الثلاثاء: 29/11/2022

تكنولوجيا الوقاحة!

نشر بتاريخ: 24/08/2022 ( آخر تحديث: 24/08/2022 الساعة: 09:54 )
تكنولوجيا الوقاحة!



د. صبري صيدم

ما ان انتهى المؤتمر الصحافي للرئيس الفلسطيني في برلين قبل أيام، وكما شاهد الجميع، حتى انفجرت وسائل الإعلام الألمانية وغيرها الكثير، انتقاداً لما قيل حول المحرقة، ولتصاحب ذلك حملة إعلامية مركزة ومستفحلة عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، وصلت إلى حد الإعلان عن تقديم شكوى شرطية ضد الرئيس محمود عباس، تنظر أمام القضاء الألماني بحجة إنكار المحرقة ومعاداة السامية.

وأمام قطار الحرب الإعلامية تلك، لم تتوقف الهجمات الإسرائيلية على الفلسطينيين الآمنين، لتصل إلى حدود حرب الاستنزاف الميدانية المتواصلة.

فمن هدم بركسات زراعية في الأغوار، إلى استمرار اقتحام الأقصى ومصادرة البيوت في سلوان، وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، واقتحام المدن واستهداف الناشطين، وصولاً إلى إنكار حق الفلسطينيين بدولة ثنائية القومية، ودولتين لشعبين واعتبار مشروع الدولة للشعب المكلوم، إنما يرتبط بالاعتبارات الأمنية للاحتلال، مع تذكير انفصامي قدمه وزير الدفاع الصهيوني بيني غانتس للإسرائيليين، بأن من يعتقد بأنه سيستفيق من النوم ويجد العرب وقد هجروا الضفة الغربية إنما هو واهم!

ومع تمادي الإجراءات الصهيونية المتعاقبة يومياً، وما سهّله قطار التطبيع من تطاول واستفرادٍ بالفلسطينيين، فقد اشتدت حرب الانتخابات الإسرائيلية على الشعب المكلوم أكثر فأكثر، فلم تبق منطقة لم تطلها يد الاحتلال، ولم تبق خطوة إلا وحاول الاحتلال اتخاذها، ليشعر جمهور الناخبين بأن الحرب الانتخابية الصهيونية لا تدور رحاها في تل أبيب فحسب، وإنما أيضاً على ثرى مسافر يطا ومدارسها الطاهرة، وتراب جنين الأبية، وأحجار المسجد الأقصى الأصيل، وأساسات البيوت الكريمة الآمنة في سلوان والقدس وصور باهر وشعفاط وبوابات كنيسة القيامة وغيرها الكثير.

سياسة إسرائيل الانتخابية لن تبقي حجراً على حجر، مع تعدد المتنافسين وكثرة نزواتهم وطموحاتهم، خاصة أمام اندثار الأحزاب الكبيرة بخلاف الليكود، وانتعاش الأحزاب المجهرية، وأحزاب الشخص الواحد، ممن يتسابقون على التنكيل بالفلسطينيين، للدلالة على جديتهم والتزامهم برسالة اليمين المتطرف، التي تعتبر أن العربي الجيد هو العربي الميت، تماماً كما صوّر الجنود الذين تجردوا من آدميتهم، مع كتابة هذه الكلمات، فوقفوا ضاحكين أمام جثمان الشهيدة مي عفانة خلال تسليمه!

كل هذا تدعمه إسرائيل بإصرارها على حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الشكوى والأنين، أي أن هدم البيوت وسرقة الأراضي ونهب الموارد واجتياح المدن وتقطيع الأوصال واعتقال الناشطين ونكران الحقوق الفلسطينية، يجب أن يقابله الفلسطينيون، حسب رأي الاحتلال الضمني، بالزهور والرضا والحبور! هذه السياسة الصهيونية الإنكارية المستفحلة للحق والشكوى، إنما يزكيها إصرار البعض على أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وهو ما يعني المصادقة ضمناً على حقها بالهجوم، وعلى أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة: ديمقراطية تقتل خارج القانون، وتقتحم دونما محاكمة، وتسرق دونما عقاب، وتبني المستوطنات دونما موافقة أصحاب الأرض، وترتكب الجرائم دونما سؤال، وتغلق المؤسسات دونما مبررات، بل تلاقي الثناء والترحاب من البعض، ممن يباركون تلك الخطوات تحت راية «الدفاع عن النفس»، أو الصامتين من أهل التطبيع والانبطاح.

لسنا معادين للسامية ولن نكون، فالفلسطيني سامي الدم والانتماء، فكيف له أن يعادي ذاته؟ ولسنا ممن ينكرون المحرقة، بل نرفض الظلم والضيم والقتل والتنكيل، فكيف لنا أن نبارك ما نكره؟ أمام تلك الحقائق فإننا نرفض الظلم والهوان والعدوان والاستبداد والاستفراد، لذلك سنبقى نقول أمام وقاحة الطرح وتكنولوجيا القتل والتجسس والمراقبة والتجبر والاعتداء، التي يمارسها ساسة إسرائيل، بأننا لن نكون مع الظلم أياً كان مصدره، ولن نقول إلا: يسقط الاحتلال!