الأربعاء: 02/12/2020

قصص وحكايات قصيرة

نشر بتاريخ: 13/11/2020 ( آخر تحديث: 13/11/2020 الساعة: 21:10 )
قصص وحكايات قصيرة

الكاتب: السفير منجد صالح

# الجاران

هي جارته، وهو جارها، منذ عشرين عاما، منذ ولادتهما. كانا يلعبان أطفالا في فناء بيتها، وكانا يلعبان في حديقة بيته الخلفية. خلسة عن عيون الأهل والجيران كان يضمّها ويُقبّلها، يلهو معها. وكبرا، أصبح يراها، يُراقبها من أمام عتبة بيته وهي تنشر الغسيل على سطح بيتها، وأحيانا يُراقبها وهي "تتغنّدر" على بلكونة شرفة نومها، شعرها مُنسدل على كتفيها، وقميص نومها أحمر، خطر، وعيونها برّاقة تخترق سهامها فحولته. جارة فضوليّة لهما رأته ذات مساء وهو يتسلّق شرفة بلكونة غرفة نومها، يقفز بهمّة وسرعة فائقة. بعد تسعة أشهر سمعت الجارة الفضوليّة ذاتها صراخ طفل حديث الولادة، يخترق الأثير، ينبعث من شرفة غرفة نومها. لكن لم تعرف الجارة إن كان الوليد ذكرا أم أنثى.

# المُتزوّجة والشيخ

إلتقاها في أوّل يوم لهما في الجامعة. سحره قوامها الممشوق وعيونها السوداء الواسعة. أحبّها من أوّل نظرة، وأحبته. في نهاية السنة الجامعية طرق باب بيت أهلها يطلب يدها. لكن عمّها المُتسلّط فاجأه بأنها مخطوبة منذ يوم ولادتها لإبنه الذي يكبرها بخمسة أعوام. تفاجأت هي أيضا من الخبر "المفبرك"، صناعة عمّها. لم يدر بخلدها يوما أن تكون شريكة حياة نزار "الأهبل"، ابن عمّها. فسلّمت نفسها لحبيبها في الجامعة طواعية عربونا للحب وكرها في عمّها وابنه. لم تعّد عذراء، فادّعت الجنون. أحضر لها عمّها شيخا ليقرأ عليها ويعالجها من "المسّ" الذي أصابها. الشيخ كان شابا و"ابن حرام مصفّى"، كشف سرّ جنونها المُزيّف وأجبرها على قول الحقيقة. وأعلن للعائلة بأنه سيخوض عملية "إخراج الجنّي" منها، من عينها أو من بطنها أو من "فرجها"، والموقع الأخير هو الأسلم!! واختلى بها وبدل أن يُخرج الجنّي من فرجها أدخل فيها "جنّيه". زوّجوها "الأهبل" وأنجبت ثلاثة أطفال، وما زال الشيخ يزورها ويُشرف على تطوّر شفائها. سُهير "تحلف يمينا" أنها لا تعرف إن كان أولادها الثلاثة من صلب زوجها أم من صلب الشيخ.

# الحُلم

جاءها طيف حبيبها في المنام. ليلة صيفية مقمرة تغزوها نجوم "درب التبّانات" ونجمات أخرى. رائحة القش على البيادر المُجاورة تعبق في مخدعها. أحّست بيدية تتلّمسان جسدها المُتعرّق، أصابعه سواران ملتهبان يُطوّقان تفاحتي صدرها. تململت في نومها. كُرات من الجمر تتسلّق جيدها. تململت ثانية وحاولت أن تسند ظهرها، لكن جبلا كان يصدّ محاولتها، يُطوّقها بقوّة. إسترخت واستسلمت لحلمها ولطيف حبيبها. ونامت بعمق. استفاقت في الصباح فوجدت نفسها عارية تماما تسبح في بحر عرقها وأعلى ساقيها مُكبّلين ببقع من الصمغ.

# إبنة حُرّة

سافر إلى الكويت، شأن العديد في السبعينيّات. ترك وراءه زوجة شابة وطفلة عُمرها أربع سنوات. بعد غيابه عامين جاءة الخبر: "زوجتك حامل!!!". حامل وهو في الكويت!!! كيف؟؟ هاتفته وقالت له ببساطة: "غلطت يا ابن عمّي مع جارنا، سامحني". فأرسل لها ورقة الطلاق. تربّت طفلته في كنف جدّتها لأبيها في نفس البيت. بعد خمسة عشر عاما تلصص ابن الجار الجاني على الصبية بنت المجني عليها. اخترق الشبّاك وداهمها في سريرها. استفاقت مذعورة وهو يهمّ بها. لكنّها صدّته ببساله. دفعتة وقالت له: "إيّاك أن تفكّر أنني مثل أُمّي". وأدمت أنفه بقبضة يدها.

# المظلومة

كانت تنتابها صرعات جنون من وقت لآخر. تلفّ وتدور في طرقات القرية الترابية منكوشة الشعر متّسخة الثوب. تحاول نساء القرية تهدئة ثورة غضبها وشراستها، فقد تعوّدن على نوباتها. أصبحت حديث القرية، لكن الجميع يتعاطف معها: "يا حرام ما زالت شابة، لم تتجاوز الثلاثين عاما بعد". لم يعرف الأطباء سرّ نوباتها، لكنّهم أثقلوها بالأدوية المُهدّئة. يوما ما وفي ذروة نوبتها أخذتها حاجة مُجرّبة إلى بيتها. لاطفتها وأطعمتها وأسقتها وبدّلت لها ثوبها المُتّسخ بآخر زاهي وجميل. بدأت "تأخذ وتعطي معها" بحنان ومحبّة. إنفتح قمقمها وأسّرت للحاجة بأنها لا تُطيق زوجها السبعيني النحيل، لأنّه يُريدها في السرير تحت الطلب أربعا وعشرين ساعة!!!

# المحفظة

كان سائرا في الطريق. الشمس ساطعة. قطرات العرق تسيل من جبهته وتبلل لحيته الطويلة البيضاء. فجأة إصطدم قدمه بجزدان (محفظة) من الجلد الأسود. إلتقطه وفتّشه فوجد به عشرة دنانير أردنية. في الستينيّات من القرن الماضي هذا مبلغ كبير. إحتار بين نفسه الأمّارة بالسوء وبين لحيتة، لحية الوقار الطويلة البيضاء. تغلّبت النفس على اللحية. لكن لا بُدّ من مخرج، "تخريجة". شحذ ذهنه وعقله. مشى إلى أن وصل حقلا من الزيتون. ثبّت المحفظة على رُجم، إلتقط منه حجرا وتراجع ثلاثة أمتار، صوّب وأطلق الحجر من يده فأصاب المحفظة. تنفّس الصعداء وصاح: "أُحلّ لكم صيد البرّ والبحر". ودسّ العشرة دنانير في جيب "قنبازه" ورجع "سالما غانما"!!!

# شكران المُحامية

وصل إلى مطار ساوباولو، ومنه إلى مطار مدينة بورتو أليغري في جنوب البرازيل. الطقس بارد وماطر بعكس طقس برازيليا دائم الدفئ. إستقبلوه بحفاوة، كبار أبناء الجالية، تُجّار ورجال أعمال ناجحين. قالوا له سيستضيفك ونحن "بالمعيّة" أبو شكران على الغداء. إلتمّ حول طاولة غداء أبي شكران نحو 15 رجلا. من أوّل الغداء وحتى آخره لم يضع أبو شكران فاصلة واحدة في حديثه المتواصل دون انقطاع. لسان واحد يتحرّك خارج الفم ونحو 30 أذنا صاغية طوعا وقسرا. إستغرب الضيف الزائر وهمّ بالحديث فغمزه الجالس على يمينه وضغط على يده. وفي السيّارة بعد مُغادرة بيت أبي شكران كشف "الجار الجالس على اليمبن" السرّ للزائر: "أبو شكران وابنه الأصغر استدرجا شكران، المحامية الشاطرة، التي كانت قد تزوّجت رغم معارضتهما من محام برازيلي كان زميلها في الجامعة. استدرجاها إلى البيت تحت حجّة المصالحة وتسوية الموضوع، لكنّهما استقبلاها بخنجرين، غرساهما في قلبها، فلفظت أنفاسها. حمل أخوها الأصغر القضية وسجن 18 عاما. ومن يومها، حمل أبو شكران لسانه خارج فمه".

كاتب ودبلوماسي فلسطيني