لامبالاته العالية امام احتراق الانسان في سؤالي الكينونة والوجود او اللاكتراث امام وهم اليقين او انه الذي يقود الحياة والزمن مثل ضد اوركسترا البديهيات:

وليس يهتم

بأكثر من طعام في منقاره

طائر العدم.

ولهذا، فان العدمية لا تتعلق بالماضي فقط بل بالمستقبل ايضا، ان امكانية التأكد من الذي حدث غير ممكنة وبالتالي، فان اليقين في الغيب غير ممكن ايضا، وبهذا يبني الشعر من خلال سرديته الفردية في مواجهة الاسئلة الاخطر والاعمق سردية العالم ذاته :

لأكتُبَ عما لا أعرفُهُ

في محاولةٍ للتّحايلِ على

ما أعرفُهُ

ولا أريدُ أن أقولَهُ

أخلقُ تناظراً بين الفراغِ والعبثِ

ومن أجل الكثيرِ من الإيقاعِ

أَرمي حجراً في بئرِ العدمِ

لأقيسَ آخرَهُ. (ص 184)

وبهذا تكون الحياة وهي الوجه الاخر للعدم في مواجهة العدم والماضي في مواجهة المستقبل وعدم الثبات في تعريف المتحرك شكلا من اشكال الاعتراف بان الحياة والعدم نوع من انواع الاشتغال او الوظيفة التي يمارسها شيء ما في مواجهة حالة تحول الواقع من سيولة الى غبار او هواء:

‏يمكنه أن يقولَ أن الوقتَ

قصيرٌ جدًا؛

الدخان،

‏و‏أ‏ن يضعَ توقيعَهُ ‏على العَدمِ؛

‏النيزك.


غدًا هو الأمس،

لكنه بلا أبوابٍ ‏و‏بلا سقفٍ أيضا،

لنقلْ أن ‏للغيبِ

عملًا دائِماً‏.


عتمتي؛

ضريحُ ا‏لهيكلِ العظميِ للغيبِ‏

و‏الحنين ‏نهرٌ ‏يدفعُ تذكرةً ‏

إلى كل الاتجاهات؛

عدَاه. (ص 70-71)

تبقى محاولة النجاة مستمرة على صعيد الممكن الفردي أي الحب في مواجهة اللاممكن، رغم انه قد لا ينجح لكنه طريق يحقق حالة اللااكتراث امام اللايقين، ويعيد قلب الادوار العدمية للعدم الانسان التي قدمها هذا العمل، فليس العدم وحده مجرد طائر يكتفي بالاهتمام بما في منقاره من طعام، بل المحب كذلك كائن لا يهتم الا بما قلبه من حب امام هذا الانحلال في كل شيء:

أظافرٌ مكسورةٌ‏،

وتغاويطُطيورٍ‏أسطوريةٍ‏

تغطى زمنَ الرمل؛

‏لا علاقةَ لي بكل هذا،

ليلي لوقت اللازوردِ والعنبر. (ص 49)

أيتها النارُ أو جسدي؛

الحب كأسٌ ينكسرُ

‏ليس قبل الثمالةِ

‏بل قبل الامتلاء.

‏الغيابُ فصلٌ واحدٌ فيَّ،

أنا الطائرُ المعلَّقُ

فوق المزاراتِ

‏والرماد.

أيتها النارُ أو جسدِي؛

‏افتحِي كتابَ الوقت،

‏اخلعي قلادتكِ الغرانيتيةِ،

ألقي طبائعكِ - وأعني صفاتِي،

‏وتمدَدي ‏دون أن تَلتفتِي

إلى الماضِي.

‏أيتها النارُ أو جسدِي؛

‏يمرُّ بي الشعراءُ والقرامطةُ

في الطريقِ إلى الجنوبِ،

‏والعرافونَ والحفاةُ والمريدونَ

في الطريقِ إلى الجنوبِ،

‏والأَباطرةُ ‏والرعاةُ

في الطريقِ إلى الجنوبِ،

والأولياءُ الذين ‏يحملونَ الآياتِ

كأجسادِ الغرقَى

‏ويوزعونَ القبابَ

‏في الطريقِ إلى الجنوبِ،

لكنني أ‏رى شبحَ اللحظةِ

‏يرتدي وشاحًا ريفيًا

بنقوشٍ ملونةٍ

‏ويمدُّ يديهِ إلى الوراء‏.

لا ‏مقبرةَ للوقتِ الذي بيننا،

‏ولست أعرفُ

كيف أُشعلُ النارَ ‏في الرماد،

ولا

كيف أشرحُ بالمجازِ أنه ‏حتى

الميتافيزيقيا

لم تتمكن من أن تقبضَ

‏على غيبوبتي؛

فيك‏. (ص 50-53)

وبهذا يصبح التداخل بين الشاعر وقدره مسألة ارادة الفرد امام العدم، مسألة المعرفة امام سؤالها ولهذا كانت التفاحة التي احتفظت بدلالتها الغيبة عن الماضي ورمزية المعرفة امام الرغبة الدائمة بالاكتشاف او ذاك التبادل بين العاشق والمعشوق في محاولة لقلب الادوار بين الفكرة أي العدم وتعريفها أي الحياة والعكس صحيح:

‏أُريدُ أن أكون التفاحةَ والسهمَ،

‏وهذا التداخلُ

يحدُثُ. (ص 71)