عمالة الاطفال الفلسطينين بين مطرقة الوضع الاقتصادي وسنديان التسرب من المدرسة

نشر بتاريخ: 22/06/2005 ( آخر تحديث: 22/06/2005 الساعة: 17:14 )
معا-الخليل- ظاهرة عمالة الأطفال موجودة في كثير من المجتمعات , وهي بحاجة الى ابحاث واسعة لتحليلها بشكل مفصل، ولكن هنا يتم البحث في هذه الظاهرة , اسبابها، ونتائجها، والحلول المقترحة في مجتمع صغير مقارنة مع مجتمع الظاهرة ككل.
اسباب هذه الظاهرة كثيرة جداً ،خاصة وأن هناك عدة أصناف من الأطفال الذين تنطبق عليهم هذه الظاهرة, فهناك من لم يلتحقوا بسلك التعليم , فكان العمل هو وجهتهم الأولى وللأبد, وهناك من يعملون في بعض الأعمال في الوقت الذي يلتزمون فيه بالدوام المدرسي, وهناك من تركوا سلك التعليم ليلتحقوا بسوق العمل
السبب الرئيس لهذه الظاهرة كما افادت بذلك جميع الجهات التي تمت مقابلتها هو العامل الاقتصادي .
وقد افاد الاستاذ محمد ايوب الدبابسة, سكرتير مدرسة الكرمل الأساسية للذكور، ومدرس مادة التربية الاسلامية:" من يترك المدرسة لا يبقى أمامه الا أن يتوجه للعمل, ومن لم يلتحق بالمدرسة عليه أن يعمل لأنه ليس معقولاً أن يتقاعس ويجلس في البيت, وأيضاً من يتعلم ويعمل فهو بحاجة لأن يصرف على نفسه, ومجتمعنا كما تعرف غالبيته فقير " .

ويضيف ذاكرا أحداً الأمثلة التي توضح حجم المعاناة لدى العائلة من الناحية الاقتصادية:" أنا أعرف حالتين من الطلاب عندنا في المدرسة الذين سجلوا العام الماضي وهم في الصف الأول(أنهوه) ولو سجلوا في الوقت المناسب وبشكل طبيعي لكان أحدهم في الصف الرابع والاخر في الصف الثالث على الأقل , وهما نادر جهاد عيسى حريزات من مواليد 18/7 /1995م وشقيقه شادي من مواليد 4/7/1996م، وهما من منطقة خريسا، وتم تسجيلهم بعد أن تكفلت المدرسة بهم، وقد تم دفع القسط السنوي عنهم، وأعطيناهم حقائب مدرسية......" .

ويؤكد على دور العامل الاقتصادي رئيس نادي بيت الطفل الفلسطيني في مدينة الخليل السيد خالد القواسمي فيقول": هناك عائلات تريد دخلاً , ولا يكون أمامهم سوى تشغيل أبنائهم حتى وإن كانوا في المدرسة , وهذا الوضع يجبر الكثيرين على ترك المدرسة، لأنه يصبح من الصعب عليهم التوفيق بين العمل والدراسة, فقد يتراجع وضعهم الأكاديمي, أو تنشأ عندهم مشاكل نفسية، وهناك من العائلات والناس الذين يخافون من رسوب ابنائهم مستقبلاً، فيجبروا ابناءهم على العمل حتى يضمنوا لهم حرفة أو ما شابه".

ويؤيد ذلك رئيس بلدية يطا السيد خليل محمد يونس ابوعرام(ابو جمال) الذي اعطى حقيقة رقمية هي: " ان اكثر من 3000 معيل , كل واحد منهم مطلوب منه أن يعيل أكثر من 10 أفراد في يطا وكذلك فإن المعدل الأسري في بلدة يطا هو(7.6) وقد تكون اعلى نسبة في العالم".

وهناك اسباب أخرى ذكرها السيد خالد القواسمي منها محاولة الأهل إلهاء اطفالهم خاصة اثناء العطلة الصيفية المدرسية، وعدم وجود رقابة على الطفل من قبل الأهل، وعدم كفاية المصروف.
كما أن السيد خليل ابوعرام أكد على أن الاسباب كثيرة ومتشابكة، فالفقر والجهل ونقص الوعي الديني، والخلافات الأسرية وقضايا الثأر، وكذلك اليتم وغيرها، كلها عوامل تزيد من فعالية هذه الظاهرة.

التسرب يعني الانتقال الى سوق العمل:
ان قضية التسرب هي ذاتها ظاهرة تستحق الدراسة المعمقة , وهي كما تؤكد عليها جميع الأطراف تفرض على من يسلك طريقها الوصول الى نهاية صعبة هي الانضمام الى سوق العمل , وحسب لوائح تربية الجنوب فإن203طالباً ذكوراً وإناثاً تسربوا من مدارس يطا للعام الدراسي 2004-2005م.

يقول رئيس بلدية يطا السيد خليل ابو عرام (ابو جمال):" نعم هي ظاهرة بارزة(عمالة الأطفال) تظهر مع نسبة التسرب من المدارس من الصف السادس وحتى العاشر" .

كما وتؤكد الأطراف الأخرى التي تمت مقابلتها في هذا التحقيق على أن الفقر هو صفة عامة للمجتمع في يطا ,وبالتالي فإن من يتركون المدرسة من جميع الذكور و نسبة تكاد لا تذكر من الاناث يتوجهون الى سوق العمل لتحصيل الرزق , وكذلك يعمل الذكور من اجل التجهيز لمتطلبات الزواج , بتشجيع وحث من قبل الأهل وعادات المجتمع .
وللتسرب اسباب عديدة كما ورد في لوائح التسرب لمديرية تربية الجنوب للعام الدراسي 2004-2005 , وهي : تدني القدرة على الدراسة , الرسوب المتكرر , عدم الرغبة في التعليم الأكاديمي , وعدم الرغبة في التعليم المختلط أو خارج مكان السكن , الموانع الشخصية (الاعاقة الجسدية والنفسية , المرض , الوفاة) , وموانع طارئة (السفر , الرحيل ,السجن ,الاعتقال) , والخطوبة والزواج المبكران ,والمواصلات ونفقاتها ,والخروج خصيصا للعمل وكما ذكر سابقا فإن معظم هذه الدوافع تقضي بتوجه الطفل للعمل.

ومن العوامل التي ساعدت على التسرب المركز الدعوي الديني في يطا وهذا حسب ما أفاد به موظف التخطيط والاحصاء في مديرية التربية والتعليم لمنطقة الجنوب السيد جمال عمرو، حيث يقول:" تخيل ان المركز الدعوي يقنع اكثر من مئة طالب على ترك المدرسة حتى يتوجهوا للمركز...والطلاب ليسوا من يطا وحدها، بل يوجد من مناطق أخرى قريبة وبعيدة... و كثير منهم توجهوا لنا هاربين من قمع المركز لهم... وعرضنا على المركز ان ننشئ لهم مدرسة خاصة لكنهم رفضوا".
وهناك عامل قلل من نسبة التسرب ألا وهو انتفاضة الأقصى، وهذا حسب ما أكده السيد جمال عمرو:" قبل انتفاضة الأقصى كان من السهل الدخول الى اسرائيل للعمل، ولكن أصبح ذلك صعباً منذ بدأت هذه الانتفاضة".

حصاد الظاهرة :
في الحقيقة إن المعلومات والحقائق التي تم التوصل اليها هي بشكل كبير مأساوية، وهي هنا كجزء وأمثلة قليلة من مجمل الحقائق كلها .
هذه الظاهرة وضعت بصماتها في كل مكان وناحية من المجتمع، وعما اذا كانت هذه البصمات ايجابية أو سلبية كانت هناك عدة وجهات للنظر، فالسيد خليل ابوعرام يجيب:" سلبية بالكامل، وأخطر النتائج هي الحرمان من التعليم، وفي أغلب الأحيان الأطفال الذين يعملون في سن مبكرة يبقوا أميين، ويصبح الفقر فيهم ظاهرة متكررة".

وتحدث أيضاً عن أمور خطيرة أخرى هي حوادث الوفاة التي حصلت لعدد من الأطفال نتيجة عدم معرفتهم بطبيعة عملهم:" أعرف بعض حالات هؤلاء ولكن هناك حالتين اعلم تفاصيلهما، والأولى هي حالة الطفل محمد فضل محمد ابوعبيد(14)عاماً الذي قضى قبل سنوات في ماكنة(دراسة) البطيخ، والحالة الثانية هي الطفل محمد ابراهيم شريتح(14)عاماً والذي قضى في بركة للمياه في منطقة بئر السبع قبل شهر تقريباً بينما كان يرعى الأغنام، وهناك حالات اخرى كثيرة ولكن لست اعرف الاسماء والتفاصيل".
وأوضح السيد خليل ابوعرام أن مجالات العمل غالبيتها في الرعي، وبالتحديد في النقب والضفة، وكذلك في الزراعة لقطف الخضار أو تعشيبها داخل اسرائيل.
أما خالد القواسمي فقد رأى أنه رغم السلبيات الكثيرة لظاهرة عمالة الأطفال الا أنه لا يمكن انكار ايجابيات متمثلة في الحركة التسويقية التي تزيد مع ازدياد القوى العاملة(الاطفال)، وكذلك فإن هناك عائداً مالياً على الطفل والأسرة".
أما السلبيات برأيه فهي كثيرة وخطيرة ومنها خسارة الجانب السلوكي والنفسي، والتعليمي، وكذلك الجانب التفكيري عندما ينظر الطفل الى أقرانه الذين يختلفون عنه في التفكير، والأخطر من ذلك هو الانحراف عندما تغيب الرقابتان المدرسية والأسرية.
كما أكد الاستاذ محمد الدبابسة على السلبيات التي تتركها ظاهرة عمالة الأطفال على الطفل نفسه، وهذه السلبيات لا تبقى في الطفل ذاته بل تنتقل الى مستقبله المتمثل في عائلته التي سيكونها مستقبلاً.

وفي مقابلة مع الطفل مهند احمد الدبابسة، وهو طالب في الصف الخامس، ويعمل في بيع "الشيبس"، أجاب:" أنا أحصل على 5شواقل في اليوم(ربح)، وهناك أخي أحمد في الصف الرابع، وكان قد تأخر سنتين عن المدرسة... يبيع مثلي ويحصل أيضاً على 5شواقل يومياً، وبالتالي فإن صافي ربحنا نحن الاثنين هو عشرة شواقل يومياً".

أما عن الأثر النفسي، فقد سئل عن سبب عمله فأجاب بعينيه قبل لسانه وكأنه يستهزئ من السؤال، وبعد الحاح عليه قال كلمتين باستغراب:" لماذا برأيك؟!...لماذا يعمل الانسان؟!"، والمعنى هنا واضح خاصة اذا تم معرفة وضع الأسرة، حيث أن عدد أفرادها (7)، والمعيل وهو الأب عاطل عن العمل ولا يوجد دخل آخر للأسرة سوى العشرة شواقل يومياً.
ويقول الطفل مهند أنه يشعر بالملل في أوقات عدة كل يوم، ولكن عليه أن يستمر في العمل، ويضيف أن هناك ضغوطاً فرضت عليه من قبل الأهل حتى يتجه للعمل، ولم تكن لديه الرغبة في ذلك.

ما الحـــــل؟!
" الحلول يجب أن تكون من خلال النظر للعوامل والمسببات المتشابكة لهذه الظاهرة" يقول السيد خليل ابوعرام، ويضيف:" الجهل والمرض النفسي والفقر، وقلة فهم الناس للدين، كل واحدة منها تؤدي الى الأخرى، وبالتالي فإن علاج جانب منها ليس كافياً، بل يجب معالجة كل هذه العوامل حتى لا يبقى هناك مبرر لهذه الظاهرة...وهذا يحتاج الى جهود جبارة، ومساعدة كل الأطراف المعنية، وخاصة الاسرة التي عليها تنظيم النسل".

أما خالد القواسمي فيقول:" النوادي الخاصة بالأطفال هي حل لهذه الظاهرة ولكن لا يوجد منها الا عدد قليل جداً على مستوى المحافظة فيطا رغم العدد السكاني الكبير لا يوجد بها إلا نادٍ وحيد... وهذه النوادي بحاجة الى دعم مادي، وهو حالياً معدوم".
ويضيف:"الأطفال بحاجة الى مراكز تأهيل، والتي لا يوجد منها في الخليل كلها إلا مركز التأهيل المهني... ومركز واحد لا يكفي لمحافظة كاملة يزيد سكانها عن نصف مليون نسمة... النادي عندنا مسؤول عن المخيمات الصيفية في المحافظة وفي هذه العطلة الصيفية قبلنا 4مخيمات صيفية في يطا، واذا كان عدد الأطفال في كل مخيم يجب أن لا يزيد عن 120طفل، اذا حسب المجموع في المخيمات الأربعةيكون 480طفلاً، والباقي ما هو مصيرهم، من الطبيعي أنهم سيتوجهون لأي عمل، والعدد ليس بسيطاً، فيطا عدد سكانها بزيد عن60000نسمة".

وطرح القواسمي حلولاً للظاهرة وهي توفير وزيادة رقابة الأهل على الطفل، ورقابة مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، والمؤسسات الأهلية، ووزارة التربية والتعليم الممثلة بمديريتها في الجنوب.

أما الاستاذ محمد الدبابسة فقد زاد على الرقابة، وطرح تحقيق التوعية للأطفال، وتقديم الحوافز والدعم المادي لذوي الأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما طرح فكرة النوادي والمراكز الثقافية شريطة الالتزام (الديني)، وانشاء دور القرآن.

في نهاية هذا التحقيق البحثي البسيط تبينت معالم الواقع الصعب والمتزايد لظاهرة عمالة الأطفال في بلدة يطا جنوب الخليل، والتي هي أحد النماذج المنتشرة في فلسطين بل والوطن العربي الذي تنتشر فيه هذه الظاهرة بشكل كبير والسبب الرئيس لذلك هو الوضع الاقتصادي الصعب في الدول العربية.

ولعل من الضروري ايجاد حلول سريعة لهذه الظاهرة التي تخلف نتائج أليمة على كل الأصعدة، هذه الحلول يجب أن تركز على الجانب النفسي من خلال عملية اعلامية مكثفة موجهة الى كل الأطراف المعنية، تتضمن عقد الندوات والمؤتمرات التوعوية، وتخصيص وقت كاف للحديث عن هذه الظاهرة في وسائل الاعلام المختلفة من مقروءة(صحف وانترنت) ومسموعة، ومسموعة مرئية، وكذلك فإن على مؤسسات الدولة التي تتجه نحو الاصلاح أن تعمل على اصلاح وضع المجتمع، وخصوصاً من الناحية الاقتصادية، في ظل وجود وتزايد هذه الظاهرة.