العـزل هو أقسى أنواع التعذيب

نشر بتاريخ: 04/07/2005 ( آخر تحديث: 04/07/2005 الساعة: 10:03 )
بقلم / عبد الناصر عوني فروانة

من الأهمية بمكان أن نَسمع ونُسمع العالم أخبارهم وصرخاتهم ، وأن نُطلعهم على أوضاع أسرانا وظروف حياتهم وواقعهم المؤلم ... فأخبارهم ملتهبة كلهيب شمس يوليو في النقب ونفحة ، وأوضاعهم مُرة كمرارة زنازين عسقلان والمسكوبية ، وحياتهم قاسية كـقساوة عزل السبع والرملة ، ومعاناتهم تتصاعد في خيام عوفر ومجدو ... فأسرانا يتعرضون لتعذيب جسدي ونفسي على مدار اللحظة ، وأساليب التعذيب المختلفة باتت معروفة للجميع ، ولكن قد تكون سياسة العزل ليست معروفة بهذا القدر ، فليس كل من أُعتقل تعرض لها ، وهي بالمناسبة ليست مرتبطة بحقبة زمنية معينة بل أُنتهجت ومورست على امتداد سنوات الأسر في السجون الإسرائيلية كنهج منظم ، وبحق عدد محدود من الأسرى وكانت تطبق بداية لعدة أيام وأسابيع ، ثم امتدت لتشمل عشرات الأسرى وبعض الأسيرات ولفترات تصل لشهور وبضع سنوات ، إلى أن وصلت لسنوات طوال كما هي حالة الأسير أحمد شكري المعزول منذ حوالي 15 عاماً ، والأسير عويضة كلاب المعزول منذ أكثر من 10 سنوات ، والأسير موسى دودين المعزول منذ 9 سنوات ولم يرَ ذويه سوى مرة واحدة قبل شهرين وبتدخل شخصي من الوزير سفيان أبو زايدة ، حتى بات حلم الأسرى المعزولين ليس التحرر بل العودة الى رفاقهم وإخوتهم في غرف السجون .

والأخطر والأكثر بشاعة هو أن إدارة السجون لم تكتفِ بزنازين العزل التي كانت قائمة أصلاً في السجون ، بل أنشأت أقساماً جديدة وبظروف أكثر قساوة مثل عزل السبع وخاصة قسم 9وعزل أيالون بالرملة وأيضاً " نيتسان "، وهو أحد أماكن العزل الرهيبة ويقع تحت الأرض والرطوبه فيه عالية جداً لدرجة العفن ، وتصطف زنازينه على صفين يفصلهما مردوان تتعلق في سقفه أنابيب مجاري الأقسام العلوية التي تطفح على الدوام وتنفث منها رائحة كريهة.

فالعزل شيء مختلف تماماً عن باقي السجون ، و يعتبر من أقسى أنواع التعذيب الذي تلجأ إليه إدارة السجون الإسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين والعرب وأقسامه هي علب للقتل الجسدي والنفسي البطيئ ، حيث يتم إحتجاز الأسير بشكل منفرد لفترات طويلة من الزمن تتجاوز السنوات في غرف صغيرة تعرف " بالإكسات " ، ومقفلة بإحكام بباب حديدي سميك وهي معتمة ورديئة التهوية وأشعة الشمس لا تعرف لها طريقاً و مساحتها ضيقة ، وتعاني من نقص كبير في النظافة ، وبالتالي رائحة العفن تفوح من الفراش والحرامات ، وآليات الإتصال من تلفاز ومذياع وصحف معدومة ، وحتى الساعة التي يُعرف منها الوقت ممنوعة ، ويمنع الكلام بصوت عالي وبالتالي يمنع الغناء والنشيد ، كما لا يُسمح للأسير خلال فترة العزل بالإلتقاء بالأسرى ولا بذويه ، وفي الحالات النادرة جداً التي يسمح فيها بزيارة الأهل تمتزج هذه الزيارات بالمضايقات والاستفزازات والإهانة وإذا مرض فلا يتلقى رعاية صحية كافية وقد تنعدم أحياناً وإن أخرجوه لما تسمى العيادة فإنه يخرج مكبل الأيدي والأرجل ، وهذا يسبب له مضاعفات صحية ونفسية خطيرة .... وحقيقة تفشل الأقلام مجتمعة في وصف بشاعة تلك الأقسام ووحشية المعاملة فيها ، وحجم المعاناة بالنسبة للأسرى المعزولين ولذويهم وأبنائهم أيضاً .
وأهداف العزل عديدة منها إضعاف الحركة الأسيرة من خلال عزل الأسرى أصحاب المكانة القيادية و التجربة الإعتقالية العميقة والحد من تأثيرهم على بقية الأسرى ، وبالتالي محاولة لخلق حالة مستمرة من الإرباك في صفوف الأسرى لتمرير سياستهم القمعية ، كما ويستخدم كعقاب وانتقام من بعض الأسرى لما قاموا به من عمليات فدائية مميزة أسفرت مثلاً عن مقتل إسرائيليين ، أو عقاباً لعمل قام به الأسير داخل السجن مثل الإعتداء على أحد السجانين أو ضبط مواد لدى الأسير غير مسموح إقتنائها ، وأحياناً لمجرد جدل كلامي بين الأسير والسجان أثناء العدد أو تفيش الغرف أو أثناء الخروج للفورة ، أو خلال زيارة الأهل ، بمعنى أحياناً تكون الأسباب المعلنة تافهة ، ولكن الهدف الأساسي هو إذلال الأسير وتحطيم معنوياته بشكل منظم ومبرمج وإلحاق الأذى النفسي والمعنوي والجسدي به ، وبذويه المحرومين من رؤيته والقلقين بإستمرار عليه وعلى حياته ، وبالتالي يأتي العزل في إطار السياسة القمعية واللاإنسانية المتصاعدة التي تمارس ضد أسرانا بهدف تحطيمهم معنوياً ونفسياً وحتى جسدياً وكسر معنوياتهم وفرض عليهم سياسة القبول بالأمر الواقع ، ولا أعتقد أن هناك أسيراً تعرض للعزل وبقيَّ سوياً من الناحية الصحية جسدياً أونفسياً .
ولقد أدرك الأسرى خطورة ذلك منذ زمن وخاضوا العديد من الإضرابات من أجل إنهاء هذه السياسة ، أو لأجل إعادة هذا الأسير أو ذاك ، وضمن أهداف الإضراب المفتوح عن الطعام والذي شمل كافة السجون في 15 آب 2004 واستمر لقرابة عشرين يوماً ، أدرج الأسرى آنذاك هدف إنهاء العزل ضمن أهداف الإضراب الأساسية ، وحينها وعدت إدارة السجون بدراسة كافة الحالات وإعادتها للسجن ، إلاّ أنها لم تف بوعودها ! فتوجه الأسرى المعزولين والأسرى عموماً بمناشدات ورسائل لجهات مختلفة للتدخل لإنهاء عزلهم ، وحذروا إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية مراراً من خطورة التمادي في ذلك والإستهتار بحياتهم ، إلاّ أن هذه المناشدات وتلك الرسائل لم تحقق شيئاً ، وعليه اضطروا للإضراب عن الطعام تضامناً مع المعزولين ورفضاً منهم لسياسة العزل ، وإذا ما تم إغلاق هذا الملف فبتقديري الأوضاع في السجون قابلة للإنفجار في أية لحظة ، خاصة وأن أوضاع كافة السجون آخذة بالتدهور وشكاوي الأسرى في تزايد والمعاناة مستمرة ..وعلى كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية المحلية والعربية والدولية أن تتحرك بجدية لوقف هذه المعاناة .
وبالمناسبة قبل أيام وبالتحديد في 26 حزيران إحتفلت الأمم المتحدة بيومها العالمي لمساندة ضحايا التعذيب ، فهل لديها اليوم الإستعداد لإرسال مندوبيها وطواقمها لزيارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية وخاصة أقسام العزل للإطلاع عن كثب على أوضاعها المأساوية وحجم التعذيب فيها وكم هي معاناة ضحايا التعذيب ؟؟؟؟