فلسطين وخيارات المواجهة

نشر بتاريخ: 22/05/2020 ( آخر تحديث: 22/05/2020 الساعة: 13:47 )
فلسطين وخيارات المواجهة
الكاتب: ميساء أبو زيدان

اعتقد الإسرائيلييون أنّهم وبإزاحة الزعيم (ياسرعرفات) عن المشهد قد تخلصوا من حِقبةٍ أدارها صقور الثورة الفلسطينية المُعاصِرة وأزاحوا عن طريقهم العقبات التي عرقلت من سيرورة مشاريعهم التوسعية، وبأن مَن يخلفه سيمتلك من المرونة ما يُمكّنهم من تنفيذ سياسياتهم التي عكست عدم امتلاكهم الإرادة الجادة للمضي في سبل حل الصراع وترسيخ السلام في المنطقة.

لكن وعلى امتداد ما يَقرُب الخمسة عشر عاماً سعى الإسرائيلييون بلا هوادة وبالتواطؤ مع أطرافٍ محلية وإقليمية لِإضعاف الرئيس (محمود عباس) عبر التشكيك بمواقفه بل وتقديمه بصفة المُتنازِل عن الحقوق الفلسطينية، حيث وجدوا أنفسهم أمام تحدٍ جسيم وصفوه بالــ "الإرهابي الديبلوماسي" ! فقد امتلك الرئيس من المقدرة ما مَكّنَهُ من فرض مكانة فلسطين مجدداً في المجتمع الدولي وتصحيح صورة الفلسطيني التي شُوِّهَت وبشكلٍ ممنهج فور انتفاضة الأقصى، والتزم كجانبٍ فلسطيني بمقتضيات عملية السلام أمام العالم بل وتجاوز بحكمةٍ وثبات رهاناتٍ عديدة هَدَفت استنزافه في قضاياً هامشية كان بمقدورها الإِجهاز على القضية الفلسطينية.

فتسبب ذلك بإحراج الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال أمام العالم الذي أبدى رفضه القاطع لأية إجراءات أحادية الجانب تُخالِف مرجعيات عملية التسوية والقانون الدولي، كخطة ترامب المُسماة بـ (صفقة القرن) ولخطة الضم الإسرائيلية المُعلَنة مؤخراً من قِبل (حكومة الطوارئ الوطنية) التي أنقذت نتنياهو من المحاكمة بتهم الفساد، إذ أنه استثمر جائحة الكورونا وبدعم اليمين العنصري المتطرف لتشكيل الحكومة الإسرائيلية التي بإمكانها تقويض أية فرص تفضي لإنهاء الصراع وإرساء السلام القائم على حل الدولتين. الرئيس (محمود عباس) وعبر إعلانه بالأمس إلغاء كافة الإتفاقيات مع الجانب الإسرائيليّ يضع نتنياهو ويمينه المتطرف في معضلةٍ جديدة كما الإدارة الأمريكية حيث بدأت تحركاتها في الشأن الخارجي تُدلل على حالة الإرباك التي تشهدها، وبثبات الخطى وجدية الموقف يؤكد أنه ورغم الالتزام التام الذي أبداه الفلسطينييون بخصوص اتفاقيات السلام إلا أن الإرادة الفلسطينية وأمام تنصل الجانب الإسرائيلي من التزاماته تتجسد راسخةً عبر قرار قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الذي سيحدد توجهات دولة فلسطين وسياساتها للمرحلة المُقبلة.

وعليه يُصبح نتنياهو المُلقب مؤخراً بـ"ثعلب السياسة" وحلفاؤه محاصرين بهذا الإعلان وعاجزين عن التملص من نتائجه وعن تحمل تبعات إلغاء الاتفاقيات لِفقدانهم إمكانية إعادة إدارة الشأن الفلسطيني تحت سيطرتهم المباشرة كـقوة احتلال.

لقد لَقّنَ الرئيس بالأمس دولة الاحتلال درساً في السياسة الدولية ووضع المجتمع الدولي وكافة الأطراف التي تُعنى بعملية التسوية وحل الصراع العربي- الإسرائيلي أمام مسؤولياتهم تجاه قضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره وبكافة الوسائل التي كفلتها له الشرعة الدولية، وبذات الوقت تجلى الحرص على حماية المقدرات التي استُهدفت دوماً من قِبل سلطة الاحتلال الإسرائيلية والمضي قُدماً في تمتين علاقات دولة فلسطين بمحيطها العربي والعالمي.

اللافت بإعلان الأمس أنه تَضمَّنَ رسالةً واضحة لحكومة الاحتلال مفادُها أن مجموع التحديات الداخلية لن تحرِف الفلسطينيين عن قضاياهم المركزية بل إنهم يدركون جيداً سياساتها ومخططاتها كسلطة احتلالية وبالتالي فإن القضايا والحقوق الوطنية هي الهدف الأساس الذي له تُرهن الجهود والإمكانات كافة.

وبالتالي يجد الفلسطينييون أنفسهم اليوم أمام مرحلةٍ جديدة من النضال وبذلِ التضحيات حيث ستتغير أدوات ومناحي المواجهة مع دولة الإحتلال التي حمّلَها الرئيس بالأمس جميع المسؤوليات والتبعات المُلزَمَة بها تجاه دولة فلسطين المُحتلة ومواطنيها كسلطة احتلال وحسبما نصّت عليه الاتفاقيات والقوانين الدولية.

وبالتالي ستبدأ معركة التصدي لسياسات دولة الاحتلال العنصرية التي تسعى لارتكاب جرائم تطهير عرقي جديدة بحق الشعب الفلسطيني المُطالب اليوم بالتوحد بكافة مكوناته وأطيافه وفئاته خلف قيادته وعبر منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد، والتشبث بأرضه وحماية وجوده بالبقاء فيها حتى ولو تم عزله عن العالم بأسره.