Advertisements

التحلل من الاتفاقات .. الاسباب والتداعيات

نشر بتاريخ: 26/05/2020 ( آخر تحديث: 26/05/2020 الساعة: 19:00 )

الكاتب: د. رائد أسامة موسى

اقامة نظام حكم ذاتي فلسطيني تحت الاحتلال يتعاون وينسق مع الاحتلال من أجل تسيير أموره وأمور الجمهور الفلسطيني الخاضع للاحتلال يعتبر "وكيل احتلال" ، الا اذا كانت اقامة هذا النظام قائمة على مشروع سياسي محدد وواقعي يؤدي الى التحرر والاستقلال . لذلك وافقت منظمة التحرير على تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية وفقا لأوسلو لتمارس حكم ذاتي على أساس مرحلي انتقالي ، يؤدي الى انهاء الاحتلال للأرض المحتلة عام 1967 . أما عندما تسعى اسرائيل لضم اجزاء واسعة من الضفة فهي بذلك تنسف المشروع السياسي الذي يبرر قيام الحكم الذاتي الفلسطيني ، وهنا يتم وضع السلطة الفلسطينية موضع وكيل احتلال بدلا عن سلطة مشروع تحرر وطني .

لذلك قررت منظمة التحرير ان تتحلل من الاتفاقات لتغير حالة وشكل وجودها على أرض فلسطين من حكم ذاتي ينسق ويتعاون مع الاحتلال كحالة مرحلية انتقالية نسفتها اسرائيل بمشروعها للضم ، الى حكومة دولة فلسطين المُعترف فيها عالمياً والعضو في الجمعية العامة تحت الاحتلال تسعى لاستحقاق الحرية والاستقلال .

التحلل من الاتفاقات لا يعني الغائها انما يعني انه لم يتبقى مبرر واحد يساعد على التمسك باستمرار العلاقة على شكلها مع الاحتلال ، فإلغاء الاتفاق يُعفي اسرائيل من الالتزامات السياسية التي قبلتها في الاتفاق ومن اهمها ( الاقرار بضمان وحدانية الضفة الغربية وقطاع غزة تحت ولاية السلطة الفلسطينية، الالتزام بإيجاد حل لقضية القدس، ولقضية اللاجئين، تنفيذ القرار 242 القاضي بإنهاء احتلال ارض الـ67 ) ، لذلك لن تقدم منظمة التحرير على الغاء الاتفاق قبل ان تضمن بديل سياسي لمشروعها الوطني افضل مما هو موجود في اتفاق أوسلو .

اما من حيث تداعيات التحلل من الاتفاقات فهي مرهونة برد الفعل الاسرائيلي ضد اجراءات الحكومة الفلسطينية على الارض من وقف للتنسيق والتواصل مع سلطات الاحتلال أمنيا ومدنيا وحياتيا ، وهنا اعتقد بان اسرائيل خياراتها محدودة ، فلا يمكنها محاصرة الحكومة الفلسطينية وتدميرها قبل ايجاد بديل يدير مصالح الشعب الفلسطيني ويلبي احتياجاته ، وان أوجدت البديل كما فعلت في غزة فالبديل يحتاج الى غطاء سياسي يمنح الشعب الفلسطيني جنسيته الفلسطينية ، فحماس في غزة لا تزال تعمل تحت ظل السلطة الوطنية الفلسطينية/ دولة فلسطين ، في اصدار الجوازات وتسيير البنوك والاقتصاد وغيرها من قضايا سيادية، فإنهاء الغطاء السياسي الرسمي والشرعي للشعب الفلسطيني سينهي جنسيته الفلسطينية مما سيعيده الى شعب بلا جنسية يسعى لاكتساب جنسية وحقوق سياسية لدى السلطة الوحيدة الرسمية القائمة وهي سلطة الاحتلال بما معنى الحصول على الجنسية الاسرائيلية ، وهذا يعد انتحار بالنسبة للمشروع الصهيوني لن تسمح اسرائيل به ابدا ، لذلك اسرائيل امام معضلة او خيارات ضيقة ، فاما الحفاظ على وجود كيان سياسي فلسطيني رسمي وشرعي يبقي الشعب الفلسطيني خارج الدولة الاسرائيلية واما ابتلاع كل شيء ، وهنا اسرائيل تريد حل وسط وهو بقاء حكومة فلسطينية شرعية ولكنها ضعيفة وغير قادرة على الانتقال الى دولة حرة مستقلة بسبب التفتت والانقسام ، ولهذا ستستمر اسرائيل برعاية الانقلاب الحمساوي الانفصالي في غزة .

ولأن منظمة التحرير تعلم بان اسرائيل خياراتها محدودة لذلك تراهن على ان تتوائم اسرائيل مع الوضع الجديد ومع تمرد الحكومة الفلسطينية على التزاماتها في الاتفاقات التي لا تحترمها اسرائيل ، وايضا اسرائيل تعلم ان الاتفاقات تنظم مصالح الفلسطينيين اكثر بعشرة مرات ان لم يكن بمئة مرة من المصالح الاسرائيلية من الاتفاقات ، لذلك اسرائيل مطمئنة بان الحكومة الفلسطينية لن تتجاوز كثيرا جوهر الاتفاقات وان قطعت التواصل والعلاقات .

الوضع الجديد للحكومة الفلسطينية سيؤدي الى صعوبات أكثر في ادارة شؤون الجمهور الفلسطيني ، فالاتفاقات كانت تضمن الحصول على الحقوق (المتفق عليها) كاستحقاقات اجبارية على اسرائيل ، ولكن عند اعلان التحلل منها ستحاول الحكومة الحصول على الحقوق الفلسطينية من اموال ضرائب وحركة افراد وبضائع من خلال الاعتماد على المصلحة المتبادلة بين الطرفين ومن خلال وسطاء دوليين يعني الرهان على الحاجة الاسرائيلية لعدم رغبتها بتأزيم الاوضاع الاقتصادية في الشارع الفلسطيني التي تؤثر على التوتر ومستوى العنف .

في النهاية يجب ان ندرك جيدا ما هو الهدف النهائي والمعيار الأهم والذي على أساسه توضع السياسات . المعيار الأهم هو تعزيز بقاء الفلسطيني على أرضه والحفاظ على وجوده فالوجود هو جوهر الصراع . أي سياسة تخدم بقاء ووجود الفلسطيني على ارضه هي سياسة حكيمة وأي سياسة تهدد بقاء ووجود الفلسطيني على أرضه هي سياسة غبية ولربما مشبوهة مهما كان شكلها وعنوانها ، وللأسف هناك شريحه واسعة من الجمهور الفلسطيني و العربي لا تزال لم تنضج بعد لتستوعب تلك المعادلة الحكيمة ، فلا تزال تصفق لشعارات مقاومة وتحدي فاقدة لأي برنامج واقعي ، وان كانت وصفات لدفع الفلسطينيين لهجرة ارضهم ، ولا تزال تنتقد وتزاود على سياسة التنسيق مع الاحتلال في سبيل بناء حياة الفلسطيني على أرضه والارتقاء به ، وان كانت على اسس وطنية تسعى لحفظ حقوق ابناء الشعب الفلسطيني وتؤهله للاستقلال ، وتلك الشريحة الواسعة من الجمهور الناقد للاتفاقات مع الاحتلال عزز الاحتلال روايتها بمشروعه للضم ، لذلك تتجه منظمة التحرير اليوم لان تزاوج بين الحفاظ على مكانتها كحركة تحرر وطني تعمل لوضع حد لانتهاكات الاحتلال وتعاديه لتؤسس لمرحلة جديدة من الضغط وقطع الطرق على مشاريعه التطبيعية في المنطقة، وبين ايجاد حالة تنسيق غير مباشر مع الاحتلال تساعد في بقاء عجلة التقدم والنمو والبقاء للشعب الفلسطيني على ارضه ، ولكن تبقى الخطورة هنا في الرهان على رد الفعل الاسرائيلي ، والذي لربما يخاطر بمصالحه وينسف تلك المعادلة لصالح اقامة سلطات حكم ذاتي فاقدة لأي حقوق سياسية ولأي اعتراف ودعم دولي تشرذم وتدمر الشعب الفلسطيني ، كنموذج حكم حماس الإنقلابي الانفصالي في غزة تحت شعارات مزيفة من المقاومة والتحرير تستر بها عورة عملها كوكيل احتلال مأجور في غزة .










Advertisements