أزمة حكومة أم أزمة حكم بكامله؟ بقلم: هاني المصري

نشر بتاريخ: 13/10/2005 ( آخر تحديث: 13/10/2005 الساعة: 18:25 )
معا - حكومة طوارئ لا حكومة حالة طوارئ، حكومة رئاسية ام اعادة تكليف ابو علاء؟ لا، ابو علاء لن يقبل، لأنه سيخوض الانتخابات التشريعية المقبلة. واذا استمر موعد اجرائها على حاله، على رئيس الوزراء والوزراء وكافة الموظفين الذين سيرشحون انفسهم ان يستقيلوا في نهاية الشهر المقبل، الا اذا كانت هناك نية لتأجيل الانتخابات، واذا رفض ابو علاء تشكيل حكومة جديدة، او لم يكلفه الرئيس بتشكيلها، يمكن ان يكلف نبيل شعث او اي عضو لجنة مركزية آخر، لأن منصب رئيس الوزراء هناك توافق في قيادة فتح على جعله حكراً على اعضاء اللجنة المركزية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ان طالب المجلس التشريعي الرئيس بتشكيل حكومة جديدة خلال اسبوعين هو: هل فشل حكومة التكنوقراط فشل لها ام فشل للحكم؟ وهو فشل يعود الى ان الحزب الحاكم الذي هو فتح لم يتح لها النجاح، ام انها لم تنجح لانها عاجزة. فحكومة التكنوقراط يجب ان لا ننسى انها كانت حكومة مخرج من ازمة تشكيل الحكومة التي طالت كثيراً، ولم تكن حلاً للازمة الفلسطينية. فهي اختيرت على عجل وخلال 84 ساعة بعدما فشلت فتح وفشل الرئيس ورئيس الوزراء في تشكيل حكومة سياسية او سياسية تكنوقراطية. والمجلس التشريعي الذي انتهى تفويضه الشعبي منذ زمن طويل لا يزال يتحكم بالحكومات فهو يمنح الثقة او يحجبها. وهو يفعل ذلك، يحركه او يحرك عدداً لا بأس به من اعضائه رغبة مكبوتة مضمرة، او حتى في احيان نادرة معلنة بدفع انتخابات المجلس التشريعي الى الوراء اطول فترة ممكنة، فمعظم اعضاء التشريعي يعرفون في قرارة انفسهم انهم لن يعودوا لاحتلال مقاعدهم تحت قبة البرلمان.

الأزمة أزمة حكم ونظام سياسي كامل، وليست ازمة حكومة بحد ذاتها. ازمة فقدان الخيار الواضح والارادة القوية اللازمة لتطبيقه مهما كان. ومفتاح الخروج من هذه الازمة يكمن في بلورة برنامج سياسي موحد وتحقيق شراكة سياسية كاملة. وهذه وذلك لا يمكن ان يتحققا الا باجراء الانتخابات التشريعية.

في هذا السياق، اعتقد ان الحكومة القادمة يفترض ان تكون انتقالية مؤقتة ينتهي دورها في شهر شباط المقبل، وبالتالي وظيفتها الرئيسية استكمال الاشراف على الانتخابات المحلية، والاشراف على اجراء الانتخابات التشريعية بحرية ونزاهة وضمان عقدها في موعدها دون تأجيل جديد.

اللافت للنظر أن الحديث عن تشكيل حكومة جديدة ترافق مع حديث بل احاديث عن تأجيل الانتخابات. ورغم النفي الرسمي لكل التسريبات عن تأجيل الانتخابات، الا ان ذلك لم ينفع في تبديد الشكوك حول النيّة لتأجيل الانتخابات. والاحاديث عن تأجيل الانتخابات مثل النار التي تجد وقودها من الظروف التي تحياها الاراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تجعل احتمال تأجيل الانتخابات احتمالاً وارداً.

فالتوتر الذي شهده قطاع غزة بعد الاشتباكات الاخيرة بين السلطة وحماس، وعدم تجاوز اسباب هذا التوتر يقدم سبباً قوياً لدعم اتجاه تأجيل الانتخابات.

وحالة الفوضى والفلتان الأمني والتي سقط ضحيتها حوالي 150 قتيلاً فلسطينياً منذ بداية هذا العام وحتى الآن، واصبحت عامل استنزاف حقيقي للطاقات الفلسطينية تقدم سبباً مقنعاً جداً لدعاة تأجيل الانتخابات، فكيف يمكن توفير حرية ونزاهة الانتخابات وتوفير الحماية للناخبين ومراكز الانتخابات وصناديق الاقتراع ما دام المسلحون يتصرفون كما يحلو لهم دون رادع.

والموقف الاسرائيلي الرافض لمشاركة حماس في الانتخابات، والمدعوم اميركياً من خلال الرفض الذي ابدته ادارة بوش للجمع ما بين حمل السلاح والمشاركة في الانتخابات، يوفر عاملاً حاسماً يحدد مصير الانتخابات. فاذا مضت السلطة بالانتخابات دون حماس ستكون شرعيتها ناقصة، والانتخابات في هذه الحالة لن تكون بوابة لنشوء شرعية واحدة قوية تعددية وانما بداية مرحلة اسوأ من الفوضى والدمار والاستنزاف الداخلي.

واسرائيل بمقدورها، كما قال شارون بعظمة لسانه، أن تقيم الحواجز وتعمل على تضييق الحصار بصورة تجعل الانتخابات مستحيلة. وبمقدور اسرائيل ان تمنع الانتخابات في القدس، وهذا يضع الفلسطينيين في وضع صعب، فهم لا يمكن ان يخوضوا الانتخابات دون مشاركة القدس.

وهناك عامل آخر يجعل هناك امكانية لتأجيل الانتخابات وهو وجود شرائح وافراد وقادة في السلطة والمجتمع وفي صفوف المجلس التشريعي يخشون على مواقعهم ومصالحهم اذا جرت الانتخابات. فالانتخابات سترسم خارطة سياسية جديدة، ستجد فيها كافة الفصائل والفعاليات يأخذ كل منها حصته الواقعية ما يرغم الجميع على القبول بنوع من الشراكة بعيداً عن الانفراد والتفرد، وبما يمكن ان يوفر جواً افضل لقيام نظام فلسطيني افضل اكثر قدرة على محاربة الفوضى والفلتان الامني والفساد وكل المظاهر السلبية.

ولا يمكن ان يكون الاستنتاج الوحيد مما تقدم ان تأجيل الانتخابات هو الاحتمال الوحيد او المرجح، بل ان عرض العوامل الكابحة لاجراء الانتخابات التشريعية يستهدف توضيحها حتى يسهل التصدي لها.

فهناك شبه اجماع فلسطيني يقف على رأسه الرئيس نفسه لا يزال يصر على اجراء الانتخابات، ويعبِّر هذا الاجماع عن المصلحة الوطنية العامة، ويدفع باتجاه الالتزام بالقواسم المشتركة.

وهناك الخطر الماثل من عدم اجراء الانتخابات، وهو شبح الحرب الاهلية التي تخيم فوق السماء الفلسطينية، ولا يمكن دحرها، الا ببلورة استراتيجية وطنية واضحة وواحدة تحدد الاهداف والمراحل والخطط واشكال النضال والعمل والتحالفات، وتسمح بتعددية في الاطار الوطني وتقوم على اساس المشاركة الكاملة.

واذا كنا نريد اجراء الانتخابات فعلاً، لنبدأ فوراً بمحاربة حالة الفوضى والفلتان الأمني، وليس نقدها والتفرج عليها والوقوع ضحايا لها.

* كاتب ومحلل سياسي فلسطيني يقيم في مدينة نابلس.