Advertisements

الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال بين التحرر الوطني والبناء الوطني

نشر بتاريخ: 10/07/2020 ( آخر تحديث: 10/07/2020 الساعة: 11:47 )

الكاتب د. وليد سالم

ينظر بعض المراقبين للدولة الفلسطينية تحت الاحتلال كما لو أنها دولة سيتم إعلانها ، ولكن واقع الامر هو غير ذلك فهذه الدولة قائمة قانونيا وفق الشرعية الدولية وذلك في ضوء إعتراف ١٤١ دولة في العالم بها وإثر صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام ٢٠١٢ الذي أعطى هذه الدولة وضعية العضوية المراقبة في الامم الأمم المتحدة .

الامر الذي يحتاج إلى إعمال الذهن باتجاه الاجابة على سؤال ما العمل لا يتعلق إذن بالتساؤل حول قيام الدولة من عدمه فهذا أمر حسمته الدول ال ١٤١ التي تعترف بها ، ولكن السؤال يتعلق بكيفية نقل هذه الدولة من حالة الاحتلال إلى حالة التحرر والاستقلال. وبهذا الاتجاه تتعدد الاجوبة والاجتهادات.

هنالك أولا من يرى بأن الاعتراف الدولي بفلسطين هو أمر رمزي لا قيمة له طالما أن إسرائيل تسيطر على الارض قاضية بذلك على حل الدولتين قضاءا مبرما ، ولذلك يرفض هذا الاتجاه فكرة نقل الدولة من الاحتلال إلى الاستقلال برمتها ، و يدعو في المقابل إلى شق طريق جديد يتمثل بالانتقال للكفاح من أجل الدولة الواحدة . وهنالك ثانيا من يفكر على غير هذا النحو داعيا لتحويل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى إطار لتقديم الخدمات، فيما تتم العودة إلى برنامج التحرر الوطني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية . وهنالك ثالثا الموقف الذي عبر عنه رئيس الوزراء الدكتور محمد إشتية في محاضرته لمعهد كارنيجي في بداية الشهر الحالي والتي طرح فيها تحويل السلطة الوطنية الفلسطينية إلى حكومة وبرلمان دولة تستمران في حمل مسؤولية البناء الوطني ، فيما تقوم منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بادارة الكفاح من أجل التحرر الوطني من خلال اسلوب المقاومة الشعبية السلمية .

وجهة النظر الاولى تبدو كمجازفة خطرة للغايةحيث تنطوي على إمكانية منح الدول التي إعترفت بفلسطين كدولة على حدود عام ١٩٦٧ فرصة للتحلل من هذا الاعتراف، بذريعة أن الفلسطينيين أنفسهم قد تخلوا عن هذا المطلب ، كما أن بعض صيغ مشروع الدولة الواحدة تؤدي لإعفاء دول العالم من مسؤولياتها لإنهاء الاستيطان الاستعماري في فلسطين ، وتعترف بالصهيونية والتصالح معها . وأخيرا فإن هذه الصيغة تدعي أن حل الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ قد إنتهى لمجرد قيام إسرائيل بإنهائه من خلال الوقائع التي فرضتها على الارض ، وهو إدعاء لا يصمد أمام حقائق مستوحاة من تجارب إستيطانية إستعمارية أخرى كالجزائر وايرلندا وزيمبابوي وجنوب افريقيا التي إستطاعت التغلب على المشروع الاستيطاني الاستعماري واحيانا بعد مرور مئات السنين ، فيما تستعجل هذه الصيغة إعلان عدم صلاحية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بالذريعة السابقة. وحتى ننصف هذه الاطروحة فإنه يجب ذكر أنها تدعي أيضا أن الكفاح لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧ يدير الظهر لحقوق فلسطينيي الداخل واللاجئين ، وهو أمر ليس صحيحا ، إذ أن الشعار الفلسطيني كان دائما ولا يزال هو تقرير المصير والعودة ، وما كانت المطالبة بالدولة في حدود عام ١٩٦٧ تطرح بمعزل عن المطالبة بحق العودة المرافق . لذلك فإن باستطاعة م ت ف أن تستمر في قيادة الكفاح من أجل حق العودة مع تجاوز التنازلات السابقة بشأنه كقبول عودة عدد رمزي من اللاجئين إلى داخل إسرائيل ، كما أن فلسطينيي الداخل يستطيعون تصعيد الكفاح من أجله بوصفه حقا مدنيا لهم لإعادة أقربائهم وذويهم الذين طردوا عام ١٩٦٧. إضافة لذلك فإن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ هو أمر غير ممكن كما أثبتت التجربة بدون فرض موازين قوى جديدة تجبر الصهيونية على القبول بها ، وسيترتب بالتالي عن قيام هذه الدولة إعطاء زخم للكفاح الفلسطيني من أجل حق العودة واطلاق المزيد من طاقات الشعب الفلسطيني من أجل عكس سطوة المشروع الاستيطاني الاستعماري على حقوق فلسطينيي الداخل في الارض وتقرير المصير وكل حقوقهم الاخرى.

وجهة النظر الثانية تدعو لتحويل السلطة إلى كيان خدمي، ولكن أليس من الاجدر بدل ذلك أن تجعلها تتقدم إلى الامام لتصبح حكومة دولة تقوم بمهمات البناء الوطني لا لمؤسسات الدولة فحسب كما كانت تجربة حكومات الدكتور سلام فياض ٢٠٠٧- ٢٠١٣، وإنما أيضا وفوق ذلك بناء وفرض حقائق فلسطينية على الارض في المناطق ج ، والقدس بتعاون مع النشطاء والداعمين الدوليين مما سيجعل التدويل تدويلا على الارض وليس تدويلا دبلوماسيا خارجيا وحسب . في هذا الاطار سيقع على الحكومة إعادة الانتاج الصناعي والزراعي وتنمية المجتمعات المحلية الفلسطينية وبناء مجمعات سكنية ضخمة ، وتطوير المشاريع الصغيرة للشباب والنساء، وكل ذلك في إطار خطة لبناء الدولة ، وتجنيد الدعم الدولي لإسناد فلسطين على هذا الاساس بدل أن يكتفي العالم بمجرد بيانات التنديد والشجب ظانا أن دوره لا يتعدى ذلك .

وعليه يبدو أن التفكير الثنائي : إما بناء وطني وإما تحرر وطني ، يتطلب التغيير بتفكير مختلف ينظر إلى إمكانية الجمع بين التحرر الوطني وبين البناء الوطني . كما أن التفكير الثنائي الذي يطرح خيار الدولة الواحدة كبديل مطلق عن حل الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام ١٩٦٧ ، يتطلب أيضا تغييرا يوائم بين بناء الدولة وانجاز تحررها في حدود عام ١٩٦٧ وبين الاهداف الأبعد كحل الدولة الواحدة الذي لا يمكن أن يأتي عبر التنازل للصهيونية والقبول بها ، وإنما يأتي فقط بعد تفكيك مشروعها الاستيطاني الاستعماري الذي هو جوهرها.

بناء على ما تقدم يبدو الموقف الثالث للجمع بين مهمات البناء الوطني والتحرر الوطني وتقسيم المهمات على هذا الاساس بين م ت ف وبين حكومة دولة فلسطين هو الخيار الاسلم للعمل في المرحلة الحالية على أن يرافقه بجهد منسق بين كافة أبناء الشعب الفلسطيني كفاح اللاجئين من أجل حق العودة ، وكفاح فلسطينيي الداخل من أجل عودة أقربائهم اللاجئين ومن أجل منع استمرار توسع المشروع الاستيطاني الاستعماري على حسابهم.

اخيرا داخل فلسطين اليوم هنالك ورشة نقاش كبيرة جارية حول كيفية نقل الدولة المعترف بها قانونيا على المستوى الدولي من الاحتلال إلى الاستقلال ، وفي إطار هذه الورشة تطرح أفكار بعضها قابل للتطبيق وبعضها بحاجة إلى كفاح من أجل تحقيقها ، ومما يتم تداوله هو إعلان دستور لدولة فلسطين وذلك عبر تطوير نسخته التي كان قد أعدها فريق كان يرأسه الدكتور نبيل شعث في مطلع الالفية الثانية ، وتعيين مجلس تأسيسي للدولة من قبل المجلس الوطني الفلسطيني ومن بين أعضائه ، وتحويل مجلس السلطة إلى حكومة ، والتحلل من اتفاقيات باريس الاقتصادية وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والبناء في القدس والمنطقة ج بدون أذونات من الاحتلال ، وإصدار جوازات سفر بدون موافقة إحتلالية وهو ما تم الشروع به فعلا ، وغير ذلك من الخطوات التي للمثقفين الفلسطينيين أن يساهموا بتطويرها وتقديم أفكار للبناء عليها ، بدلا من إتخاذ موقف المترقب او الشكاك أو الناقد لكل شيء كما يفعل بعض المثقفين انطلاقا من مواقف مسبقة مبنية على تجارب مريرة سابقة ، وبدون حتى الاستعداد للاطلاع عما هو جديد لعله يغير التجارب السابقة وتحليله بعمق كما يجدر بالمثقف والاكاديمي أن يفعل قبل أن يصدر تعميماته وأحكامه.