قراءة في واقع التعليم عن بُعد : بين التحديات والمسؤوليات

نشر بتاريخ: 09/04/2020 ( آخر تحديث: 09/04/2020 الساعة: 20:33 )
قراءة في واقع التعليم عن بُعد : بين التحديات والمسؤوليات
الكاتب: أ. منيرفا قسيس جرايسة

 

تعتمد العملية التعليمية لأبنائنا في إطار المدارس، وضمن الأجواء الطبيعية والعادية على ثلاثة أطراف ( المدرسة والمعلمين/ات والطلبة) في علاقة قائمة على التعاون، تبنى على تحمّل كل طرف لمسؤولياته تجاه هذه العملية، لضمان نجاحها بجودة وفاعلية عالية، وتحقيق المخرجات التربوية المتوقعة على المستويات المعرفية منها والمهاراتية، وخلق توجهات إيجابية لدى الطلبة نحو الذات والمجتمع، وضمان خلق شخصية فاعلة واثقة ملتزمة ومسؤولة، تساهم في عملية البناء المجتمعي، باعتبارهم الرهان القوي والأداة التي ستقود المجتمع نحو عملية التغيير الإيجابي.

اعتمدت العملية التعليمية بشكل كامل على التعلم الوجاهي، أي أن يقوم المعلم/ة المتواجد جسدياً مع مجموعة من الطلبة في بيئة المدرسة / الصف، بتعليمهم عبر عملية التفاعل معهم وطرح الأسئلة والنقاش بالمشاركة الفردية والجماعية، والمراجعة لضمان وصول وفهم المعلومات من قبل الطلبة، واعتماد التقييم النوعي والامتحانات الكتابية والشفهية، إلى جانب تنفيذ العديد من الأنشطة المرتبطة بالمواد الأكاديمية، وربطها بالحياة العملية والمواقف الاجتماعية والتربوية في إطار المدرسة والمجتمع.

سوف تساعدنا هذه المقدمة على التحليل والنظر لموضوع التعليم في السياقات المختلفة، وخصوصا التعليم في زمن      (الكورونا)، الذي وبإجماع عالمي تم التأكيد على ضرورته لاستكمال العملية التعليمية من خلال الإنترنت، ليشمل جميع مناحي الحياة الأخرى. فالتعليم الإلكتروني يعتمد على إدارة مستحدثة في العديد من المجتمعات، ولم يكن أداة فاعلة أو حتى مستخدمة بدرجة عالية وبشكل خاص في إطار المدارس والمؤسسات التربوية، ما عدا تلك المؤسسات ذات المكانة الاقتصادية أو التي تتوفر لديها موارد مادية وبنية تحتية تساعد على ذلك.

إن استحداث التعليم الالكتروني أو التعليم عن بُعد، ليكون أداة لإنقاذ العام الدراسي الحالي، واستكمال المواد التعليمية والمنهاج الذي لم يتم استكماله بسبب انتشار فايروس كورونا، جاء كرد فعل على الوضع الطارئ الذي نشأ، في بيئة لم تكن مهيئة على كافة المستويات للاستجابة لاحتياجات الهيئات التدريسية أو الطلبة أنفسهم، وحتى على مستوى استعدادية المعلمين/ات للقيام بهذه المسؤولية. ففي الوقت الذي شكل فيه التعليم الالكتروني تحدياً كبيراً لأطراف العملية التربوية، منها درجة تحمل المسؤولية من قبل الطلبة والذين يمكثون داخل بيوتهم تبعاً للظرف الراهن، والذي بدوره حدّ من فرص تحركهم ووصولهم للمدرسة، فالتعليم عن بعد اعتبر استراتيجية جيدة بأبعاد معينة رافقتها العديد من التحديات التي واجهها الطلبة والأهل والمعلمين انفسهم.

ولهذا فإن التعليم الإلكتروني شكل صدمة نوعاً ما للمجتمع بشكل عام، ولأطراف العملية التعليمية بشكل خاص، حيث لم يكن هناك تدرج أو تمهيد للفكرة التي كانت وليدة اللحظة وجاءت كردة فعل طارىء. لا ننكر أن هناك أساسيات متوفرة في إطار البنية التحتية والجاهزية للطلبة والأهل، للتفاعل معها مثل توفر خدمة الإنترنت في معظم البيوت الفلسطينية.

فبنظرة سريعة على إحصائيّات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد زاد معدل انتشار الهاتف النقال لدى الأسر الفلسطينية إلى 90 هاتف نقال لكل 100 ( سنة 2018)، كما أن (96% ) من الأسر الفلسطينية لديها هاتف نقال واحد على الأقل. وزادت القدرة و امتلاك المهارات الأساسية في استخدام الحاسوب والإنترنت لدى (81%) من الافراد 18 سنة فاكثر.

أما في العام 2019، فقد بلغت نسبة الأفراد (10 سنوات فأكثر) الذين يستخدمون الانترنت من أي موقع في الضفة الغربية 74.1% ، أما نسبة الأسر التي لديها خط نفاذ للإنترنت في البيت فبلغت 83.5% [1].

وفي واقع حال حياة الطلبة اليومية، رافق كثرة استخدام الأبناء للإنترنت، وزيادة الوقت الذي يقضونه في الألعاب والتواصل في العالم الافتراضي أكثر من العالم الواقعي، رافقها العديد التحفظات والشكاوي، الأمر الذي يحمل في طياته تحديات على المستوى النفسي والجسدي، ويؤثر بالطبع على مستوى الاندماج الاجتماعي في إطار علاقة الطفل بأسرته ومجتمعه، بحسب العديد من الباحثين والمختصين في مجال الصحة النفسية والجسدية، الأمر الذي حذرت من مخاطره منظمة الصحة العالمية.

من هنا نرى أن الحالة المستجدة الجديّة سواء وجود وانتشار فيروس كورونا، وفرض استراتيجية التعليم الإلكتروني، وضعت المجتمع كافة تحت واقع جديد لا بد فيه من تحمل المسؤولية، واتخاذ الإجراءات الاحترازية للوقاية والحد من انتشار الفايروس، فالالتزام مسؤولية مجتمعية وليس فردية، حيث لا يلتزم الأفراد خوفاً على أنفسهم فقط، بل أيضاً خوفاً على الآخرين في عائلاتهم ومجتمعهم، وأيضاً إيجاد آليات للتعامل مع التعليم الالكتروني وما ترتب عليه من مسؤوليات كمجتمع.

دور الاهل في العملية التربوية

السؤال المطروح هنا:ما هو دور الأهل في عملية التعليم الالكتروني الذي يعتبر -نظام تقديم المناهج ( المواد الاكاديمية) عبر شبكة الانترنت بطريقة تفاعلية كاملة-  والذي اعتبر بديلاً مؤقتاً لضمان استمرار العملية التعليمية وحرصا على مستقبل ومسيرة الطلبة الأكاديمية والتربوية؟

 فعلى الرغم من وجود العديد من التحديات والتحفظات وعدم أخذ موضوع التعليم عن بعد بشكل جدي، وكونه شكل خبرة صادمة لمجموعة لا بأس بها من الأهالي والمعلمين، إلا أنه ابرز وبشكل عملي عدم وجود فرقاً كبيراً بين دور الاهل في التعليم النظامي المدرسي وبين التعليم الالكتروني لأبنائهم. فالأهل وفي كلتا الحالتين تقع عليهم مسؤولية المتابعة وتقديم الاستشارة للطفل لدعم عملية التعلّم ، وليس أن يحملوها على اكتفاهم باعتبارها مسؤوليتهم هم لا مسؤولية أبنائهم.

إن استحداث هذه الطريقة جاء كاستراتيجية لمنع عزل الطالب/ة أو الطلبة عن عالم المعرفة والحياة التعليمية، وحمل في طياته ابعاداً نفسية إيجابية عكست نفسها عليهم. حيث أن هذه الاستراتيجية، لم تبعد الطلبة كثيراً عن مفهوم النظام والالتزام ببعض المهام والمسؤوليات المرتبطة بحياتهم التعليمية والاجتماعية، والتي تساعدهم في تخطي الأزمة في الظروف الضاغطة التي يعيشونها، في ظل الحد من الحركة والتخفيف من عملية التفاعل الوجاهي وممارسة الأنشطة، بل وحّد من فرص عملية التجهيل التي مارسها الاحتلال الاسرائيلي بحق العملية التعليمية والتي تضمنت -لا الحصر- سياسة إغلاق المدارس والجامعات عبر السنوات السابقة، ونهوض المجتمع الفلسطيني باستراتيجيات المدارس الشعبية في الحارات الفلسطينية القائمة على المتطوعين من طلبة الجامعات كتأكيد على اعتبار التعليم أداة نضال وتحرر وبقاء أساسية في حياة الانسان الفلسطيني. إن اغلاق المدارس هذه الايام كأمر طارئ وبسبب انتشار الفايروس ولم يوقف حياة الطلبة ونشاط المعلمين/ات ، وجعل من العملية التعليمية عملية مستمرة جاذبة، وأكد على عملية التواصل بين الطلبة أنفهسم وأصدقائهم ومعلميهم، حتى ولو كان عبر التكنولوجيا التي لطالما كان الاحتجاج حولها كبيراً.

كما أن استراتيجية التعليم عن بعد وخصوصاً لطلبة المدارس، لم تحمل في طياتها أي عملية تحديد للعلامات كآلية تقييم، بل كان هدفها واضح أن تستمر العملية التعليمية، ويضمن المعلمين/ات أن مخرجات هذه العملية قد تم إنجازها حتى لو لم تتم بنفس الجودة المطلوبة، مع ضرورة أن تكون هذه العملية منظمة وملائمة لظروف الطلبة العائلية منها الاجتماعية والنفسية بحيث لا تشكل ضغط لا على الطالب/ة ولا على عائلته.

وتاخذ بعين الاعتبار الإشكاليات التقنية التي قد تحدث، ومن ضمنها ضعف الإنترنت وعدم توفر أجهزة ذكية كافية في البيوت ، مع ذلك لا يجب أن يمنع الطلبة من اختبار هذه المرحلة واجتيازها بكل تحدياتها ، فأطفالنا جاهزين فطرياً لعملية الاستيعاب والإدراك ، ونحن كأهل نمنعهم بيئياً بتأكيدنا على عجزهم، من خلال بث مجموعة من الأفكار عن عدم قدرة ابنائنا على تحمل المسؤولية، واعتبار أن نجاح هذه العملية مستحيل أو صعب جداً، واحتجاجهم على هذه العملية بشكل مستمر الأمر الذي يشجع الأبناء على الاعتمادية وتقليل الدافعية نحو انجاز مسؤولياتهم.

إن حالة الصدمة والاحتجاج الكبير من قبل أهالي الطلبة على كثرة المتطلبات وامكانية إنجازها في الوقت المحدد، في الوقت الذي تبيّن أن العديد من الاهالي يقومون بإنجاز الواجبات البيتية عن أبنائهم، وأيضاً المشاركة في الحصص الإلكترونية بدلاً من أبنائهم، بالإضافة إلى عدم ضبط عملية نقل المعلومات الجاهزة من الطلبة الآخرين والزملاء وإرسالها للمعلمين/ات بدون جهد، حتى أن بعض الأهل بقومون بعمل الامتحانات، بدلاً من أبنائهم ، وغيرها من المشاهدات والنتائج لهذه الخبرة، الأمر الذي يعكس وبشدة عجز الأهل عن فصل مسؤولياتهم الخاصة عن مسؤوليات أبنائهم ، ويعكسون توترهم النفسي وإشكالياتهم الخاصة على أبنائهم، والنتيجة فقدان للسيطرة، حيث لوحظ مظاهر مثل: عدم انتظام ساعات نوم الأطفال، والسهر حتى ساعات الفجر للّعب واستخدام الأجهزة الالكترونية، والذي حتماً سيعكس نفسه على النظام الغذائي الخاص بهم، وتحملهم لمسؤوليات أخرى مثل نظافتهم الشخصية ونظافة بيوتهم.

بالطبع سيكون على طرف ما أن يتحمل المسؤولية ، وهنا تأتي الأمهات بالدرجة الأولى لتقود سفينة حياة الطالب/ة التعليمية وتغفل أنها تنتزع حق الطالب/ة في قيادة هذه السفينة بنفسه، وينطبق الأمر أيضاً على الآباء وغيرهم من أفراد الأسرة الذين يتابعون حياة الطالب/ة التعليمية، ولا أنكر أن ذلك سيقود وبشكل حتمي لضغوطات كبيرة على الأهل سواء على المستوى النفسي والجسدي ، والذي سيعكس تداعياته على حياة أبنائهم والتواصل معهم.

وفي واقع الحال، نحن كأهل نعاني هذا العجز في الفصل بين من نحن ومن هم أبناؤنا، فهم وجدوا لزمان غير زماننا، فلنعطهم فرصة التجربة ونضعهم عند مسؤولياتهم، ونقف وقفةً جادةً مع أنفسنا ، فنحن لا نستطيع أن نجابه كل تحدياتهم مدى الحياة.

محَاضِرة في جامعة بيت لحم – دائرة العلوم الاجتماعية