الثلاثاء: 19/01/2021

غزة... جباليا... مستشفى الشفاء تحكي قصة الجراح وأمهات أيديهن على قلوبهن

نشر بتاريخ: 24/09/2005 ( آخر تحديث: 24/09/2005 الساعة: 13:56 )
غزة- معا- تكون أمام غرفة العناية المركزة وبجانبك عشرات من الأمهات المستقرات على الأرض والملتصقات بالحائط والجالسات والواقفات وأولئك الرجال المحومون باستمرار دون أن يدركوا طعم الهدوء والاستقرار او الراحة، وفجأة يوقظ الجميع قصف قوي يهز أركان المكان فتزداد حالة الفوضى إلى أقصى ما يكون، صراخ هنا وهناك وحالة من الارتباك والوجوم والأسماء التي تنادي بها الأمهات.

أما مستشفى الشفاء الذي كنت بصدد زيارة له مع صحافية أخرى فليس هناك من يسألك إن كنت صحافياً وستلتقط صوراً ام لا فلا احد متفرغ لأحد، ببساطة الجميع تكاد تنفلت أعصابه ويده على قلبه، وكل الأهالي الذين افترشوا أرض الشفاء يكادون يبكون ألماً وآهاتهم تزفر وحشة وشوقاً للأخبار الطيبة.

لم نكد ننهي لقاء أو اثنين مع سيدتين في قسم الاستقبال حتى تفاجأنا بسيدة تهرول باحثة عن ابن أخيها قيل لها أنه استشهد وآخرون من جيرانها تراود لآذانهم اسم قريبها انضم إلى كوكبة الشهداء الذين بلغ عددهم حتى هذه اللحظة 15 شهيداً عرفت هويات 13 منهم، فيما استقبلت كافة أقسام مشافي القطاع ما يقارب مائة جريح تراوحت إصاباتهم بين الخطرة والمتوسطة والطفيفة.

السيدة التي تركت حقيبة اليد في المنزل من فور انشغالها على ابن أخيها انتقلت وأنا خلفها من طابق إلى آخر وعيناها الخضراوان تدققان في القادم والذاهب وتخترق غرفة بعد أخرى وتقلب أعينها بين المصابين، ولأساعدها بدأت بسؤال كل الأطباء الذين رأيتهم عن ابن أخيها محمد أبو عبيد 10 سنوات فقط، لكن أحداً لم يعرف الاسم، لعل هناك سبباً لذلك ولكن ما علينا، الطفل اهتدينا له عبر صديق للشهيد أسعد ريان أحد قادة القسام الذي انفجرت سيارته أمس فقال لنا ان محمد الطفل لم يزل على قيد الحياة وبانتظار إجراء عملية جراحية وعندما اهتدينا بأحد الطوابق التي مررنا بها صعوداً وهبوطاً هبوطاً وصعوداً، رأينا الطفل الصغير حيث لا تبدو عليه عشر من السنين أو ما شابه، تكور بـألم على أحد الأسرة وقد لفت رأسه بعصابة, فنصيبه من الانفجار كان سبعة شظايا واحدة قرب القلب وست توزعن بغير عدل على جسده الصغير، وبصوت يكاد يسمعه القريب قال انه رأى "الزنانة" التي ما فارقت السماء تقصف صاروخاً باتجاه أربع جيبات لقادة حماس الذين جاءوا إلى الاستعراض العسكري ورأى بعضاً من أصدقائه يتطايرون إلى منطقة بعيدة ومن ثم طار هو ولم يعرف إلى أين إلى أن وجد نفسه بالمستشفى محاط بأمه وأخته الصغيرة ووالده.

أما والدة الطفل المصاب محمد فوزي وادي " 11" عاماً فوجدتها ملتصقة بالحائط وكأن فصلاً من الشتاء أصاب عظامها، وعرفت منها بالكاد ان ابنها الأكبر الذي فرح للاستعراض العسكري كان من أول المصابين وإصابته كانت بالرأس وحتى هذه اللحظة أي بعد مرور 20 ساعة لم تعرف ما هي طبيعة وضع ابنها، وهي لا تستطيع الوقوف على قدميها، فيما تجيب عنها سيدة بقربها ان الفتى أصبح بين الحياة والموت بعد ان كان زهرة يانعة تفرح قلب أمه.

أما والدة الطفل المصاب علاء رضوان "13" عاماً فأكدت لنا انها رأت مثل غيرها طائرة إسرائيلية في السماء قصفت إحدى صواريخها التي اعتاد عليها الأهالي مما ادى إلى انقلاب أحد جيبات القسام وبالتالي سمعت انفجارات ضخمة وغبار كثيف بالمكان وكان ابنها من بين المصابين، حيث اضطر الأطباء إلى بتر ساقه.

أما والد الطفل محمد مصطفى عبيد "16" عاماً فقد وجدناه يلتصق بباب غرفة العمليات رغم المنع القاطع لذلك ويؤكد لنا أنه كان على بعد 3 أمتار فقط من ابنه عندما سمع صوت انفجار غامض وراى ابنه يصعد إلى أعلى ومن ثم يرتطم بالأرض، وعن إصابته قال ان ابنه أصيب بالقرب من قلبه، وفي ساقه وفخده اليمنى وذراعه وفي ظهره.

ويكاد يكون حظنا سعيداً عندما خرج د. عماد مسعود بعد أن أجرى عملية جراحية لابنه وأكد لنا ان الطفل أصبح بحالة جيدة ومرت عمليته بنجاح، مشيراً إلى انه انتزع من صدر المصاب عدد من الشظايا، مشيراً إلى ان عدد الشهداء الذي عرفه يصل إلى 19 شهيداً فيما أجريت عدد من العمليات الجراحية لقرابة 80 جريحاً بالكاد استطاع كل دكتور أن ينفذ خمسة منها.

الإضراب العام الذي ساد في القطاع وبدأه اطفال المدارس يكاد ينبيء بحالة الوجوم والحزن الشديدين في شوارع القطاع الكبيرة والصغيرة، في الأزقة والميادين، الأمر سيان، الجميع يتحدثون عن مجزرة الأمس، وكيف أن إسرائيل لا تفرق بين صغير أو كبير، ولا تراعي تجمعاً ضخماً ويستعيدون من ذاكرتهم ضرب طائرات الاحتلال لمسيرة سلمية تقدمها الاطفال لتخفيف العبء عن آخرين محاصرين في رفح قبل عامين.