الثلاثاء: 25/06/2024 بتوقيت القدس الشريف

لـمـاذا يـظـهـر قـادة "حـمـاس" فـي صـورة "مُـغـفَّـلـيـن" ؟!

نشر بتاريخ: 07/03/2007 ( آخر تحديث: 07/03/2007 الساعة: 13:26 )
بقلم الكاتب الاسرائيلي : عكيفا الدار - في الثامن والعشرين من آذار، بعد مرور خمس سنوات بالضبط على قمة الجامعة العربية، التي تقترح لأول مرة إقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل، سيصل القطار العربي الذي انطلق من بيروت الى الرياض.
خلال الطريق توقف هذا القطار في محطة مكة المؤقتة لادخال "المبادرة السعودية" و"اتفاق مكة" و"بيان الرياض"، الى العربة في اللحظة الأخيرة. هي كلها من الآن فصاعدا صفقة رزمة.

اذا تحول اتفاق مكة الى اتفاق ائتلافي ووصل قادة "حماس" الى الرياض ببدلات الوزراء، فسيعودون الى البيت اشخاصا مختلفين عن اولئك الذين جاءوا.
حسب صحيفة "الحياة" اللندنية، اتفق وزراء الخارجية العرب في القاهرة، الاحد الماضي، على أن تؤكد القمة العربية بعد ثلاثة اسابيع في الرياض التزام الجامعة العربية وأعضائها بـ "السلام العادل والشامل كخيار استراتيجي". هذا البند يشبه شقيقه الأكبر الذي ولد في شباط 2002 في السعودية، وعُمّد في بيروت. سيكون من الصعب على "حماس"، وربما من غير الممكن ايضا، ابتلاع هذه الحبة المرة ــ ولكن قادتها يحاولون الاحتفاظ بحقهم في الصمت مثل لاعبي البوكر المحترفين. لماذا يظهرون في صورة المُغفلّين في العالم العربي؟.

في صيغة القرار الذي أُعد لقمة الرياض جاء أن الجامعة العربية تُعبر عن دعمها الكامل لاتفاق مكة الذي تم التوصل اليه برعاية خادم الحرمين (ملك السعودية) بمساعدة الجهود والمساعي العربية لتحقيق الاتفاق الوطني الفلسطيني وإقامة حكومة الوحدة الوطنية. القمة ستدعو الأسرة الدولية ايضا الى الاعتراف بالحكومة الجديدة ورفع الحصار عن "المناطق". "حماس" غير مستعدة للإقدام على مخاطرة كبيرة جدا مُراهِنة على أن اسرائيل ستقوم بمهمة الرفض بدلا عنها.

رد حكومة اسرائيل على قرار قمة الرياض عموما، وبند مكة خصوصا، معروف منذ مدة طويلة. الحملة الصليبية التي تشنها وزيرة الخارجية، تسيبي لفني، في العالم ضد اتفاق مكة الذي يرمي الى رفع الحصار عن "المناطق" وتشق الطريق أمام التسوية الدائمة مع الفلسطينيين، تعتبر نموذجا كافيا لذلك.

في "فتح" ما زالوا يأملون بأن تتسبب قمة الرياض لـ "حماس" بما لم تنجح به شروط الرباعية الدولية، الثلاثة. الكارهون الكبار لـ "حماس"، وعلى رأسهم ياسر عبد ربه، الذي رفض حتى السماع عن حكومة الوحدة، يُعولّون على المزج بين "اتفاق مكة" و"بيان الرياض". أملهم يعتمد على الافتراض بأن "حماس" ليست معنية في إخراج نفسها خارج المعسكر العربي. صورة اسماعيل هنية في قمة عربية تؤكد قرارات بيروت تساوي أكثر من ألف كلمة تطلقها "حماس" ضد "اوسلو" والاعتراف باسرائيل.
دون أي نقاش جدي.

ولكن حتى اذا حدث انقلاب في موقف اسرائيل، فسيكون بامكان هنية أن يسافر الى الرياض دون أي خوف على الموقع المخصص للفلسطينيين في الجامعة العربية. حسب كل المؤشرات التي تصل من القدس وواشنطن فان اغلبية العواصم الاوروبية ستُصغر قرار الجامعة بالاعتراف باسرائيل وبحدود حزيران واقامة علاقات طبيعية معها. بعد 28 آذار لن يكون بامكان أية دولة عربية أن تنتقد "حماس" لكونها عثرة في طريق اقامة الدولة الفلسطينية، ومُعيقا للجهود المصرية والاردنية والسعودية ودول الخليج. أما "حماس" فتستطيع الادعاء بأن الواقعة ليست مجدية، وأن الاسرائيليين لا يفهمون إلا لغة القوة.

تبنت سورية تكتيك "حماس"،و بشار الأسد وعد سلفا بالمشاركة في قمة الرياض. فقد حرص على أن يتضمن قرارها الانسحاب من الجولان وأن لا يكتفي بصيغة عمومية حول الانسحاب من الاراضي العربية، وأن يتطرق الى "الاراضي المحتلة في جنوب لبنان" (مزارع شبعا). ايران تنضم هي الاخرى الى الاحتفال على حساب الرفض الاسرائيلي المؤكد لليد العربية الممدودة. من الصعب الافتراض أن وكالات الأنباء السعودية الرسمية قد اختلقت تأييد الرئيس محمود أحمدي نجاد للمبادرة السعودية. زيارته المفاجئة الى الرياض تهدف الى ضمان مكانة طهران في المسار الفلسطيني. ما الذي يخسرونه اذا أيدوا المسارات المغلقة؟.

وبالفعل ليس لدى حكومة اولمرت ــ بيرتس مثل حكومة شارون ــ بيريس قبلها أي تصور عما يتوجب فعله بصدد قرار القادة العرب القادم الذي سيؤكد قرار قمة بيروت قبل خمس سنوات باستبدال حالة الحرب بالعلاقات الطبيعية. حكومة اسرائيل والكنيست لم تجريا حتى الآن أي نقاش جدي حول مبادرة الجامعة العربية. اولمرت قال ان هذه المبادرة تتضمن بنودا ايجابية، ومئير شطريت أوصى بالاستجابة لفتح قناة مفاوضات مع الجامعة على أساس ذلك القرار. قائد حزب العمل عمير بيرتس أدخل القرار في موقع جيد في منتصف خطته السلمية. ما الذي تمخض عنه كل ذلك؟ ما خرج من قرار حزب العمل قبل خمس سنوات هو ذكر المبادرة في برنامجه السياسي بصورة جزئية. وبالمناسبة، خطة بنيامين بن اليعازر السلمية ايضا التي ولدت عندما كان في وزارة الدفاع تضمنت كلمة طيبة حول قمة بيروت.

لفني هي التي تعاملت مع المشروع بصورة ملموسة. فهي تطالب الجامعة العربية بتعديل بنود الانسحاب واللاجئين في قمة بيروت. البروفيسور أيال بن فينشتي، الذي يعتبر خبيرا دوليا في قضية اللاجئين، يدحض ادعاءات وزيرة الخارجية كليا (كما أنه يوجد كثيرون ممن يخالفونها الرأي في وزارة الخارجية نفسها). هو يُذكر بأن اسرائيل هي التي كانت قد ايدت القرار 194 الذي فر العرب منه مثل الفرار من الوباء حتى العام 1988. صيغة الجامعة العربية على حد قوله التي تستوجب الموافقة الاسرائيلية على أي حل لقضية اللاجئين، هي ذخر كان من الواجب تلقفه بكلتا اليدين.

الرد: السور الواقي:

مكان ولادة المبادرة السعودية وأختها الصغرى، قرار قمة بيروت، كان في الاردن وليس في السعودية. المسودات الاولى أُعدت من قبل الدكتور مروان المعشر، سفير الاردن الاول في اسرائيل، ومن ثم سفير بلاده في واشنطن ووزير للخارجية. لقد عُين في الآونة الأخيرة نائبا لرئيس البنك الدولي. عبد الله ملك الاردن اعتقد أن للملك عبد الله السعودي فرصة أفضل لبيع المبادرة لاصدقائه الاميركيين. كما افترض أنه لن يكون من اللائق للقادة العرب أن يشتروا مبادرة منطلقة من دولة صغيرة مثل المملكة الهاشمية.

في أواخر آب 2001 أرسل الملك عبد الله بن عبد العزيز الى جورج بوش وثيقة من 25 صفحة حول الوضع في "المناطق". لقد نعت سلوك اسرائيل تجاه الفلسطينيين بـ "ارهاب الدولة" واحتج ضد التسامح الاميركي مع اسرائيل. وكذلك ذكر اقتراحات التنديد باسرائيل في مجلس الأمن التي أُحبطت على يد الفيتو الاميركي. جورج بوش الأب المقرب من العائلة السعودية حاول تهدئة عبد الله قائلا له ان قلب ابنه موجود في المكان الصحيح.

بعد عدة ايام، في الحادي عشر من ايلول، تحولت السعودية من مراقبة الى خاضعة للمراقبة، وتبين أن 15 سعوديا كانوا ضالعين في الارهاب الشديد الذي انقض على الولايات المتحدة. الملك عبد الله دعا توماس فريدمان اليه حتى يخفف من الانتقادات فقام هذا الأخير في النشر في "نيويورك تايمز" بأن المبادرة السعودية للتطبيع والحل الشامل قادمة مع انعقاد قمة بيروت.

جاء نبأ قرار القمة في الثامن والعشرين من آذار ولد للعالم في عيد الفصح بالتزامن شبه المتطابق مع خبر تنفيذ عملية فندق "بارك" في نتانيا التي حصدت أرواح ثلاثين شخصا كانوا يتناولون العشاء ليلة العيد. بعد ذلك بأربعة ايام، وبعد عملية كبيرة في حيفا، شرعت اسرائيل بعملية "السور الواقي" وانقض الجيش الاسرائيلي على "المناطق"، فنسي الجميع أمر المبادرة العربية. العملية العسكرية الاسرائيلية اعتُبرت من وجهة النظر العربية رد شارون الحقيقي على الجامعة. عضو الكنيست يوسي سريد (ميرتس) كان من بين القلائل في حينه الذين انتقدوا تجاهل حكومة شارون للمبادرة العربية، واقترح عقد قمة دولية على أساس قرار الجامعة.
الجامعة العربية تكرر في كل عام تأكيدها قرار قمة بيروت. ومنذ 2003 تحرص على حذف كلمات "حق العودة" من بياناتها. في ايلول الأخير رفض مجلس الأمن الدولي اقتراح الجامعة بتبني المبادرة والعمل من اجل تحقيقها.

عن صحيفة "هآرتس"