إلى سيّد الشِعر والفكر عبد اللطيف عقل ، في الذكرى الصاعقة

نشر بتاريخ: 26/08/2021 ( آخر تحديث: 26/08/2021 الساعة: 20:25 )
إلى سيّد الشِعر والفكر عبد اللطيف عقل ، في الذكرى الصاعقة

المتوكل طه

***

تقف السيارة، وينزل منها الرجل المربوع الذي يغطي الشَعرُ وجهَه، فلا تتبيّن إلا العينين والأنف البرعم! ويهبط إلى حواكير التين، فيشهق العسل على عثنونه، ويستمرئ التلقيط والتقشير، حتى يضرب على بطنه بحنان، ويقول: لقد تغدّيت، وربما لن أتعشى.

.. ويدور المحرّك، وتنطلق به السيارة، وعند المساء يأتي البوم ليقرأ علينا ما قاله عبد اللطيف عقل للمرآة، عندما نظر إلى وجهه فيها للمرة الأخيرة!

ربما لن ينشقّ فمُ الزئبق المسطّح، ليخبرنا بما تجمّع تلك اللحظة في الرأس المليء بالتين والفجيعة والرهبة الزائغة. هل حضر أبوه الذي قضمه الجَمَل بأنيابه فمات؟ أم رأى أمّه وهي تنسلّ عروساً حزينة إلى بيت الجار ذات مساء، وتترك في العقد الحجريّ المتآكل كومةَ صغار، فَتّتَهم اليُتم، وخنقهم الدمع البريء الغامض ؟!

ينام الصغار فيرسلُ الله ملائكةً تمسّد شَعرهم وتربت على ظهورهم وتهدهدهم، وتسقط من السماء دمعتان.

لم يبرحه اليتم ولا الحزن، ولم يشبع، وما كان له أن يتمّم أناقته دون ماء زجاجي يلمع في عينيه . أمّا في بيته وبين أسرته فكنت أسمع خرير دموعه وهي تهبط إلى رئتيه وهو يحضن الصغار. هل كان يعلم أنه سيذهب مبكّراً إلى هذا الحدّ، فبكى بالرغم من اختفاء الماء الذابح؟

يا عبد اللطيف ! يا أبي الذي لم أره، ولم أتعلّق بقمبازه الصوف، ولم يقف لي أول الصفّ حين خرجتُ مع عروسي يوم زفافي . أين ذهبت أيها القاسي المذبوح، النائح الجائح، المعلّق من قلبه في الغياب! لماذا أعدتَ سيرةَ أبيك، وتركتَ الزّغب عُرضةً للصدقة والمنّ وانكسار العين واختلاج الضفيرة؟ هل كنتَ تعلم أنّ فينا من الدمع ما يغرق الأرض، أم لنعرف مبكّرين لؤم الناس، فيقوى الحصان وتصحو الفرس، وتقطع البراري مضمّخة بشهد أعرافها الرانخة؟ هل كان ذلك ضرورياً يا عبد اللطيف؟

مرّت سنوات على صعقة رحيلك، لكن آب ذلك العام لم يكن قائظاً مثلما هو اليوم، ولم يتبدّل التراب حول قبرك المهمل، غير أن المستوطنة المضيئة التي كانت تلعلع في الليل احتلّت كل الجبل، ولم يعد بإمكاننا أن نشرب ذلك الشاي المخمّر بالميرمية أو الزعتر عِراق، لكنّ الوصول إلى قبرك أصبح أكثر يسراً، لأن الطريق الالتفافية التي شقّها جنود الموت لاستكمال إقامة دولة "يهودا والسامرة" تسمح لنا أن نقطع المسافة بسهولة مبهمة! فأصبحنا نتلعثم ونحن نقرأ الفاتحة على شاهديك النابزين مثل أسنان رضيع يتيم.

ولم أعد ، يا عبد اللطيف، أذهب إلى القدس ، لأنها لم تعد هناك . أما أريحا وقصة "قطف الموز" الذي أتينا عليه ذات أمسيّة شعرية .. فقط نسيتها، ولم أعد لتكرارها الطريف للأصدقاء الذين أنستهم أيامهم مدينة القمر، التي أصبحت تتلقّاك بظلال داكنة لمستعمرات طارئة، وتصفعك على قفاك بالدوريات العابسة المدجّجة بشواهد الاحتلال الباقي على طول خط النهر المسروق.

وأرجوك أن تطمئن، فلم أذهب إلى أحراش "أمّ صفا" وقرية النبي صالح عند أخينا "أبي نزار" إلا بضع مرات كنتَ حاضراً فيها حتى لم يطب لنا طعام، ولأن الروح لم تعد قادرة على استرجاع تلك القصص الطريفة، عن ظرفاء القرى والأشخاص المتفرّدين بذكائهم الفطري على اجتراح الضحكات الصافية. لم نعد قادرين على الضحك يا عبد اللطيف.

وأتذكركَ تماماً وأكاد أختنق، لأنني لم أستطع البكاء عليك كما ينبغي! ربما لم نعد قادرين على البكاء، أيضاً.. يا عبد اللطيف.

***

..ونِمْتَ على دَمعةٍ لا تَجفُّ ،

وأُمُّكَ في حِضْنِ شَيخٍ غَليظٍ ،

لقد قَضمَ القَارحُ النَّاقمُ الرّأسَ ،

كنتَ رَضيعاً ، ولم ترَ رأسَ أبيكَ

المُنَخَّلَ بالدَمِ ..

بعدَ لَيالٍ ، بَقِيتَ مع أُختكَ في البَيتِ !

وحدكمَا .. تَبكِيان ..

وكانت بِقربكما تِينةٌ تَحلبُ الشَّهدَ

حتى تَناما ..

وقالوا : رأينا الغُصونَ تُغطِّيكُما

في اللَّيالي ،

وقالوا : سَمِعنا الحواكيرَ تَبكي وتَرشحُ

حتى تَعُودا ..

وما كان .. كان ..

إلى أن حَمَلْتَ على جَاعدِ الرَّأسِ هذا الزَّمانَ ..

نَظرتَ لمرآتِكَ الرَّملِ ..

وما كانَ يَومُك .

***

سَلكْتَ طريقَ اليتيمِ ،

وكنتَ حريراً

تَجاوبتَ مع شَهوةِ المدنِ الصّاخباتِ ،

جَمعتَ دواوينَ شعرٍ قديمٍ

قَرأتَ ، مَحوتَ ، كبَوتَ ،

وقُمتَ ، وقد ذبلَ الخيطُ إلاّ قليلاً ،

تَعمّمتَ ، ثمَّ تقلّدتَ سنَّ الأليفِ ،

قَرأتَ على الميّتين التّمائمَ ،

ثم بَكيتَ مع النّحلِ ،

زاوجتَ بين المراكبِ والبدوِ ،

ثم أطلتَ الوقوفَ على الماءِ

حتى تبلّلَ موجُ البقاءِ ..

تقولُ : نَجوتُ !

نعم قد نَجوتَ

وفي يقظةِ الموجِ - يا صاحِ - موتُك .

***

كانَ لهذا الغزالِ السَّماويِّ أنْ

يُشعِلَ النّارَ في العُرْسِ ،

أو يَسحبَ الفَمَ اللبنيّ من الصّدر ،

أو يُوقِفَ الموجَ ،

أنْ يدْهَمَ الرّملَ ،

لا يأخذُ العُشبَ في مِشطهِ للنّدى ،

كانَ له رَقْصُهُ في المَدى

والبَراري تُناديهِ ،

لكنّه دونَ تاجِ الطَّبيعةِ

مُنكسرٌ في الصّدى !

.. وما عادَ بَرُّك .

***

مَتى سوفَ تلقاكَ ، في برِّها المخمليِّ ،

وتَدخلُ فيها إلى غَبش الماءِ ،

تَمتصُّ زهرَ الشّتاءِ ودرّاقَ سرَّتِها

أو تَموتُ قليلاً على بُردةِ النّبعِ

ثم تقومُ إلى غَامضٍ في الغُلالةِ ،

تنسلُّ مثلَ الأفاعي ،

وتذهبُ في غفوةٍ لا تعودُ ؟

هناكَ ، تَكونانَ فوقَ الحياةِ ،

وبعدَ المماتِ ..

جنوناً صقيلاً .. يشعُّ ،

ويفهقُ من هلعِ العُريِ سِرُّك .

***

تُمَسِّدُ برجَ النّتوءاتِ بالكفِّ والفَمِ

تَسحقُ وادي النّدى بالغصونِ فتُمرِعُ ،

تنتحبُ الأرضُ ،

يَهبطُ سَقفُ البلادِ ،

ويرتجُّ قلبُ المحيطِ ، ويَهتاجُ ،

يُزبِدُ ، يُرخي جَناحيهِ ،

تَضربه الصّاعِقاتُ ، وتُعتِمُ ،

تَخرجُ عن صَمتِها الكائناتُ ،

وتلتفُّ إحدى الذّراعين تَحتَ الجحيمِ ،

لتطبقَ ، مثل الرّحى ،

فوق غيمِ الحليبِ ،

.. تروحُ إلى حيثُ لا يعرفُ الأمرَ أمرُك .

***

وتعْصِرُ رُمّانَها فوق ظهرِ الحصانِ ،

وتشربهُ رانِخاً بالصَّهيل ..

ذوّبتَ فيها كثيراً

من البردِ والخوفِ ،

وقد أنْهكتكَ، فنمتَ قليلاً !

وعادتْ بِرُمّانِها ،

مَسّدتهُ بأوراقها اليانعاتِ ،

وحكّته بالنّجمتين

فعادَ ليفترعَ العاجَ ،

يُوصِلها للسّراج البعيدِ ..

وغَابا ..

وظلّت على شَرشفِ الخيلِ

آثارُ رمّانةٍ ذَبَحتْ نفسَها ..

وما كان ذنبُك !

***

شَبيهان نحنُ ،

تَجرّأتُ حتى بلغت المشيبَ

وهاأنذا، الآن، فوق السنين

وأكثر ..

فلا تَرحلِ الآنَ فالبيتُ بيتُكْ .

***

كنتُ أذرع معه المدن، نقرأ الشِعر بحضرته، ويرعانا بملاحظاته، وقد نمت بيننا علاقة عائلية دافئة.

ولطالما رافقتُه في مشاوير إلى كلّ أنحاء فلسطين .

وكان من عاداته أنه يشتري ما تيسّر من الفاكهة الطازجة ، يتناولها مع الخبز الحاف إذا جاع . واتفق أنْ كُنّا في حيفا في منتصف الثمانينيات ، فعرّج ليبتاع بعض ما يحبّ من تينٍ وعنبٍ وتمرٍ ، وقصدنا جبل الكرمل ، وقت الغروب ، واقتعدنا حجرين في حديقة مفتوحة ، وراح يلتهم ، بمتعة بادية ، ما فرده من الخبز والعنب والتين .. فوددتُ ، كالعادة ، أن أستثيره ، فكتبتُ من فوري ، وهو يأكلُ ، هذه القصيدة . وما أنْ انتهى من وجبته حتى انتهيتُ من كتابتها ، فقرأتُها عليه .. فابتسم ، وما زالت ضحكته تتراءى لي ، كلّما ذكرتُ هذه الأبيات :

عبدُ اللطيف بحيفا يشتري بَلَحاً

ويصطفي ما يَشا من طَيِّب العِنَبِ

فقلتُ يا صاحِ ؛ هل هذا لتعصرَه

خمراً ، وتسكبَه في جوفِكَ التَّعِبِ

أمْ سوف تفرطه حَبَّاً وتأكلَه

معْ ما ستأكلُ من تينٍ ومن رُطبِ

أم سوف تجعله قرْطاً لفاتنةٍ

غيداءَ، عاجيةِ النّهدين والرُّكَبِ

أم سوف تنشره فوق السطوح لكي

يخالُه المَرْءُ مثلَ الفُستقِ الحَلبي

أم سوف تهديه للأصحابِ تذكرةً

مِن بعد أنْ أَلْحَفَ الأصحابُ في الطَلَبِ

أم أنتَ تبتاع من حيفا لتقنعَنا :

نصفُ الزَّبيبِ يساوي جوهرَ العربي

لَأنْتَ في لِحْيةٍ كالثلجِ ناصعةً

إذا تكلّمتَ يَجْرِ الماءُ في السُّحبِ

أنتَ الحصانُ ، فلا تنفكّ منفعلاً

وإنْ تبسّمتَ يبدو البحرُ عن كثبِ

تهوى الجبالَ .. فكم جاوزتَ من قِممٍ

وتعشقُ النّارَ ، كم أطفأتَ من شُهُبِ !

إنّي أُحبكَ حبّاً لستُ أنكره

كأنّما بيننا خيطٌ من الذّهبِ

إذا تحرّك في جنبيكَ فاصلةٌ

تَحرَّكَتْ في ضميري عقربُ الكتبِ

وقبل أَن يتبَدّى الشِعرُ ماجنةً

في صدرها يتلظّى الجنسُ كاللهبِ

أكادُ أَشعرُ بالبحرِ القصير على

علِاّته في ضميري دونما سببِ

الأرضُ تجمعنا والشِعر يصهرنا

روحين في جسدٍ من غير ما نَسبَ

لتهنأ الأَرضُ هذا موطنٌ عَجَبٌ

وليس في وطنِ الآلامِ من عَجَبِ

ولتَخلُد الأَرضُ إنْ ظلّت كعادتِها

تنمو من الشِعر ما تنمو من العُشُبِ

وتُخرِج الصِّيدَ من أرحامِ نِسْوَتِها

كَسُكَّرٍ طالعٍ من ثروةِ القَصبِ

يا صاحبي الشيخ ! فَلْنَسْعَد بمجلِسِنا

والشِعرُ وَحْيُ براكينٍ لخيرِ نَبي

وسوف تبقى لنا حيفا وكرْمِلُها

كما ستبقى ، على مدِّ الزّمانِ ، أبي.