الثلاثاء: 23/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

موت عن موت يفرق

نشر بتاريخ: 16/09/2015 ( آخر تحديث: 16/09/2015 الساعة: 21:22 )
موت عن موت يفرق

موت عن موت يفرق.. رحلة التشرّد الفلسطينية صورة متجددة لرحلة العربي السوري

بقلم د. زياد غانم بني شمسه/جامعة بيت لحم

هي الصورة ذاتها تتكرر (الحرب والقتل والدمار والإرهاب..) الذي يمارس على العربي الفلسطيني والعربي أجمع، فأبعاد الرحلة والهجرة عن الوطن في سوريا ومصروالعراق.. لا تبتعد كثيرا عن رؤية غسان كنفاني لرحلة أبناء شعبه الفلسطيني في الأربعينيات والستينيات وما بعدها، هي صرخةغسان " لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟؟ " يتردد صداها معلنة رسالته -الإنسانيةوالوطنية-الرحيل عن الوطن يعني الموت،في البحر في البرّ في صهريج ماء، لا فرق بين رحلة الرجال الثلاثة في الصحراء ورحلة الألوف في سوريا في البحر والبرّ، لكنها متفاوتة بين البحث عن الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.


في هذا المقال أقدم صورة لرحلة الفلسطيني في الأربعينيات والستينيات التي تشبيه مثليتها العربية وإن اختلفت قوى الشرّ والظلم والإرهاب، فالظلم صورته واحدة سواء من المحتل أو من أبناء جلدتنا بل ظلمهم ألعن وأقسى:


وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
دعوني أرجع لروايات غسان كنفاني" زرقاء اليمامة " الثلاث لصيرورتها وتجدّد نبوءة خطابها السياسي، وهذه الروايات رواية رجال في الشمس 1963/ رواية ما تبقى لكم 1968/ رواية أم سعد 1969
وأطرح التساؤلات الآتية:1-كيف تراوحت الرحلة بين البحث عن الخلاص الفردي أو الجماعي؟
2-كيف تفاوتت صورة الفلسطيني بين ثنائية العجز والانبعاث في تلك الرحلة؟
رحلة الفلسطيني ما بين 1948-1967م" تفاوتتبين البحث عن الخلاص الفردي والخلاص الجماعي.
ترى رضوى عاشور في كتابها النقدي " الطريق إلى الخيمة الأخرى " رحلة الفلسطينيّ في رواية " رجال في الشمس " التي صدرت عام 1963م، رحلة مرتبطة بحلم الخلاص لشعب عانى الهجرة وعاينها بأم عينيه الدامعتين بعد عام 1948م.
فأبطالها " أبو قيس" المزارع الفلسطينيّ الذي طرد من أرضه، و" أسعد" الشاب الذي يهرب من الاضطهاد السياسي ويصبح مدينا لعمّه متعهدا للارتباط بابنة عمه مقابل دينه وسداده، و"مروان" الطفل الذي يقوم بهمة الانفاق على أسرته التيتخلّ عنها الأب بعد زواجه من أخرى، كلّهم أبطال وقعوا في " ورطة " كما قال غسان كنفاني، أزمة دفعتهم إلى رحلة عبر الصحراء للوصول على الكويت الدوحة المأمولة، إذن هي:
- رحلة في الصحراء تبدأ بحلم الخلاص الفردي وتنتهي بالإحباط ومزيد من العذابات التي نالت الأجساد والأرواح معا.
- رحلة في صحراء العراق-الكويت بعيدة عن الوطن فلسطين تعني الموت والهلاك.
- رحلة في الصحراء عبر خزان الوقود يرمز للخنوع والصمت فالفلسطينيون في تلك الرحلة لم يدقوا جدران الخزان.


أما الرحلة في رواية " ماتبقى لكم " 1968م؛ هي رحلة جَسّدها بطل الرواية "حامد" في عبوره في صحراء النقب متّجها إلى الأردن تجاه أمه، هروبا من الماضي وانفلاتا من اليأس والعار جرّاء موقفه السلبيّ من أخته مريم العانس التي تزوجت بـ"زكريا" النتن.
ارتبطت الرحلة بدوالّ جديدة مغايرة، تقول رضوى عاشور " رحلة حامد تاركًا غزة قاصدًا أمّه عبر الصحراء هي الخطوة الأولى على طريق الانفلات من سجن الماضي المتمثل في الساعة – النّــعش".


إذن؛ هي رحلة البداية التي استشرفت الثورة ودعت إليها، تمثلت بالآتي:
-رحلة في صحراء النقب تمثل رحلة البداية والثورة وبداية الوعي الفلسطيني للتمرّد.
-رحلة في الصحراء ولكنها هنا تبدو صحراء متعاطفة مع البطل، تساعده على الخلاص الجماعي والثورة، والصحراء هنا يحبها حامد.
- رحلة في الصحراء لكنها تخرق جدار الصمت الماضي المتمثل في الساعة المثبتة أمام السرير، وحامد هنا الذي يصنع الحاضر.
إذن إن اختلاف دوالّ الرحلة وأبعادها المكانية والزمانية توحي بثنائية واضحة ما بين الروايتين لتدل على ثنائية كبرى في صورة الرحلة بين عام 48 و67م، من حيث وجهتها ونهايتها، فإن تمثلت الأولى بدوال ثلاثة" الخلاص الفردي، والصمت، والهلاك" فإن رحلة الفلسطيني بعد نكسة 67م اختلفت وجهتها وازداد فيها وعي الفلسطيني بقضيته وانقشعت عنه غيمة الذهول، وقد تمثلت بدوال مغايرة تبدت في " الخلاص الجماعي، والتمرد، والحياة"؟
وهذه الخطاطة الآتية تمثل تلك ثنائيةالرحلتين:ثنائية رحلة الفلسطينيّ ما بين 48م-67 م:


وفي ختام مقالتي أقول هل يعي شعبنا الفلسطيني والعربي السوري خاصة هذه الثنائية، لا أنيحمل أمتعته وكل ما يلزمه في رحلة المجهول، لتكون زادا لحيتان البحر وكاميرات الإعلام لتعلن الشفقة والرحمة عليهم بتقاريردامية، عليهم أن يبقوا في ديارهم المهدمة، ويدقوا وتدا آخر لخيمة جديدة، فموت عن موت يفرق أو كما تقول رضوى عاشور " خيمة عن خيمة تفرق ".