"الرئيس الأمريكي و الدولة العميقة"

نشر بتاريخ: 19/02/2020 ( آخر تحديث: 19/02/2020 الساعة: 21:12 )
"الرئيس الأمريكي و الدولة العميقة"
الكاتب: مروان أميل طوباسي


ترامب كما العديد من رؤساء أمريكيا كما ترومان أيضا هو صناعة الدولة الامريكية العميقة وهو يعبر بالنهاية عن مصالحها وعن المصالح "القومية الكبرى" الاقتصادية والأمنية والسياسية وعن شبكة مصالح الصناعات الكبيرة وتحديداً منها العسكرية بالولايات المتحدة التي تسعى لاثارة الحروب بالعالم.
إضافة إلى ترجمة المفاهيم الايدولوجية لليمين المحافظ بل والمتطرف بالولايات المتحدة وعن فكر جماعات الافنجليكين "evangelicals" التي يتجاوز تعدادها حوالي 100 مليون فرد أي بنسبة 41% من الشعب الأمريكي الذين يعرفون انفسهم من هذه الفئة او من المتجديدين " born again" ونسبتهم في تزايد مستمر وهنالك انتشارات اليوم لهم في ارجاء أخرى من العالم مثل انتماء رئيس البرازيل اليميني المتطرف بولسونارو و غيره لهم, حيث يتجاوز عددهم بالعالم الان 700 مليون شخص.
بالإضافة إلى مؤيدي الفكر المسيحي – الصهيوني ومن اليمين المتطرف في أوروبا المرتبط بهذه الجماعات، ذلك الفكر الذي يتصاعد في أوروبا خاصة في بعض دول أوروبا الشرقية و الذي لايمت بصلة للتعاليم المسيحية الحقة من خلال تفسيراتهم التوراتيه الخاصة و الذين يؤمنون من خلالها بحق اليهود في كامل "ارض إسرائيل الكبرى"، و يشيعون رؤيتهم الخاصة المشوه حول السيد المسيح وعودته ثانية ليقيم مملكته بما يخدم رؤيتهم المزعومة.
وهم ينظرون إلى الحركة الصهيونية كحركة متحضرة كجزء من "الغرب" مقابل العرب "الغير متحضر".
وتعبيراً عن ذلك كان الاعتراف بالقدس الموحدة كعاصمة "لدولة إسرائيل" بداية في عهد ترامب ونقل سفارتها لها و شرعنة المستوطنات اليهودية الصهيونية.
هؤلاء الانجيليين المحافظين " evangelicals" و الذين ايضا يسعون الى تقويض الكنيسة الأرثوذكسية بالعالم و يساهمون مع أركان الدولة العميقة في إثارة الشقاق بين كنائسها كما حدث مؤخرا بين الكنيسة الاوكرانية و الروسية. هؤلاء قد شكلوا القاعدة الانتخابية لترامب منذ 2016 وهم من مؤيدي إسرائيل و سياساتها الاستعمارية العدوانية و يعتقدون برابط مع "الشعب اليهودي" بالأراضي المقدسة وفق مقولاتهم الفكرية وبالتالي شرعية و ضرورة ضم كافة الأراضي التي احتلت عام ٦٧ لسيطرة وسيادة دولة الاحتلال "إسرائيل" تمهيداً ليوم عودة اليهود "لارض الميعاد".
وللتذكير فقط، فان وزير الخارجية بومبيو ومايك بينس نائب الرئيس الأمريكي الذين ينتمون لتلك الجماعات قد صرحوا بمقابله في آذار الماضي "بان الله كان هنا في عمل" اي بالبيت الأبيض ، بما يتعلق بسياسات ترامب تجاه إسرائيل.
تلك إحدى محددات السياسة الخارجية الأمريكية التي لا يمكن القفز عنها او تجاهلها بجانب محددات أخرى لها علاقة بالسياسات الاحلالية و التطهير العرقي التي تعتمدها سياسات الهيمنة الاستعمارية في أمريكيا او إسرائيل وفق فكر الحركة الصهيونية العالمية لإيجاد نظام عالمي احادي القطب يفتقر الي العدالة و ينشر الفوضى و بؤر التوتر و الحروب الاقتصادية و العسكرية ، مما أظهر خلافا مع الاغلبية من الدول الأوروبية قبل أيام في مؤتمر ميونخ للامن مع تلك السياسات و رغبة تلك الدول الأوروبية بالانفكاك عن محور الولايات المتحدة، الأمر الذي اظهرها في عزلة سياسية.

ففي الماضي كانت هذه الدولة العميقة الاستعمارية نقلب الانظمة وتدمر الدول ونقتل الشعوب تحت مسميات الديمقراطية الوهمية ، لأن همها كان ان تثبت للجميع انها تمارس دور شرطة العالم، أما اليوم لم يعد هناك داعي لهم للإختباء خلف إصبعهم ، فلقد استمرت بذلك، لكن تحولت أمريكا من شرطة الى شركة، والشركات تبيع وتشتري وهي مع من يدفع أكثر، والشركات كي تبني عليها دائماً ان تهدم، ولا يوجد مكان مهيأ للهدم اكثر من الوطن العربي وفق رؤيتهم.

هذه الدولة و ضمن محددات سياساتها الخارجية تطمع بالسيطرة على ثروات العالم و الشعوب من نقط و غاز و مياه و معادن،
سيستمرون بمشروع السيطرة على النفط العربي، لأنه هذه السيطرة تساعدهم في الحرب الاقتصادية على اوروبا والصين واليابان ، ثم إنهم لا يعتقدون بوجود شعوب حرة في المنطقة ، فلو وجدت لما وجدوا هم كما يدعون ، لذلك وكما قال ترامب " لن نسمح بإيقاظ هذه الشعوب، كما لن نسمح لأي جهة كانت الوقوف في وجه سيطرتنا على المنطقة، لذلك وضعنا بعض الدول أمام خيارين، إما الحرب وإما الإستسلام، وفرضنا عليها أقصى العقوبات التي ستوصلنا الى الحرب التي لن يربح فيها أحد في المنطقة، بل سيكون الرابح الوحيد هو النظام العالمي الجديد احادي القطب ولكي يربح هذا النظام، سنستخدم كل ما توصلنا اليه وعلى كافة الصعد العسكرية والتكنولوجية والإقتصادية. "
انها الراسمالية المتوحشة في صورة اليمين العقائدي المتطرف الان.
ان ما يدور من سياسات لترامب و منهجه الفكري لا يستهدف فقط شعبنا الفلسطيني من خلال ما يسمى بصفقة القرن بهدف تصفية قضيتنا العادلة و تنفيذ المشروع القومي اليهودي الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية، بل كذلك فإن القانون الدولي مستهدف و إطار هيئة الأمم و ميثاقها و السلم العالمي مستهدف بالإضافة إلى مبادئ العدالة و الديمقراطية ذاتها في كل العالم مستهدفة.
لكن هذا الأمر لن يسود طويلا، فالتاريخ لا يعرف السكون، هنالك إمبراطوريات سقطت و دول صعدت و شعوب تحررت رغم محاولات تشويه التاريخ و إشاعة ظلم هذا الفكر، و النظام العالمي لن يتوقف عند نقطة محددة امام حقوق الشعوب التي لا بد من أن تنتصر و ينتصر شعبنا لحقوقه القومية التاريخية و السياسية في فلسطين.