Advertisements

والدة الأسير عبد الرازق فراج: لا أستطيع أن أحضنك الا بأجنحتي

نشر بتاريخ: 30/06/2020 ( آخر تحديث: 30/06/2020 الساعة: 09:39 )

الكاتب: عيسى قراقع

لأول مرة أقرأ رسالة من الغائبين الى الحاضرين في الغياب، رسالة عمرها ثمانون عاماً كتبتها الحاجة المرحومة نجية ام حافظ فراج، الى ابنها الاسير عبد الرازق، عثرت على الرسالة بعد وفاتها يوم 3/3/2020 داخل خابية البيت في مخيم الجلزون.

هذه المرة نجت الرسالة من المداهمة والتفتيش الذي يتعرض له منزل عائلة فراج، ربما لأن ام حافظ خبئتها في معارج روحها وحفظها اولادها الخمسة وتناقلوها من زمن الى زمن ومن سجن الى سجن حتى صارت حكاية الفجر المحمول على احلام الراحلين والعائدين.

ام حافظ أكملت الرسالة ولم تكن تدري ان ابنها عبد الرازق قد اعتقلوه للمرة السابعة يوم 27/9/2019 ضمن حملة اعتقالات واسعة طالت العشرات من الاشخاص، لم يسعفها مرضها وكبر سنها وغيبوبتها من الانتباه الى هذه الحملة المسعورة من الاعتقالات والى هذه الحرب المتواصلة التي تخوضها دولة الاحتلال على ابنها عبد الرازق، وعلى الأمس والحاضر والذاكرة.

أم حافظ تكتب بحشرجاتها الأخيرة، تموت فاتحة ذراعيها لاحتضان ولدها العائد من السجن، تضمه قبل ان يعتقل مرة اخرى، كانت تراه في النهار ولا تراه في الليل، كم مرة ستموت وهي فاتحة ذراعيها؟ الحاجز العسكري يصدها، الفاصل الزجاجي في غرفة الزيارة في السجن يصدها، الجنود في قاعة المحكمة العسكرية في سجن عوفر يصدونها، ما يسمى المنع الأمني للزيارة بحجة عدم وجود صلة قرابة يصدها، ام حافظ قضت عمرها تتنقل من سجن الى آخر من اجل نصف ساعة لترى ولدها عبد الرازق، ولكن هذا الوقت القصير كان كافيا ان يعوضها ع مائة عام من الوجع والحنين والانتظار.

أم حافظ فراج تكتب لأبنها الاسير عبد الرازق وهي لا تدري انه في السجن، وهو لا يدري ان امه توفيت، كان يقبع تحت طائلة التعذيب الوحشي في سجن المسكوبية، وكانت هي تنتظره ان يحمل تابوتها الى المقبرة، كان عبد الرازق ينتظرها ان تزوره في السجن او يراها في قاعة المحكمة، كانت والدته تنتظره ان يزرع على قبرها الازهار ويقرأ سورة الفاتحة، كانت هي تكتب له رسالة الوداع وكان هو يكتب لها رسالة اللقاء، هي المسافة المتبقية المتأملة بين الحي والميت في البداية وفي الخاتمة.

خمسة عشر عاماً قضاها عبد الراق فراج في سجون الاحتلال على فترات مختلفة منها عشر سنوات في الاعتقال الاداري التعسفي، لم تعثر عليه والدته في احتفالات تخريج ابنائه من المدارس والجامعات، كل شيء مؤجل، لم تعثر عليه ليشرب معها االشاي بالنعنع على عتبة البيت في صباح المخيم، كل شيء مؤجل،هي تنتظره دائما وهو ينتظرها دائما، ما هذا المؤجل الذي صار حياة دائمة؟

أم حافظ فراج تكتب لابنها الاسير عبد الرازق لأنها بحاجة اليه ليضمد جروح النسيان، هذه المرأة اللاجئة التي شهدت النكبة عام 1948 ورأت بأم عينيها في يوم 10 تموز في ذلك العام المذبحة الدامية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في مسجد دهمش في مدينة اللد مسقط رأسها، اطلاق الرصاص والاعدامات الجماعية للسكان المدنيين، اكوام الجثث والأشلاء للاطفال والنساء، الجماجم المهشمة، الطرد والهدم والقصف والنهب والتهجير وتطهير المكان، رأت 426 شهيداً حرقوا جثثهم بعد تكديسها فوق بعضها البعض، في المسجد كانت مذبحة.

قوات البالماخ الصهيونية التي ارتكبت المجزرة في مدينة اللد هي نفسها القوات التي تحاصر مخيم الجلزون، وهي نفسها التي اعتقلت عبد الرازق فراج، هم انفسهم السجانون والمحققون والقضاة والجنود الذين تراهم ام حافظ كل يوم، هؤلاء الذين يقفون على الحواجز وينفذون الاعدامات الميدانية في الشوارع وعلى الارصفة، هؤلاء هم الذين يصادرون الاراضي ويبنون المستوطنات ويهدمون البيوت ويقتحمون المسجد الاقصى في القدس، هم الذين يداهمون المنازل ويشنون حملات الاعتقال الليلية، يقتحمون النوم والحلم والمدرسة، هؤلاء هم الحكومة والجيس والبرلمان وجهاز القضاء وجهاز المخابرات والفكر والثقافة في اسرائيل، هم منظومة القمع الكولونيالية، المجزرة مستمرة.

ام حافظ تكتب رسالتها الاخيرة الى ابنهاالاسير عبد الرازق وهي التي رأت اساليب التعذيب الهمجية الغير مسبوقة التي مورست بحق ابنها ورفاقه المعتقلين في أقبية التحقيق: سامر العربيد، وليد حناتشة، قسام البرغوثي، يزن مغامس، نظام مطير، ميس ابو غوش، اعتراف الريماو ي، أيسر معروف، ربحي كراجة، امير حزبون، كنعان كنعان، اصرار معروف، هذه الام العجوز تصرخ صرخة القيامة: اوقفوا التعذيب الممنهج المتصاعد الذي يجري في سجون الاحتلال، اوقفوا جرائم الحرب التي تشنها دولة المافيا على اجساد وارواح ابنائنا، اوقفوا هؤلاء المحققين الذين تحولوا الى وحوش آدمية.

ام حافظ فراج هي من رأت يد ابنها المكسورة، وجهه المنتفخ بسبب الضرب والتعذيب، اورام تحت عينيه، انفاسه المخنوقة، رأته مشبوحا معلقاً بين الدنيا والآخرة، الزنازين الضيقة القذرة، القيود المشدودة، الشبح القاسي في اوضاع مختلفة، الصفع والبصق والشتائم والركل والهز والقرفصة والقرمزة والتعرية والحرمان من النوم، التجويع والعز ل والضغوطات النفسية، حتى حفيدها وديع الذي تحبه كثيرا قد اعتقلوه ولم يشارك في الجنازة، ما هذه الدولة بكامل اجهزتها الحربية والامنية تمارس العدوان والبلطجة على جسد ابنها عبد الرازق؟ هذه الدولة المتضخمة قلقة وخائفة.

ام حافظ فراج تكتب لابنها الاسير عبد الرازق، تتمنى ان تضمه دون قيود تكبل يديه وعصابة تغطي عينيه، تتمنى ان يشاركها في رحلتها الى قدرها ليصبح غيابها هو الحاضر في يوم آخر جديد، تقول: رغم رحيلي فالموت لن يستطيع منعي ان اعانق ولدي بأجنحتي وأعيده الى فضاء النشيد.

ودعت رام الله ام حافظ فراج، توجعت رام الله، سكان 46 قرية مهجرة في مخيم الجلزون خرجوا في الجنازة سوى عبد الرازق، الينابيع العتيقة المدفونة تحت بيوت المخيم انفجرت وبكت بغزارة، تداعت الحكايات والذكريات والحسرات وارتفعت الحرارة، انتفضت الارض في شهر آذار وتلاحقت الفصول الاربعة، هذه جنازة ام مظاهرة؟ وامام المقبرة نهضت ام حافظ وقالت للمشيعين: سلموا على عبد الرازق واعتذروا منه لانني لن استطيع رؤيته في الزيارة القادمة.


Advertisements