الإثنين: 21/09/2020

بعد ثلاثة عشر عاما على الانقسام: بدائل مرحلية بين الوحدة والانفصال

نشر بتاريخ: 03/08/2020 ( آخر تحديث: 03/08/2020 الساعة: 11:27 )

الكاتب: جهاد حرب

في الثاني من تموز/ يوليو 2020 عقد كل من اللواء جبريل رجوب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وصالح العاروري نائب رئيس المكتب الساسي لحركة حماس مؤتمرا صحفيا مشتركا، بعد قطيعة دامت أكثر من عامين، في إطار مواجهة خطة الضم الإسرائيلية. لكن هذا المؤتمر لم يتضمن تصورا لكيفية انهاء الانقسام واستعادة الوحدة بعد مرور ثلاثة عشر عاما على الانقسام الفلسطيني الداخلي، ومن غير الواضح قدرة هذا اللقاء والحوارات اللاحقة بين الحركتين على إحداث تحول أو خلق أفق لتسوية تعيد اللحمة السياسية للكيان الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

بقيت الحلول المطروحة لاستعادة الوحدة وانهاء الانقسام طموحة منذ اتفاق القاهرة عام 2011، فإما الوحدة الاندماجية أو البقاء على حالة الانفصال المؤسساتي بينهما، وبقيت تراوح مكانها دون أمل بتجاوز العقبات القائمة، ودون تخفيف من أطماع الأطراف في الهيمنة والسيطرة على الطرف الاخر وتعزيز مواقعه واستحواذه على النظام السياسي. وفي غياب رؤية فلسطينية موحدة لتجاوز هذا الانقسام أو وضع حلول مرحلية لاستعادة الوحدة وإنهاء الانقسام تظهر نتائج الاستطلاع الذي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/ يونيو 2020 أن حوالي ثلثي الجمهور متشائمون بإمكانية استعادة الوحدة قريبا.[1]

أدى الانقسام الفلسطيني إلى إعادة طرح طبيعة النظام الاداري في السلطة الفلسطينية للنقاش من حيث شكله وعلاقته بطبيعة الكيان السياسي الفلسطيني؛ ما بين المركزية الادارية واللامركزية للنظام الاداري، وما بين الوحدة الاندماجية والفدرالية أو حتى الكونفدرالية. في هذه الأثناء تعمقت الفجوة بين الضفة الغربية وقطاع غزة ليس فقط بسبب الانقسام بل لمجمل عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية بالإضافة إلى النظام القانوني. كما ازدادت الفجوة في نظرة المواطنين في كل من الضفة والقطاع فيما يزداد إحساس سكان قطاع غزة بالعزلة والإهمال يقابله إحساس بالإحباط وعدم الثقة في النظام السياسي ومستقبله القائم على حل الدولتين.

تهدف هذه الورقة إلى استعراض ثلاثة بدائل مؤقتة لاستعادة الوحدة الكاملة في ظل استعصاء انهاء الانقسام على مدار السنوات الثلاثة عشر الماضية: كإقامة اتحاد كونفدرالي، أو تبني النظام الفدرالي، أو اعتماد اللامركزية الإدارية. تستند المفاضلة بين البدائل الثلاث على أربعة اعتبارات هي: (1) قدرتها على تقصير الفترة الانتقالية لإنهاء الانقسام، و(2) قبول الرأي العام الفلسطيني لها، و(3) اسهامها في رسم مستقبل بناء الدولة وعملية السلام، و(4) ومدى نجاحها في بناء نظام سياسي ديمقراطي.


(1) خلفية ولماذا هذه الورقة:

تكتسي استعادة الوحدة أهمية بالغة لدى الشعب الفلسطيني باعتبارها مصلحة وطنية عليا. لكن الخلافات تتعمق كلما اقترب أي حوار من مصالح أو مكانة أو مكتسبات أي طرف من الأطراف الحاكمة في الضفة والقطاع. كما يتجذر الانقسام والفرقة كلما انقضى الزمن، فبعد ثلاث عشرة سنة على الانقسام باتت إمكانية استعادة الوحدة أصعب مما كانت عليه في السنوات الأولى بسبب الافرازات المؤسساتية والثقافية أو البنى الاجتماعية المحمولة على التعامل معها.

فشلت الحوارات والاتفاقيات التي تم توقيعها سواء بين حركتي فتح وحماس أو الاتفاقية الجماعية التي وقعتها الفصائل الفلسطينية مجتمعة بدءا من اتفاق القاهرة عام 2011 مرورا باتفاق الشاطئ وقبله اتفاق الدوحة وصولا إلى اتفاق أكتوبر 2017 القاضي باستلام حكومة الوفاق الوطني لمؤسسات السلطة في قطاع غزة وإدارة المعابر. كذلك فشلت الحكومات المتعاقبة في توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات العامة سواء التشريعية أو الرئاسية. كما اصطدمت المحاولة الأخيرة لإنهاء الانقسام التي قادتها لجنة الانتخابات المركزية برئاسة د. حنا ناصر "كوسيط" لإجراء الانتخابات التشريعية كخطوة على طريق الانتخابات الرئاسية واستعادة الوحدة بعدم اصدار المرسوم الرئاسي بحجة عدم اليقين بإمكانية اجراء هذه الانتخابات في مدينة القدس. ويبدو أن الأطراف المتنازعة ما زالت تعتقد أنه يمكن الحصول على مبتغاها القاضي بتحييد الآخر في مناطق سيطرتها أو الظفر بمقاليد النظام السياسي دون وصول الاخرين أو مشاركتهم فيه. هذا الامر بات غير ممكن لأسباب موضوعية حاكمة تتعلق بالجغرافيا والقدرة المادية وكذلك التأييد الشعبي.

تشاؤم شعبي

تشير استطلاعات الرأي التي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية[2] إلى أن الجمهور متشائم بمستقبل المصالحة واستعادة الوحدة في الوقت القريب نتيجة للممارسات التي تقوم بها الأطراف في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الوقت الذي يحظى انهاء الانقسام وتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة بتأييد واسع بين جمهور من الفلسطينيين باعتبارها مصلحة وطنية عليا؛ حيث أظهرت نتائج الاستطلاع رقم 75 الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/ فبراير 2020 أن نسبة من 90% من المواطنين يؤيدون انهاء الانقسام وتوحيد الضفة والقطاع للرد على الخطة الامريكية وعلى ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية (89% في الضفة و91% في قطاع غزة). في المقابل يقول 29% من الجمهور أنهم متفائلون بنجاح المصالحة فيما يقول 64% بأنهم غير متفائلين، وفقا لنتائج الاستطلاع الذي اجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/ يونيو 2020. كما أن نسبة من 41% تعتقد أن الوحدة لن تعود وسينشأ كيانان منفصلان في الضفة وغزة فيما تعتقد نسبة من 40% أن الوحدة ستعود ولكن بعد فترة طويلة وتعتقد نسبة من 12% فقط أن الوحدة ستعود في وقت قريب.[3]

الانقسام يزيد الفجوة في الآراء بين سكان المنطقتين

بالإضافة لما سبق ذكره، وجدت نتائج استطلاع الرأي العام الذي أجراه المركز الفلسطيني في شباط/فبراير 2020[4] تباينات في مواقف وآراء وانطباعات المواطنين في كل من الضفة والقطاع حول مسائل متعددة: ففي الوقت الذي يرى 25% من المواطنين في قطاع غزة أن استمرار حصار قطاع غزة واغلاق معابرة تعد المشكلة الأساسية التي يجب أن تحظى بالأولوية للسلطة الفلسطينية فإن 8% فقط من المواطنين في الضفة الغربية يعتقدون ذلك. ينعكس هذا التباين على أولية مكافحة الفساد في مؤسسات السلطة بفارق 23 نقطة حيث يرى 34% في الضفة بأنها يجب ان تحظى بالأولية مقابل 11% في القطاع.

يظهر الاختلاف واضحاً بين المواطنين في الضفة والقطاع في وصف أنفسهم حيث يقول 30% فقط من سكان الضفة أنهم متدينون مقابل 50% من سكان القطاع، ويقول 67% من سكان الضفة أنهم متوسطو التدين مقابل 44% في القطاع. ويزداد الفارق بحوالي 28 نقطة في تقييم أداء الرئيس محمود عباس منذ انتخابه حيث يقول 77% من سكان القطاع بأنهم غير راضين مقارنة بـ 49% في الضفة. ويظهر الاختلاف أيضا في مسألة اجراء الانتخابات حتى ولو كان الثمن تصويت سكان القدس في صناديق اقتراع خارج المدينة على خلاف الانتخابات الرئاسية التشريعية التي جرت في 2005 و2006 على التوالي، حيث يوافق 51% من سكان الضفة الغربية على ذلك مقارنة بـ37% من سكان قطاع غزة. كذلك يقول 51% من سكان الضفة أن السلطة انجاز للشعب الفلسطيني مقارنة بـ 39% في قطاع غزة، فيما يرى 55% من سكان غزة ان السلطة الفلسطينية قد اصبحت عبأً على الشعب الفلسطيني مقابل 42% من سكان الضفة.

يزيد الفرق إلى 21 نقطة في مدى الرضا عن رد القيادة الفلسطينية على الخطة الأمريكية حيث يقول 47% من سكان الضفة الغربية، مقابل 26% في قطاع غزة، بأنهم راضون عن رد القيادة الفلسطينية. كما تظهر الفروقات بين آراء المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة للمطلوب من الطرف الفلسطيني فعله ردا على الخطة الامريكية وعلى ضم إسرائيل لأراضي فلسطينية؛ حيث يؤيد 81% من سكان القطاع اللجوء للعمل المسلح أو العودة لانتفاضة مسلحة مقابل 53% في الضفة الغربية، ويؤيد 59% من سكان القطاع حل السلطة الفلسطينية مقابل 36% من سكان الضفة، كما يؤيد 49% من سكان القطاع مقابل 29% في الضفة التخلي عن حل الدولتين وتبني حل الدولة الواحدة.

تأثيرات الانقسام على الفجوة الاقتصادية بين الضفة والقطاع

نتج خلال الثلاثة عشر عاما من الانقسام تحولات عميقة على الاقتصاد في قطاع غزة، مقارنة بالضفة الغربية، في جزء منه ناجم عن الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ اكثر من أربعة عشر عاما للقطاع ما أدى إلى تراجع حاد في التنمية الاقتصادية، ومن العدوان الإسرائيلي المتكرر الذي أدى إلى تدمير البنى التحتية وممتلكات الافراد والمنشآت الاقتصادية، وجزء آخر ناجم عن الانفصال عن الضفة الغربية التي حظيت بدعم اقتصادي سواء من الدعم الدولي أو الانفاق الحكومي الواسع سواء في التوظيف أو الاستثمار في القطاعات المختلفة بالإضافة إلى تدفق العمالة في إسرائيل.

تشير بعض المؤشرات الاقتصادية إلى فروقات واسعة، حيث تبلغ نسبة الفقر بين الافراد في قطاع غزة للعام 2017، وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 53% مقارنة بـ 13% في الضفة الغربية. كما ترتفع البطالة في قطاع غزة بمقدار ثلاثة أضعاف مثيلاتها في الضفة الغربية (45% مقابل 15%).[5] ينخفض معدل الأجر اليومي للعاملين في القطاع الخاص إلى 44 شيقلا في قطاع غزة مقارنة بـ118 شيقلا للعاملين في الضفة الغربية. كما بلغ عدد المستخدمين بأجر في القطاع الخاص الذين يتقاضون أقل من الحد الأدنى للأجر (أي 1,450 شيقل) حوالي 109,000 عامل منهم 24,300 فقط في الضفة الغربية (يمثلون حوالي 22% من إجمالي المستخدمين باجر في القطاع الخاص في الضفة الغربية وبمعدل أجر شهري يبلغ 1,038 شيقلا) مقابل 84,400 مستخدم بأجر في قطاع غزة، (يمثلون حوالي 78% من إجمالي المستخدمين بأجر في القطاع الخاص في قطاع غزة بمعدل أجر شهري لا يتجاوز 700 شيقل).[6]

ووفقا لمؤشرات الحسابات القومية في فلسطين للعام 2018 فإن الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 15.6 مليار دولار أمريكي تساهم الضفة الغربية فيه بحوالي 12.8 مليار دولار أمريكي فيما يساهم قطاع غزة بحوالي 2.8 مليار دولار أمريكي فقط. كذلك، يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في قطاع غزة حوالي ثلث ما يبلغ نصيب الفرد في الضفة الغربية، أي 1458 دولار أمريكي مقابل 4854 دولار أمريكي.[7]

مستقبل الديمقراطية

أوقف الانقسام الداخلي السند الرئيسي الذي يقوم عليه النظام السياسي الفلسطيني المتمثل بالانتخابات الحرة لاختيار ممثليه في المجلس التشريعي وانتخاب رئيس السلطة. فقد انقضت عشر سنوات منذ انتهاء مدة ولاية رئيس السلطة والمجلس التشريعي في كانون ثاني/ يناير 2010 وفقا لقانون الانتخابات الذي جرت على أساسه الانتخابات العام 2006.

يشكل إجراء الانتخابات الفلسطينية حاجة أساسية لبناء نظام ديمقراطي يحظى بالمشروعية، لكن عدم إجراء الانتخابات في الضفة والقطاع يُفقد النظام السياسي القدرة على الانتقال الديمقراطي، ويحجر حق المواطنين في اختيار ممثليهم في الحكم، ويضاعف من المأزق السياسي الفلسطيني باستمرار تآكل شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني. إن مما لا شك فيه أن عدم إجراء الانتخابات للمؤسسات السياسية في السلطة الفلسطينية سيبقى المؤسسات السياسية غير خاضعة للمساءلة ولمبدأ المشروعية، ويبقي الجهاز القضائي خاضعا للتدخلات، ويضيق من ضمانات الحريات العامة وحقوق الانسان، ويضعف من استقلالية المجتمع المدني وتعدديته.

صراع إقليمي ومحاور على حساب الفلسطينيين واستمرار الحصار

كذلك أدى الانقسام الداخلي، على مدار السنوات الثلاثة عشر ماضية، إلى تحويل الموضوع الفلسطيني لمكون من مكونات الصراع الإقليمي بين القوى الإقليمية المختلفة. كما أن وجود ارتباطات لأطراف فلسطينية مع هذه القوى والمحاور الإقليمية أضعف الجبهة الفلسطينية وحدّ من إمكانية استعادة الوحدة بسبب الخلافات بين هذه القوى، وتعرض الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزة، إلى تحمل أعباء إضافية ناجمة عن الصراعات الإقليمية.

كما أن الدخول في لعبة المحاور الإقليمية وتبعثر الجهود الفلسطينية والإقليمية، وعدم القدرة على تمكين الحكومة من العمل في قطاع غزة أو انشاء حكومة شرعية جعل انهاء الحصار الإسرائيلي غير ممكن بل منح الطرح الإسرائيلي قبولا من بعض الأطراف الدولية لهذا الحصار، وأبقى النظر إلى قطاع غزة من باب المساعدة الإنسانية بحدها الأدنى دون النظر إلى الاحتياجات السياسية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال واقامة دولتهم المستقلة، وعزز ادعاء اسرائيل بعدم وجود شريك للسلام قادر على الحديث باسم كافة الفلسطينيين.

(2) البدائل المتاحة لاستعادة الوحدة

إن الرغبة الواسعة لدى الجمهور باستعادة الوحدة تدعونا للتفكير في بدائل مؤقتة عن العودة للوحدة الاندماجية "الكاملة" مثل الفدرالية أو الكونفدرالية باعتبارها بدائل مؤقتة قد تتيح نوعا من الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. إن مما لا شك فيه أن العودة إلى الوحدة الكاملة، التي تتمثل بسيطرة سياسية وإدارية للمركز (العاصمة) على بقية الأجزاء، وبوجود موازنات موحدة ونظام ضريبي واحد، وبتحكم السلطة السياسية بأولويات التنمية وجهاتها وبالمسؤولية عن الأمن العام، هو الخيار الأمثل للحفاظ على الوحدة الجغرافية الذي يحاول الفلسطينيون ضمان وجودها في أي اتفاق مستقبلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي التعبير الاوسع عن انصهار الوطنية الفلسطينية في ظل غياب اختلافات جوهرية في البنى الثقافية. لكن الفرقاء لم يتمكنوا من تحقيق ذلك طوال الفترة الممتدة من عام 2011، أي منذ توقيع اتفاق القاهرة، ومن ثم بروتوكول مخيم الشاطئ وصولا إلى اتفاق اكتوبر 2017، وبقيت مسألة الحصول على امتيازات الحكم والسيطرة عليه قائمة. تعرض هذه الورقة ثلاثة بدائل مؤقتة ممكنة لشكل استعادة الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة بهدف تجاوز حالة الانقسام وعدم تحولها إلى انفصال دائم هي:[8]

البديل الأول هو إقامة اتحاد كونفدرالي. يستند هذا البديل المؤقت على إقامة كيانين أو "دولتين" منفصلتين، واحدة في قطاع غزة وأخرى في الضفة الغربية، لكنهما ترتبطان بعلاقات اقتصادية مشتركة وتوحيد المواقف السياسية الخارجية ضمن مجلس مشترك أمام المجتمع الدولي. يتيح هذا البديل إمكانية بناء نظم مؤسساتية منفصلة ومنح شرعية لها من خلال إمكانية اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في كلا الدولتين دون الخضوع لشروط متبادلة كالتخوفات المتعلقة بعدم نزاهتها. ويتيح لكل دولة اختيار شكل النظام السياسي وحدوده، كما يمكن لكل دولة اختيار النظام الاقتصادي بما يتناسب مع امكانياته الاقتصادية. لكن هذا البديل يزيد من مخاطر الانفصال السياسي بين الضفة والقطاع، ويثير تخوف عدم إمكانية العودة للوحدة الكاملة. كما أن مخاطر استغلال إسرائيل وتسويقها أمام العالم أن الدولة الفلسطينية قائمة في قطاع غزة، وتدعيم استفرادها بالضفة الغربية وتنفيذ اطماعها بالضم والسيطرة على الضفة الغربية تبقى قائمة، وكذلك الإبقاء على حصارها على قطاع غزة حيث "الدولة المعادية التي تسيطر عليها حركة حماس". كذلك تزداد في هذا البديل مخاطر عدم قيام نظام ديمقراطي في الكيانين نتيجة لغياب أية انتخابات عامة منذ أربعة عشر عاما.

البديل الثاني هو تبني النظام الفيدرالي. يتمثل هذا البديل بوجود لا مركزية سياسية وإدارية؛ بحيث يتولى كل "إقليم" انتهاج سياسات اقتصادية ونظام ضرائبي وموازنات مختلفة، كما أن النظام القانوني والتعليمي قد يكونان مختلفين، وتوجد فيه سيطرة تامة للسلطات الإقليمية على قوى الأمن. كما أن السلطات الإقليمية تستمد صلاحياتها السياسية والإدارية بقرار دستوري سياسي، فيما تتولى الحكومة المركزية شؤون العلاقات الخارجية وتوقيع الاتفاقيات والدفاع.

يُبقي هذا البديل على الوحدة المركزية للفلسطينيين في دولة واحدة مع الاخذ بالاعتبار الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي في كل إقليم وعلى المستوى الوطني باعتباره مرحلة انتقالية للعودة التدريجية للوحدة الكاملة للإقليمين، خاصة إذا ما تم إجراء توحيد للمنظومة القانونية والمؤسساتية فيها. يبقي هذا البديل امكانية الانفصال قائما في ظل وجود منظومتين قانونيين مختلفتين يتمسك كل إقليم بصوابية نظامه؛ وقد يعود ذلك لتعود المراكز القانونية فيها عليها وعدم الرغبة في تغييرها كما هي الحال في السنوات التي سبقت الانقسام. كما يستمر وجود منظومتين للمؤسسات القائمة فيهما تتنافسان على المصالح والنفوذ والصلاحيات للأشخاص والتنظيمات الحاكمة فيهما.

البديل الثالث هو اعتماد الوحدة اللامركزية. تتمثل هذه اللامركزية بوجود سلطة سياسية مركزية ولكن مع لامركزية إدارية. يقتضي هذا الاقتراح وجود سلطتين إقليميتين إداريتين في الضفة الغربية وقطاع غزة (يتم إنشائهما بقرار إداري من السلطة المركزية ويمكن توسيع أو تقليص صلاحياتهما) تتوليان تنسيق خطط وجهود السلطات المحلية في كل إقليم، حيث أن كل إقليم يتمتع بدرجة من التجانس الاقتصادي والإداري الداخلي يمكن معها اعتباره وحدة مستقلة قادرة على بلورة خططها التنموية المنفردة في ظل السياسات الاقتصادية العامة التي تضعها السلطة المركزية. تتولى السلطة المركزية، في هذا النظام، اتخاذ القرارات الرئيسية وتبني سياسات اقتصادية واحدة فيما تتولى السلطات الإقليمية والمحلية تبني نظام ضريبي محلي ووجود موازنات محلية مستقلة ومختلفة، ووجود عناصر مشتركة في النظام القانوني والتعليمي على مستوى الدولة وأخرى محلية، وتتشارك كل من السلطات المركزية والإقليمية والمحلية في السيطرة على قوى الأمن وفق قواعد محددة مما يخفف من قبضة السلطة المركزية على الأجهزة الأمنية ويساهم في تعزيز مهنيتها.

إن أحد مزايا هذا البديل المؤقت أنه يُبقي على الوحدة بين الضفة الغربية وقطاع غزة وهو الأقرب للوحدة الاندماجية الكاملة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. ويتيح إمكانية قيام نظام ديمقراطي على المستوى الوطني وعلى المستوى المحلي ويعزز التنمية المحلية على أساس اللامركزية الإدارية في البلاد. لكن يبقي التخوف من بقاء الهيمنة الحزبية القائمة في القطاع والضفة على المؤسسة المحلية من جهة والسيطرة على قوى الامن فيهما وامتداد ثقافتهما الانفصالية في المؤسسات المستحدثة.

الخلاصة:

مما لا شك فيه أن الخروج من الازمة الحالية، بهدف استعادة الوحدة وإنهاء الانقسام، يقتضي النظر بعقل مفتوح وبعين فاحصة لطبيعة العلاقة بين الضفة والقطاع في ضوء تجارب متعددة بدلا من الإبقاء على الانقسام المفضي إلى الانفصال حتما مع مرور الوقت. كما يتطلب تقديم حل يخلق توازنا بين مصلحة الحفاظ على النظام السياسي وصون الثقافات وحماية الخصوصية للسكان والظروف الخاصة للمنطقة الجغرافية وأدوات ربط ناجعة بينهما.

إن البديل المتمثل بالوحدة اللامركزية التي تتمثل بوجود سلطة سياسية مركزية ولا مركزية إدارية، كما جاء في البديل الثالث أعلاه، هو الأكثر قدرة على خلق هذا التوازن في ظل الظروف الراهنة حيث أنه يوفر آليات وأدوات الانصهار الوطني، ويعزز الوحدة السياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويراعي الاحتياجات والظروف والقدرات الاقتصادية والثقافية لسكان كل إقليم على حدة. كما يتيح تبني التنمية المحلية على أساس اللامركزية الإدارية في البلاد، ويمنح إمكانية اجراء الانتخابات العامة لتعزيز مشروعية النظام السياسي ويحد من مخاطر الانتقال الديمقراطي. يحد هذا البديل من مخاطر الانفصال مستقبلا كما هو الحال في البديلين الآخرين، وهو ينسجم مع موقف الأغلبية في الرأي العام الفلسطيني الرافضة بشكل واسع (60% من الجمهور)[9] لإمكانية وجود قيام أشكال أخرى من العلاقة بين جناحي الكيان الفلسطيني كالكونفدرالية مثلا. كما يساعد هذا البديل الثالث على إنهاء معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، ويوحد الجهود في عملية المواجهة مع الاستعمار الإسرائيلي ويحد من المخاطر الناجمة عن السياسات الإسرائيلية الاستعمارية، ويقوي الموقف السياسي الرسمي في المحافل الدولية. بالإضافة إلى أنه يمكن من تجاوز العقبات القائمة للوصول إلى الوحدة الكاملة المرغوبة من قبل أغلبية الشعب الفلسطيني.