Advertisements

كتاب "الجزيرة والإخوان" لوليد الشرفا ! النقد المنهجي لسلطة الاعلام

نشر بتاريخ: 02/02/2015 ( آخر تحديث: 04/02/2015 الساعة: 14:09 )
كتاب "الجزيرة والإخوان" لوليد الشرفا ! النقد المنهجي لسلطة الاعلام
لا تختلف قراءة الاستبدالات عند كل الجماعات والأنظمة السلطوية التي تتصارع على إنتاج المعنى في الساحة العربية في أفعالها الذبائحية، فهي متفقة بالفعل، لكنها مختلفة في "التقنية" أدواتها ومنطلقاتها، وقدرتها على مخاطبة المكبوتات الثقافية عند الجماعات الواقعة في دائرة الاستهداف، ولعل أخطر التقنيات نفاذا تلك التي سربلت نفسها بثوب القداسة الدينية، لكونها الأقدر على تحويل المصلحة لقداسة.

تقوم فكرة التأصيل في الحركات الإسلامية على فكرة الأصنمة وثبات جغرافيا المقدس، وهي تأخذ منحيين: التأصيل في النص، والتأصيل في التجربة التاريخية. وعند دراسة النص يمكن القول: إن إلهية النص لا تجعله ينطق، وإنما يستنطق بما لدى البشر من قدرة على استنطاقه، والاستنطاق بالضرورة فعل بشري محض، ولا قداسة له، ولا ادعاء بها لأي استنطاق، فالاستنطاق لا يلزم أكثر من صاحبه إن التزم به.

أما التأصيل في التجربة التاريخية، فهذا الادعاء محض مراوغة وخداع، فالتجربة التاريخية لا تنبئ إلا عن صراع دنيوي على السلطة التي زهقت في سبيل الظفر بها أرواح المسلمين مشرعنة بذلك العنف المقدس في مواجهة الخصوم. فهي تجربة منزوعة دسم القداسة لسببين: لأنها تاريخية ولا إنسانية وليست وحييّة نصية، والثاني لأنها شرعنة استباحة دماء المسلمين.

من المنطلقات السابقة لا توجد علة تأصيل لحركات الإسلام السياسي لا في التجربة التاريخية ولا النصيّة. وتتمثل خطورة الإيهام عند الحركات الداعية للتأصيل بأنها توهم في خطاباتها بأن النص مرجعها، والتجربة التاريخية للسلف الصالح طريق لها، وبهذا الوهم والضلال والتضليل تأخذ هذه الحركات طريقها نحو الاستمالة والتجييش عبر فعل الأصنمة وتثبيت جغرافيا الوعي.

وفي هذا السياق تجيء دراسة الشرفا لتحطيم خداع الأصنمة، والكشف - إن جازت المقاربة - عن الفعل الذبائحي عبر فضح لعبة الاستبدالات، كما أن الدراسة تتغيّا تحرير الوعي من أسر الثبات، فهي تتصدى إلى إشكالية إنتاج المعنى المقدس في فكر الإخوان المسلمين في إطار من التحولات التاريخية التي تعصف بكل ثبات، وقدرة الإخوان على الإيهام بثبات المعنى وآلية إنتاجه بطهارة ونقاء.

بناء على هذه الإشكالية يتبنى الشرفا مقولة مركزية مؤداها: أن الفكر الإخواني يقوم على الإيهام بإنتاج المعنى المقدس بالاعتماد على قضية استبدال المرجعيات المولدة للمعاني في ظل غياب سؤالي التحقق والثبات، بهدف خلق علاقة تصور مع الواقع خاضعة لإرغامات آليات إنتاج المعنى، فتغدو المرجعية مقدودة قدا على قدّ المعنى المقدس، سحرية النفاذ، متجسدة بالجماعة وأيقوناتها التي يوكل إليها الإيهام بالدرجة صفر مع النص والتاريخ اللذين تمّ تغييبهما واغتصابهما وحضورهما لغايات شهادة الزور لمنح (المدنس) الأرضي شهادة القداسة والطهارة، وهكذا ينتصر المعنى المنتج على التاريخ والنص والواقع، ويمنح الآخرين وسام الضلال والتيه.

وتنبع إشكالية الدراسة وفرضيتها من تتبع علمي منهجي رصين في قراءة استبدال المرجعيات ابتداء من السقيفة التي استبدلت القبيلة بالعقيدة في تشريع السياسي الأرضي، وإلباسه عباءة القداسة، وصولا إلى قراءة هذا الاستبدال في فكر سيد قطب الذي التحم بالنص لينتج فكر الحاكمية القادر على إبطال التاريخ والخصوم لصالح المعنى المنتج، وتبين الدراسة التعارضات في الفكر القطبي التي أفضت إلى أن تستبد به ثنائية (الإسلامي العلماني) عبر إنتاج تاريخ مقدس للجماعة، ومنهج فوق تاريخاني يسقط من حساباته كل تاريخ أو قراءة فقهية معارضة له.

ثمّ تحقق الدراسة مع القرضاوي الوريث للتراث القطبي تحديدا من خلال برنامج" الشريعة والحياة"، حيث تستدعي القراءة كل التناقضات التي أحدثها القرضاوي في المنهج القطبي، مع قدرة عالية للقرضاوي وعبر تحالف مع المرئي (الجزيرة) على أدرمة التصور واغتيال الواقع، وتسطيح الوعي مع الإيهام العالي النفاذ بانسجام المعنى/ الفكر/ الإخواني وتماسكه، فكان فعل القرضاوي في تراث سيد قطب يشبه قول جوزيف أتيلا: "السطح يثرثر أما العمق فيستمع" مع التحفظ الكامل على أن تراث سيد قطب يمثل بأي شكل من الأشكال عمقا معرفيا.
Advertisements