استراتيجية جديدة لشرق أوسط مخالف /بقلم: أوري بار-يوسف

نشر بتاريخ: 11/10/2006 ( آخر تحديث: 11/10/2006 الساعة: 21:30 )
مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية
Data & Strategic Studies Center (D. A.S.C)ِ
أبحاث إستراتيجية إسرائيلية
أبحاث عامة

مركز يافي للدراسات الاستراتيجية، نشرة دورية ، ايلول 2006 استراتيجية جديدة لشرق أوسط مخالف

مواجهة حزب الله مواجهة من نوع جديد بحسب الكثير جدا من العوامل: صورة العدو والعلاقات المتبادلة بينه وبين الدولة المضيفة والدول التي تؤيده، ونوع القتال واستعمال وسائل القتال، والعلاقة بين الجبهة الامامية والجبهة الداخلية، ومدة القتال، وتأثير الاعلام في الروح المعنوي الوطني وفي طريقة ادارة الجيش الاسرائيلي للحرب (وربما أيضا حزب الله) وغير ذلك.

لكن يبدو أنه في المستوى الأساسي جدا تعبر هذه المواجهة عن تغير حاد لافق التهديدات لاسرائيل وفرصها في المنطقة. لاول مرة تصرف اسرائيل قتالا لمواجهة جهة تمثل ايران بقدر كبير، في حين غدا واضحا أنه سيكون لنتائج هذه المواجهة آثار في الصورة والفعل لا في مكانة اسرائيل في المنطقة فقط بل في قدرة ايران ايضا على الايحاء بالقوة، مباشرة وباستعمال رسول لها، نحو غايات اقليمية وعالمية.

هذا هو السبب الرئيس المفضي الى تأييد عالمي لا شبيه له في الماضي، يشتمل على تأييد مصر والسعودية والاردن، للغاية الاسرائيلية المباشرة التي هي اضعاف القدرة العسكرية لحزب الله، اضعافا كبيرا.

أصبح يمكن الان ان نقدر ان العمل العدواني لحزب الله الذي اشعل المواجهة الحالية ليس خطأ فقط للشيخ نصرالله ورفاقه في القيادة بل للقيادة الايرانية ايضا التي من المعقول ان نفترض انها كانت مطلعة على سر الاجراء المتوقع ومن المعقول أيضا أنها كانت تستطيع حظره ايضا.

وذلك لان كمين حزب الله في الثاني عشر من تموز قد عرض على العالم باوضح صورة استعداد ايران لدعم اجراءات هجومية خطرة لمرسلها في مواجهة خصم قوي (ويتبين الان أنه مصمم جدا ايضا)، من اجل احراز انجازات دعائية تقوي صورة ايران كقوة صاعدة في المنطقة. على خلفية تأييد ايران غير المتحفظ للعمل العدائي لحزب الله الذي يندد به سائر العالم، السؤال الذي يسأله كل عاقل في العالم، وتسأله جارات ايران يقينا هو: اذا كانت ايران تتصرف بعدم مسؤولية كهذا في حين انها ما زالت لا تملك قدرة ذرية. وفي حين هي موجودة في اكثر المراحل دقة والتي تحتاج فيها الى سلوك حذر في الطريق الى الحصول على هذه القدرة - كيف قد تتصرف عندما تملك القدرة الذرية؟

يمكن ان تتبين المواجهة الحالية كخط حاسم في تاريخ النزاع الاسرائيلي - العربي. فالى جانب مسيرة ما تزال مستمرة لتأكل قدرة الدول العربية ودافعيتها الى أن تعرض اسرائيل لتهديد وجودي، أخذت تعلو منذ نحو من عقد القدرة الايرانية على تطوير تهديد كهذا بسلاح ذري.

ان وجود سلاح ذري عملي في ايد ايرانية سيحدث لاول مرة منذ الاسابيع الاولى لاقامتها، وضعا ستضطر فيه اسرائيل الى أن تعيش تحت تهديد عملي بالابادة. هذا الخطر يغطي على كل خطر آخر على أمن اسرائيل ومن البين أن عليها أن تقوم بكل شيء لمنع تحقيقه. مع افتراض أن المواجهة الحالية تقدم مثالا على استعداد ايران للمخاطرة، فانها دليل بيّن على صورة المحيط الاستراتيجي الجديد، المهدد وغير المستقر، الذي سينشأ اذا ما اصبحت ايران قوة ذرية. بمقابلة ذلك وبإزاء حقيقة أن سائر العالم وبخاصة جارات ايران العربية له مصلحة في منع حدوث محيط كهذا، أخذت تنشأ ايضا فرص جديدة لاسرائيل.

ماذا يجب أن تكون غاية اسرائيل الاستراتيجية في ضوء الوضع الذي حدث؟

الى جانب جهات متشددة في العالم العربي لا توجد في الحكم، يوجد اليوم في المحور الايراني ثلاث فِقر: حزب الله، وجهات متشددة تشارك في الحكم في السلطة الفلسطينية، وسورية. غاية اسرائيل الاستراتيجية الرئيسة يجب أن تكون عزل ايران بفصل الفلسطينيين وسورية من الحبل السري الايراني. لا داعي، في هذه المرحلة الى محاولة بذل جهود عسكرية وسياسية في حزب الله، لان اسرائيل لا تملك قدرة التأثير الحقيقي في الغايات الاستراتيجية للمنظمة التي هي نتاج ايديولوجية لا هوادة فيها ولان من المعقول ان عزل ايران عن الفلسطينيين وسورية سيفضي الى ان يذوي حزب الله كقوة عسكرية ذات شأن.

كيف ستبلغ اسرائيل هذه الغاية؟

من جهة اسرائيل السبيل الى عزل ايران تمر بإنهاء النزاع مع الفلسطينيين وسورية. ثمن انهاء النزاع مع الفلسطينيين معروف: الانسحاب من يهودا والسامرة مع امكان تغييرات حدودية ضئيلة بتبادل الاراضي ومصالحة اقليمية/عملية في القدس. ثمن انهاء النزاع مع السوريين أيضا معروف: العودة الى الحدود الدولية او الى خط الرابع من حزيران 1967.

يجب ان تبدأ طريق انهاء النزاع مع الفلسطينيين وقطع الصلة بينهم وبين ايران بتعزيز الجهات المعتدلة في السلطة الفلسطينية. ان حقيقة أن اسرائيل ترفض على الدوام محادثة الجهات المستعدة لمحادثتها، وفي ضمنها جهات من حماس قبلت "وثيقة الاسرى"، تعزز صورتها كغير مستعدة للمصالحة من اجل انهاء (أو على الاقل تفتير) النزاع، وتعمل لمصلحة الجهات الفلسطينية المتشددة وتقويها. بمقابلة ذلك، بدء التحادث الذي يكون مشفوعا بوقف اطلاق النار ومشتملا على تبادل الاسرى بحيث تبدأ اسرائيل في اطار ذلك بتحرير اسرى فلسطينيين يؤيدون مباديء الوثيقة، وعلى رأسهم مروان البرغوثي وممثلو حماس والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية والجهاد الاسلامي الذين وقعوا عليها، سيساعد في تعزيز طبقة قيادة اصيلة وقوية نسبيا، تلتزم التعايش واسرائيل. بمقابلة ذلك، سيضعف اجراء كهذا أيضا الجهات المتشددة في المجتمع الفلسطيني التي تعارض عملية سياسية. ان اعلانا اسرائيليا عن الاستعداد لقبول الهدف النهائي لـ "خريطة الطريق" كقاعدة للتفاوض سينشيء القاعدة العملية لاستمرار العملية، سيكون صعبا بيقين وكثير التقلب بل قد يكون مصحوبا بثورات عنف ومع كل ذلك سيكون كثير الاحتمالات ايضا.

ان السبيل الى قطع العلاقة ايضا بين سورية وايران تمر بقدر غير ضئيل في الملعب الاسرائيلي. قد يكون بشار الاسد اقل التزاما من أبيه لاعادة هضبة الجولان، لكن الواضح أن سورية ستواصل مواجهة اسرائيل ما دامت هذه المنطقة لم تعد اليها. التجربة التي تراكمت منذ توقيع اتفاق فصل القوات في هضبة الجولان في 1974 تدل على أنها وجدت طرقا مختلفة، من طريق لبنان في الاساس، للالتفاف على التفوق العسكري الاسرائيلي وللاستمرار بالمواجهة باستعمال رسول.

لا سببب لافتراض أنه ما ظلت هضبة الجولان بايد اسرائيلية سيطرأ تغير للوضع. العكس صحيح، استمرار المواجهة مع سورية يسهم في تعزيز المحور الذي أقامته ايران وقد يفضي آخر الامر الى ان تقوم قوات من الجيش الايراني في خط المواجهة السورية لاسرائيل. من البين ايضا أن استمرار المواجهة يقوي المصلحة السورية في تأييد كل جهة مقاومة لاسرائيل في المنطقة وسيجعل من الصعب التقدم في المسيرة السياسية مع الفلسطينيين. وفيما يتصل بالمخاطرة التي تصحب هذه العملية، فان حقيقة أن ثلاثة من رؤساء الحكومة من "الامنيين" (رابين، ونتنياهو، وبراك) كانوا مستعدين لاعادة هضبة الجولان الى السوريين في اطار اتفاق سلام، هي تعبير واضح عن أن ما منع من الاتفاق حتى الان لم يكن اعتبارا امنيا بل اعتبارا آخر.

لا نزعم بهذا أن جميع المسؤولية عن كف جماح ايران ملقاة على اسرائيل وان كل شيء متعلق بها. من المؤكد أن للعمليات الداخلية في العالم العربي، وللاهتمامات الخارجية من الولايات المتحدة في الاساس، واوروبا، وروسيا والصين، وبالطبع للعمليات الداخلية في ايران سيكون وزن مهم في تحديد صورة الشرق الاوسط في السنين القادمة. لكن أحداث الاسابيع الاخيرة تبرهن على الخطر الوجودي الذي يصحب صعود ايران وبخاصة اذا اصبحت ذات قدرة ذرية. لهذا على اسرائيل أن تفعل كل ما تستطيع، وفي ضمن ذلك الاستعداد لدفع أثمان كانت تُرى حتى المدة الاخيرة غير معقولة او غير ضرورية، من اجل منع خطر كهذا. انهاء الصراع مع العالم العربي واقامة نظام أحلاف غير رسمي مع الجهات الرئيسة في المنطقة، التي تهتم أيضا بصد ايران، يبدو الاستراتيجية الاكثر ضمانا من جهة اسرائيل لمواجهة التهديد.