الجمعة: 23/02/2024 بتوقيت القدس الشريف

حالة فساد سياسي في الكونغرس بطلها زعيم الأغلبية الجمهورية توم ديلاي

نشر بتاريخ: 02/10/2005 ( آخر تحديث: 02/10/2005 الساعة: 11:19 )
معا - عن تقرير واشنطن - وجهت هيئة محلفين بولاية تكساس الأمريكية لزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب الأمريكي توم ديلاي تهمة القيام بأنشطة غير مشروعة لجمع الأموال أثناء حملة انتخابية وارتكابه مخالفات جنائية مع اثنين من مساعديه خلال حملة لجمع التبرعات. وأعلن ديلاي يوم الأربعاء الماضي تنحيته عن منصبه بصفة مؤقتة بعد توجيه الاتهام إليه.

وقد يواجه ديلاي عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى عامين في حالة إدانته بالتهمة التي وجهتها إليه هيئة محلفين كبرى في محكمة بمدينة هيوستن بتكساس.

وسيطرت أخبار انتهاكات توم ديلاى Tom DeLay وتحتل مكانا بارزا في جميع عناوين الصحف الأمريكية الرئيسية، مما دفع العديد من الصحفيين باللهث وراء تفاصيل أكثر، تعكس هذه القضية مشكلة ذات جذور عميقة تمر بها تجربة الديمقراطية الأمريكية الآن. المعضلة الخطيرة هنا هي تأثير سلطة المال الكبير على عملية صنع القرار السياسي، كذلك الدور المتصاعد للمال في الحملات الانتخابية. ويرى العديد من المراقبين في واشنطن أن تصرفات توم ديلاى تمثل طريقة العمل المعتادة في واشنطن، وتعكس الواقع العملي للسياسيين الأامريكيين، وكما قال أحد العاملين بالكونغرس لتقرير واشنطن واشترط عدم ذكر اسمه "إن توم ديلاى تصرف كعادة معظم أعضاء الكونغرس ولكنه تجاوز الحد المقبول، لذلك افتضح أمره".

أول الدروس التي يتعلمها الصحفيون الطموحون في الجامعات الأمريكية درس "تتبع المال"، فعندما تنعقد مسألة سياسية فيجب أن نفتش عن المال ودوره، وغالبا سوف تظهر لك الحقيقة، وهذا ما يقوله اساتذة الصحافة. ويقول أساتذة الصحافة فتش عن المال ودوره إذا ما تعقدت مسألة سياسية. ويتتبع الآن العديد من الصحفيين الأمريكيين درب المال في قضية توم ديلاى عضو الكونغرس القوي للحزب الجمهوري من ولاية تكساس، والذي يواجه بعض الاتهامات التى تتعلق بخرق وانتهاك القواعد الأخلاقية للكونغرس، والتي من أمثلتها قيامه بعدة سفريات للخارج تحمل نفقاتها ممثلو بعض المصالح الخاصة التي شاركت في تحمل نفقات حملته الانتخابية.

والآن يواجه ثاني وأقوى أعضاء مجلس النواب الأمريكي (بعد رئيس المجلس Speaker) اتهامات تتعلق بسوء استغلال سلطته المستمر، وذلك لأنه كان يتخذ جميع قراراته السياسية على أساس مراعاة المصالح المشتركة لممولي حملته الانتخابية.

احتياج السياسيين الدائم للأموال :
لقضية المال في السياسة الأمريكية شقين، الأول منهما يتعلق بحاجة الساسة والمرشحين لمناصب كبرى لأموال لإدارة الحملات الانتخابية باهظة التكاليف. لهذا فهم يلجأون إلى جمع التبرعات الخارجية، وعلى الرغم من لوائح الكونغرس التي تحدد قيمة الأموال التي تمنح للمرشح الواحد، فإن معظم أعضاء مجلس النواب (فترة الخدمة سنتين)ومجلس الشيوخ (فترة الخدمة ست سنوات) يقضون معظم أوقاتهم في جلب المال من مصادر متعددة من أجل انتخابهم أو إعادة انتخابهم. ويداوم أعضاء الكونغرس نتيجة لذلك على حضور مناسبات لجمع التبرعات وهي التي تجعلهم بالتالي في احتكاك مستمر مع المتبرعين الأغنياء وشركات اللوبي التي تمثل مصالح متعددة. وحتى إذا افترضنا شفافية أعضاء الكونغرس ونواياهم الطيبة فإن حاجتهم المستمرة لجمع الأموال لصالح حملاتهم الانتخابية تجعلهم مرتبطين بعالم المتبرعين الأثرياء ورجال الأعمال الكبار، الذي يستنفد وقتاً كبيرا.

ويريد هؤلاء الأثرياء الحصول على النفوذ بإتصالهم بأعضاء الكونغرس، من ناحية أخرى فإن أعضاء الكونغرس يريدون كسب ود هؤلاء الأثرياء حتى تتدفق الأموال!
ويقول أحد العاملين بالكونغرس "إن أسهل طريقة لمقابلة عضو بالكونغرس هو أن تجهيز أي وسيلة لجمع التبرعات لصالحه، وفى هذه المناسبة (جمع التبرعات) يقوم الضيوف بإمضاء شيكات النقود بينما يستمع رجال الكونغرس لمشاكلهم".

ونتيجة للغضب الشعبي وتدقيق الإعلام في الأموال، أصدر الكونغرس مجموعة من اللوائح والقوانين لإصلاح عملية تمويل حملات الدعاية الانتخابية في السنوات العشرة الأخيرة. هدف الكونغرس من وراء ذلك إلى تقليل الانتهاكات الخاصة بطبيعة هذه العملية. وترتب عن تلك القوانين تحول بعض الممارسات إلي ممارسات غير قانونية، مثل الممارسات ذات السمعة السيئة التى كانت تتعلق بالتبرعات غير المحددة للحملات الانتخابية لمرشح واحد من مصدر واحد. مع ذلك فإن هناك الكثير من الثغرات فى القوانين الجديدة مما أوجب دراسة تشريعات لإصلاحها.

طبيعة شركات اللوبي :
الشق الثاني من مشكلة المال والسياسة في الولايات المتحدة يتعلق بمنظمات اللوبي التي تمثل مجموعة شركات، أو مصالح قضية معينون، أو مصالح أفراد معينون. وتحاول هذه الشركات التأثير على عملية التشريع بواسطة منح أعضاء الكونغرس أو العاملين به، أو بعض الوكالات الفيدرالية بعض الحوافز والمكافآت مثل التذاكر المجانية لأحداث رياضية هامة، أو تنظيم رحلات مغطاة التكاليف لأجمل المنتجعات. والسفر في هذه الحالات مغطى التكاليف ويعتبر قانونياً لأن منظمي الرحلة يضعون غالبا ندوة ذات طابع سياسى قومي في برنامج الرحلة، ولهذا يستطيع عضو الكونغرس أن يدعي أن الغرض من الرحلة كان عمليا بالأساس.

إيه حكاية توم ديلاي؟
سبب تعرض توم ديلاى لطلقات الاتهام أنه ذهب الى سكوتلاند في رحلة ترفيهية لممارسة رياضة الجولف بدعوة من جاك أبراموف Jack Abramoff، أحد أشهر من يعمل في شركات اللوبي بالولايات المتحدة، ويشتهر بالفضائح، ولعب توم ديلاى الجولف مع أبراموف.
والعاملون بشركات اللوبي (مثل أبراموف) يحققون أرباحاً طائلة عن طريق استخدام نفوذهم في الكونغرس لإقناع أشخاص مثل توم ديلاى بإصدار تشريع لصالح عملائهم والتي تتضمن العديد من الشركات الأمريكية. وديلاي هو أيضا رهن التحقيق، وذلك لوضعه مصروفات زوجته وابنته على قائمة مصروفات دعايته الانتخابية. وطالبت العديد من مقالات الصحف الأمريكية ديلاي بالاستقالة بينما التف حوله حلفاؤه من المحافظين قائلين إنه لم يقم بأي شيء خطأ.
واللوبي لا يستخدم فقط لاغراض أنانية وضيقة، أو أغراض أعمال غير مشروعة، بل أن هناك لجماعات حقوق الإنسان، وأخرى لحقوق الطفل تستخدم اللوبي للضغط على الكونغرس والبيت الأبيض من أجل سمع صوتهم وتوصيل رسالتهم.

قوة اللوبي الإسرائيلي والسعودي :
في ساحة السياسة الخارجية يعد اللوبي الإسرائيلي أقوى لوبي لحكومة أجنبية للضغط في واشنطن، كذلك للحكومة السعودية لوبي قوي ذو حضور متميز. والجماعات العرقية والإثنية مثل جماعات الأمريكيين الأرمن، والأمريكيين الأسيويين، والأمريكيين العرب، والأمريكيين الأفارقة، ينجحون أيضاً فى الضغط على الكونغرس بالنيابة عن مصالح جاليتهم، وبصورة زائدة عن الحد في حالات كثيرة. وبدأت جماعة الأمريكيين الإيرانيين تتعلم مؤخرا قواعد اللعبة وبدأوا في تشكيل منظمات وجماعات للتأثير على الكونغرس والبيت الأبيض بما يخدم مصالحهم.

واصل كلمة "لوبي" يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما كان رجال الأعمال الأمريكيون ينتظرون في بهو الانتظار (اللوبي) لغرف التشريع، وذلك سعيا في مقابلة أحد السياسين لإقناعه بالتصويت لصالح تشريع بعينه. ويعتقد البعض الآخر أنها ترجع لنهاية القرن التاسع عشر فى فترة رئاسة ويلارد جرانت الذي كان يقضي فترة بعد الظهيرة على طاولة في بهو الفندق (لوبي) المعروف باسم فندق ويلارد الآن، شجع العديد من رجال الاعمال على الاجتماع فى بهو هذا الفندق لمقابلة الرئيس.
واليوم أصبح اللوبي صناعة برأس مال قدره مئات البلايين من الدولارات، ويوظف حوالي 14 ألف شخص، يتقاضون مرتباتهم للتأثير على قرارات الكونغرس والبيت الأبيض وموظفي أكثر من 200 وكالة فيدرالية. وطبقا لبيانات مركز النزاهة العام (Center of Public Integrity) وهو منظمة غير حكومية محترمة فى جميع الأوساط الأمريكية التي تنتقد تأثير المال الطاغي على السياسة.

وذكر هذا المركز أن عام 2003 شهد إنفاق 2.4 بليون دولار من قبل اللوبي، ومن عام 1998 -2004 تم إنفاق 13 بليون دولار من قبل مجموعات اللوبي، وقد تم الاستعانة بأكثر من 2000 موظف سابق لاستخدامهم في محاولات منظمات اللوبي للتأثير علي سياسة الحكومة في العديد من القضايا التي تتراوح من مسائل اجتماعية دينية مثل قضية الإجهاض إلى المصالح الخاصة بالمؤسسات الكبيرة.

وقد أدان المركز ما سماه بـ "ثقافة المرتزقة" والتي تتكون نتيجة تفاعل السياسة مع المال.
وعلقت إحدى الصحف الامريكية قائلة "المبالغ الباهظة التي تنفقها شركات اللوبي تثير الانزعاج، ومضمون ذلك رسالة إلى المواطن العادي خلاصتها، لابد من إنفاق مبالغ ضخمة لاخضاع الكونغرس أو البيت الأبيض، لم يتم الالتفات إلى خطاب بسيط أو مكالمة تليفونية أو حتى رسالة الكترونية منك لن يتم الالتفات إليها". ويتهم الكونغرس بأنه ضعيف الأداء فيما يتعلق بمراقبة أنشطة منظمات اللوبي، ويوافق على ذلك الرأي الكثير من المنظمات غير الحكومية ( NGOs ).
وتقول روبرتا باسكين المديرة التنفيذية لمركز النزاهة العامة ( CPI) إنها تعتقد أن الكونغرس يغض النظر أو يتساهل في مسألة "الباب الدائري"، ويقصد بهذا المصطلح أعضاء الكونغرس الذين يعملون فى النهاية (بعد انتهاء فترة الخدمة) مع منظمات اللوبي.
وقد اكتشف المركز أن هناك 250 عضوا سابقا بالكونغرس والمنظمات الفيدرالية الأخرى يتم تسجيلهم حالياً للتأثير أو الضغط على زملاء العمل الذين عملوا معهم من قبل. تضيف باسكين "أن المركز أعد إحصائية للتعرف على إجمالي عدد من عملوا عن طريق الباب الدائري، وكانت النتيجة حوالي 2200 مسئول سابق".
والدلالة على عدم مواجهة الكونغرس بصورة حاسمة لهذا الأمر بسيطة، إذ يفهمها رجل الكونغرس العادي علي النحو التالي (لماذا أثر مشاكل لشركة ما أو صناعة ما قد توظفني بمؤسستها براتب عال في يوم من الأيام بعد خروجي من الكونغرس؟
ومع تطورات فضيحة ديلاي بدأ الصحفيون في إدراك أن عملية "تعقب المال" هي عمل يحتاج إلى تفرغ كامل ومجهود كبير.