خبر عاجل
قوات الاحتلال تقمع الفلسطينيين في منطقة باب العامود في القدس

مركزة الهامش وتحولات البطولة..

نشر بتاريخ: 12/04/2021 ( آخر تحديث: 12/04/2021 الساعة: 16:42 )
مركزة الهامش وتحولات البطولة..

مشكلة؟..

نعم، مشكلة حقيقة.

الكاتب: نداء يونس

نتحدث هنا عن بطولة الاصفار والهامش، الواقع الفائق، تحولات البطولة وانزياحات السلطة عن مركزها المتعالي ومركزة الهامش، والاستهلاك كدين جديد،

يبدو جليا اننا نعيش عصر الاستعراض وهو بشكل او بآخر نهاية للتاريخ ذاته، وهذه مشكلة حقيقية، اذ اننا نعيش عصر hyper reality، الواقع المفرط، او الحقائق التي تولدها منصات التواصل كحالات اتصال نفاعلي في جزئها السطحي لكنها اكثر عمقا من ذلك وبؤسا، انها سمة لمجتمع الاستهلاك.

اننا نستهلك كل شيء: القصص والاخبار والاشخاص والصور والفضائح والرموز واعادة انتاجها بتوتر عال لا يستقر ، هذا الاستهلاك الذي يغديه الانتقال بين القصص وجديدها وبسرعة عالية أصبحت من متطلبات هذا الواقع وسمته، الخ، وبطريقة تفاعلية مؤدرمة تحمل قدرا عاليا من الاستهلاك وانتاج الاستهلاك، ومركزة الهامش دون دفع الثمن.

اما المشكلة الاخرى فهي فكرة البطولة الرخيصة او الصفرية او الفارغة وتحولاتها، الهامش يبحث عن البطولة وادوارها، سواء في قصص نستهلكها بشكل رخيص حول نجاحات الاخرين بقضايا يومية او هلامية لا شكل للبطولة فيها ولا ينطبق عليها تعريف البطولة كما في البطولات الاغريقية او الاسطورية او حتى التي لا نظير لها، وحيث يتم تبئير قصص تقع ضمن المكرر واليومي والواجب، واستعراض صور مع شخصيات حققت نجاحا وادعاء القرب منها او ادعاء المعرفة، وفي هذا الإطار تأتي حالات التكريم ودروع التميز لا على شيء بل على اللاشيء، فلا من يمنح بطل بل يدعي دور البطولة ولا المتحصل على التكريم بطل لانه اشتعال حاجة لحاجة، واحتياج طبيعي للاستعراض وشكل اخر للهروب من استحقاق الانجاز ومن المسؤولية، ويقع في اطاره ايضا ما يتعلق بالدين، حيث يقوم بعض الاشخاص الذين لا وزن لهم في الواقع بتنصيب انفسهم حكما على تصرفات الاخرين وسلوكهم وليس في القضايا الجوهرية ايضا: فلا نجد من يشن حملة تنمر ضد من لا يصلي او من يحرم شقيقته من الميراث او حتى من يقتل او من لا يؤدي زكاة مثلا، بل تتجه معظم محاولات استعراض البطولة الى التهجم على النساء ، مثلا من تعمل في مهنة تصنف بمقاييس البعض على انها للرجال او من تخلع الحجاب، وهذه تحديدا فرصة لكي يلعب الفاسق والزاني والجاهلة ومن لا انجاز له الا انه يستهلك اوكسجينا إضافيا من هذا الكوكب دور البطولة في الورع والتقوى واثبات الانتماء الى الجيش الديني، الذي تحول الى تمظهر واستعراض شكلي.

الكل يريد ان يكون بطلا، ان يكون بطلا ولو من خلال تعليق، بطلا شكليا على قصة شكلية، الكل حتى لو كان انجازه الحقيقي في الحياة انه يتنفس، اذ يمكنه في عصر الواقع الفائق ان يلعب دور البطولة المطلقة من خلال التسمية وتصنيف الاخرين واغتيالهم وهذا ما يوضح كيف انه لم يكن للسلطة مركزيات عبر التاريخ، وانها تنتقل عبر تكتلات تحملها وتدافع عنها وتحارب بها وتلعب أدوار البطولة المطلقة لترسيخها، وهذه قصة اخرى.

بالمقابل، تبقى قصص البطولة الحقيقية تلك التي تستوجب الفعل مثل سرديات بطولات "بعض" الاسرى في سجون الاحتلال ضمن اطار التجاهل، لان نشرها يستوجب تأنيب الضمير أولا وهذا القلق لا مكان له في هذا العصر كما انه يستوجب التوقف والمساءلة اللذان لا مكان لهما هنا، وبينما تنتظر البائسين والمستعرضين جولات بطولة أخرى يساقون الى التفاعل معها دون وعي او يصنعونها مع كامل الاصرار على التضييع والتمييع للرموز والمفاهيم والمعرفة.

كل بطولة مذهلة واسطورية لا مثيل لها فرصة حقيقة للمساءلة عما تم فعله واستحقاقاتها وتشكل معضلة اخلاقية لمحبي الاستعراض دون دفع الثمن، لذلك يتم الدفع بها كي تبقى طي التجاهل مثل قصص بطولات الاسرى داخل سجون الاحتلال او المدافعون لرفض شكلانية الدين وينطبق الامر على علماء ومفكرين.

المساءلة بالضرورة تعني بالطبع سقوط مقولة الاستعراض التي أصبحت ترسيما مجانيا لا يمكن للفاشلين الاستغناء عنه وسيرفض مروجو البطولات المزيفة أي محاولات حتى للحديث عنه بل وسيحاربون لاستمراره. الاستعراض بالضرورة اصبح ما يمنح الهامش قيمة لن يتنازل عنها بسهولة.

فالبطولات المجانية شكل حقيقي من اشكال الهروب من الواقع والمسؤولية وانتشاء باللاشيء. وهي حالة عامة يميزها ان الانجاز الحقيقي لمن يلعبون أدوار البطولة صفر كما هي الحال بالنسبة لما تتم نمذجته من اصحاب البطولات أي لمن يتم تقديمهم كابطال، كما ان هذه الصناعة أيضا نوع من أنواع الضبط السلوكي القهري للجماهير، فكل من لا يلتزم بهذا سيتم اقصاؤه والنيل منه.

يذكرني هذا العصر بالإسكندرية في عصر هيباتيا العظيمة العالمة والمعلمة تحديدا، والرعاع الذين لعبوا أبشع دور لبطولة الاصفار، هؤلاء الذين انتشوا بفكرة انهم القيم على تنفيذ السلطة والقادرون الذين فجأة صار لهم كلمة، هؤلاء الهامش الجاهل الذين قاموا بسحلها على شوارع الاسكندرية المدببة الحجارة وحرقوا ما بقي من عظامها، وكما يفعل ناشطو مواقع الاستعراض الاجتماعي الان.

هكذا، يعود قتلة الاخرين، الى بيوتهم ابطالا منتشين: لقد تمكنوا من قتل أنموذج حقيقي للوعي والبطولة او صنعوا انموذجا للزيف وبطولة الاصفار، وأصبحوا هم بهذه القدرة على تعظيم الهامش وبهذه الكثافة والاجرام الجسدي والمعنوي سلطة جديدة اما ان تنضم الها او ان يتم سحلك افتراضيا،

بهذا الواقع الفائق، يتم اعادة تعريف الهامش كسلطة تقوم بكل جرائمها دون دفع الثمن، ولننظر الى مؤسسات تتكلم باسم الشعب، مثل المجالس التشريعية في كل مكان، والتي يتم دفع ذات الهامش اليها: التجار، العشائر المنتجة لذات الهيمنة الاجتماعية والاحزاب الي تصل باسم الدين، ومحبو النوم، الخ عن طريق لعبة ديموقراطية لن تنتج بالمحصلة سوى سيادة للهامش على الاصوات الحقيقية الفاعلة.

بالمحصلة العدد لا الوعي هو الذي سيقرر، لهذا ايضا لا امل بأي تغيير حتى بوصول فئة واعية او فئات مهمشة.

وبالمحصلة ايضا، سيبقى لعب دور البطولة اهم من البطولة نفسها، وكل اعتراض ستبتلعه دوامة الصمت ذاتها.