الثلاثاء: 22/09/2020

حركة فتح مدعوة إلى القياد

نشر بتاريخ: 27/05/2020 ( آخر تحديث: 27/05/2020 الساعة: 12:15 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

الضم الاستعماري -إن وقع أو لم يقع- فهو ليس مجرد اجراء تقني ولا مجرد تأكيد للاحتلال أو ترسيماً للواقع ألمعيش منذ 53 سنة، وليس مجرد اجراء استيطاني معتاد، حيث أن الممارسات الاستيطانية لم تعد تثير احداً أمراً تثبيتاً للأسلوب الإسرائيلي الإعلامي والأمني والسياسي المتمثل في تخدير الوعي بالتنقيط أو التقسيط وتكريس الواقع من خلال تراكم الأفعال بحيث تنسي بعضها بعضاً.

الضم -إن وقع أو لم يقع- فهو يعني ما يلي:

  • أولاً: ضم أجزاء من الضفة لا يعني أن ما بقي منها غير محتل، أو أننا أحرار فيه، بل على العكس من ذلك، ضم أجزاء هو مقدمة لضم مناطق أخرى قد تصل العراق والكويت حسب اجتهادات حريدية كثيرة أشرت إليها قبل 11 عاماً في كتابي "دعامة عرش الرب" الذي صدر عن دار الأهلية في عمان.
  • ثانياً: الضم هو اكساب الصراع الصبغة الدينية الحاخامية الأرثوذكسية القائلة بوحدة الأرض والشعب والتوراة، ومن هنا نفهم صراخ بعض الأطراف الدينية القومية المتطرفة برفض خطوة الضم لأنها تشير وبشكل ما إلى تحديد أو ميلاد دولة فلسطينية، ورغم أن قيام هذه الدولة يشبه قيام ناقة صالح بسبب القيود المفروضة حسب خطة القرن، إلا أن هذه الهوامش المتطرفة ترفض حتى مجرد الاشارة الى قيام دولة فلسطينية. الضم ليس مجرد استعمار كولونيالي أو "مال وأعمال" كما قال الحاخام السفير فريدمان، بل هو خطوة روحانية تماماً، عقائدية قلباً وقالباً. بمعنى آخر، إسرائيل أعادت تعريف ذاتها بأنها دولة يهودية وأن حق تقرير المصير فيها حصري لليهود وليس لغيرهم، ولهذا فإن الضم له معنى ديني تماماً ولا علاقة له بالأمن أو الاستراتيجية. وفي هذا تكذيب واهانة للتوصيفات المختلفة لهذا الصراع.
  • ثالثاً: الضم يعني فيما يعني أن إسرائيل تعتمد التفاوض وسيلة لشراء الوقت أو تفتيت المواقف أو تغيير الوقائع أو تبهيت الصراع أو أنهاك العدو أو إلهائه أو إغوائه، أو كل ذلك مجتمعاً، خصوصاً أنها الأقوى، وهذا يعني أيضاً أن إسرائيل تضع عدوها بين خيارين دائماً هما السيئ والأسوأ، وعليك أن تختار بينهما.
  • رابعاً: الضم أيضاً اهانة ساحقة للمجتمع الدولي الذي لا يحترم القوانين الدولية التي وضعها وآمن بها وحماها في بعض المواقع، والضم طعنة قاصمة لما يسمى النظام الديمقراطي الغربي، الليبرالي والمتسامح. الضم هو تعبير عن رأسمالية متوحشة مشيحانية لاهوتية متعصبة، ترى في ذاتها تجسيداً للمشيئة الالهية، هذا يعني أن الضم هو جزء من منظومة استعمارية لاهوتية تبشيرية قد تقود حقاً إلى إنهاء العالم من خلال اشعال التنافس الدولي في منطقتنا العربية وعلى أرضنا الموعودة بكل النبوءات. هذا يعني فيما يعني أيضاً أن الضم هو ذروة الاعتداء على النظام الدولي وايذاناً ببدء مرحلة جديدة من التاريخ والاستقطاب العالمي.
  • خامساً: الضم اسقاط لقيام الدولة الفلسطينية حصراً، وقتل لكل الأحلام الوطنية الفلسطينية والطموح القومي وقطع للجذور العربية وتوحدها. الضم يجعل من دولتنا الموعودة مجموعة من الجزر المفتتة والمفككة التي إن قامت فعلاً ستتحول إلى ما يشبه العشائريات والقبائليات التي تبكي على الكتف الإسرائيلي لتحصل على الطاقة والهاتف والشارع والماء.
  • سادساً: الضم لا يعني فقط اسقاط الدولة الفلسطينية ووأدها بل سيقود إلى تهجير الشعب الفلسطيني قسراً أو طوعاً وذلك بسبب الحصار والبطالة والازدحام وسوء الخدمات للتنافس الشديد عليها وكذلك لانسداد الافاق في التطور والقدرة على تحقيق الذات. أو لا ندع العنف وانتشار الجريمة، أو كل ذلك مجتمعاً.
  • سابعاً: الضم هو استباق أيضاً لفكرة الدولة الواحدة، وفكرة النضال المدني السياسي، الضم عملياً لا يعني أن يقوم المحتل بإعطائك الحقوق المدنية الكاملة، أو المساواة، ولنا في تجربة شعبنا في الداخل أكبر مثال، إذ وبعد 73 عاماً، فإن شعبنا في الداخل ما يزال يعاني التمييز والتهميش والتوجس وعدم الدمج.
  • ثامناً: الضم يعني اسقاط فكرة الاعتدال والتوسط واعتماد الحلول الوسطية، ويعني كذلك اسقاط وافشال المجتمع الدولي والجامعة العربية، واسقاط وافشال المشروع العربي الرسمي، وافشال المنظومات والأطراف التي جاهدت من أجل إقامة الدولة الفلسطينية حتى الآن. الضم يعني اسقاط كل ذلك لأن إسرائيل ستكون قد تجاوزت الاعتدال والتوسط والتسوية والمجتمع الدولي والجامعة العربية والنظام العربي الرسمي من أجل رؤية مشيحانية استعمارية ترى في احتلال الأرض أهم من كل ذلك. الضم هو ضعفنا وغيابنا وقلة هيبتنا وغفلتنا وهواننا على الناس.
  • تاسعاً: الضم يعني أيضاً أن الأطراف الأخرى التي رفضت وما تزال الحوار أو التسوية أو التفاوض كانت على حق تماماً، وأن هذه الأطراف تتحمل وما تزال ثمن ذلك. كما يعني، بكلمات أخرى، أن إسرائيل تتجاوز أصدقاءها وحلفاءها وتريد دائماً أن يكون لها أعداء حتى تجد شرعية لذاتها ولخدماتها ولشهواتها الاستعمارية، أي أن إسرائيل لا تريد الاندماج في المنطقة، ولكن تريد السيطرة على المنطقة وقيادتها واستغلال ثرواتها بطريقتها، وهذا هو معنى الشرق الأوسط الجديد، قيادة إسرائيلية للمنطقة حتى بدون المال العربي. بهذا المعنى، فإن الضم هو حرب أو حروب جديدة تطرق أبواب المنطقة.
  • عاشراً: الضم يعني أن إسرائيل تقول علناً لكل العالم أنها قادرة على القيام بهذه الخطوة حتى لو أغضبت كل العالم، لسبب بسيط، لأن العالم كله بحاجة إلى إسرائيل. كيف ذلك؟! إسرائيل تقول وعلى لسان صحافتها ومسؤوليها أو وجودها وخدماتها لا يمكن الاستغناء عنها، فالسلطة الوطنية بحاجة إلى إسرائيل لحمايتها، والأردن ومصر لا تستطيعان فك المعاهدات أو التنصل منها أو حتى اغضاب إسرائيل لأنهما فقيرتان وبحاجة إلى الدعم الأمريكي، كما أن الدول العربية الأخرى بحاجة إلى الرضى الإسرائيلي، والاتحاد الأوروبي لا يستطيع اغضاب الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا بحاجة إلى الخدمات الإسرائيلية في سوريا، وهكذا.. يعني الضم إذن خدمة للعالم أيضاً. بكلمات أخرى، فإن المشروع الاستعماري الصهيوني أصبح خدمة لكل الأطراف وليس تهديداً لها.
  • حادي عشر: أخيراً، الضم إذا وقع أو لم يقع، يعني أن على القيادة الفلسطينية بكل أجنحتها أذرعها، الانتباه إلى نبض الشارع، وإلى طموحات وأحلام الأجيال الجديدة من الشعب الفلسطيني، عليها أن تقودهم وأن تمثلهم وأن تفهم اتجاهاتهم، المرحلة الجديدة تحتاج إلى خطاب جديد وأدوات جديدة، ليكن الضم -وقع أو لم يقع- دافعاً قوياً للتجديد والترميم. وبهذه المناسبة فإنني وبشكل خاص أتوجه إلى حركة فتح بالذات -الأعرض والأكبر- إلى أن تعيد هذه الحركة العظيمة ألقها وقلبها الذي صنع التاريخ يوماً. هذه الحركة التي تعاني اليوم ما تعاني، عليها أن تحمل عبء هذه المرحلة الثقيلة والصعبة كما عهدنها دائماً. فالضم -في أحد معانيه- هو أن إسرائيل تعتقد أن الشعب الفلسطيني لم يعاد قادراً على الرد، فقد أصابه الترهل والكسل والاتكالية وتعود على نمط حياة استهلاكية أمريكية، وأن بقاء إسرائيل مصلحة لهذا الجمهور، أي أن المشروع الاستيطاني هو خدمة أخرى للجمهور الفلسطيني فضلاً عن قيادته، ولهذا، فإن حركة فتح مدعوة إلى تصحيح الاتجاه قبل أن يصبح ذلك صعباً جداً.