السبت: 31/10/2020

امريكيا من قطب واحد الى دولة كبرى

نشر بتاريخ: 01/08/2020 ( آخر تحديث: 01/08/2020 الساعة: 19:28 )

الكاتب: عوني المشني



امريكيا هذه الايام تعيش ازمة متعددة الجوانب ، ازمة كورونا والمرشحة للتصاعد بواقع اكثر من نصف مليون اصابة يوميا خلال الاسابيع الثلاث القادمة ، نتج عن هذا الوضع ازمة اقتصادية تتعمق بفعل البطالة والركود الاقتصادي وتتحول الى تضخم مثير في ظل سياسة طبع الترليونات الاضافية من الدولات ، ازمة دستورية تطل برأسها على وقع توجهات ترامب بتاجيل الانتخابات ورفض قاطع من الديمقراطيين وبعض الجمهوريتين لهذا التوجه ، وتتعمق تلك الازمة في ظل تشكيك مسبق من ترامب باي نتيجة للانتخابات قد يخسر بها تحت حجة عدم مصداقية الانتخابات عبر البريد . يضاف الى ذلك ازمات اخرى في جوانب اخرى ، عزلة امريكيا الدولية المتصاعدة نتيجة سياسات ترامب القائمة على الانسحاب من المنظمات الدولية ، ازمة الحقوق المدنية التي انفجرت بعد مقتل احد الامريكيين السود على يد الشرطة ، التوتر المتصاعد مع الصين والذي ينذر بحرب باردة جديدة يعتقد البعض انها قد تسخن في ظرف ما .


امريكيا الان امام حالة ازمة تستعصي مع سياسات ترامب الغير منطقية .
السؤال الاهم : كيف ستترجم تلك الازمة ذاتها مع قادم الايام ؟؟؟؟ هل يستطيع النظام الامريكي الراسخ والتقاليد الديمقراطية العريقة ان تجتاز الازمة ؟؟!!! هل مؤسسات الدولة العميقة في امريكيا قادرة على كبح جماح رئيس امريكي متقلب المزاج ومسكون بنظرية المؤامرة ؟؟؟!!!! ازمة معقدة مركبة وبهذا الحجم هل ستكون تهديدا لبنية النظام الامريكي ؟؟ هل تحولت امريكيا في ظل ازماتها من قطب دولي واحد يقود العالم الى مجرد " دولة قوية " ؟؟؟؟
الاسئلة كبيرة ومهمة ، كبيرة بكبر الازمة ، ومهمة باهمية امريكيا في النظام الدولي ، وتحتاج الى تفكير جدي كما يؤكد جدعون راشمان (Gideon Rachman) " إن أمريكا ينبغي أن تفكر بجدية في موضوع إنهيارها ........ وأن سلطة واشنطن على العالم لن تتكرر بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي " .
وكي نحاول الاقتراب من الاجابات لا بد من ايراد جملة من الحقائق .
ان الدول الكبرى والتي تمتلك اسلحة الدمار الشامل لا تنهار في هذا الزمن عبر الحروب الخارجية ، الاتحاد السوفيتي انهار بفعل عوامل داخلية بالاساس ، صحيح كانت مؤمرات خارجية ولكن السبب الاساس عوامل داخلية ، امريكيا دولة غير قابلة للانهيار بفعل حروب خارجية هذا امر بات واضحا ، ولكن تفاعل مجموعة عوامل داخليه قد تؤدي الى الانهيار ، صحيح ان الدولة العميقة في امريكيا قوية متعمقة ومقتدرة ، وهي العنصر الحاسم في الحفاظ على امريكيا ، هذه الدولة قد تستطيع الحفاظ على امريكيا كدولة متماسكة وعلى النظام الديمقراطي فيها ، ولكنها اعجز من الحفاظ على امريكيا كقطب وحيد يقود العالم ، فذلك امر خارج عن سيطرتها وله علاقة باعادة تشكل العلاقات الدولية بفعل العوامل الاقتصادية والسياسية ، وبات امرا ملحوظا تراجع التاثير الامريكي في العلاقات الدولية بفعل الازمة الامريكية اولا وبفعل تنامي وضع دول اخرى كالصين وروسيا .
مسالة اخرى لا تقل اهمية وهي ان الصين باتت تترجم قوتها الاقتصادية الى علاقات دولية ، ما سرب عن الاتفاق الصيني الايراني الاستراتيجي والذي مدته ثلاثون عاما تستثمر فيه الصين مئات المليارات من الدولارات في تطوير بنية النفط والغاز والبنية التحتية الايرانية مقابل استيرادها النفط الايراني وباسعار تشجيعية وبدون عملة الدولار ، هذا من شانه ان يقوض دور امريكيا كشرطي للعالم يفرض العقوبات ويحاصر الدول ، والصين التي تستثمر في اكثر من دولة في طريق الحرير تلتقي مع التوسع الروسي الحليف في الشرق الاوسط لتقلص الدور الامريكي في منطقة حساسة في العالم . وحتى في ازمة كورونا العالمية انحسر الدور الامريكي كثيرا حتى في علاقتها مع حلفاءها ، امريكيا في ازمة كورونا تراجعت لينحصر تاثيرها في المجال الامريكي ، وحتى في هذا المجال فشلت وبنسبة كبيرة . عندما تتراجع امريكيا وتتقدم دولا مثل الصين فان الازمة تستعصي والتوتر يصبح سيد الموقف ، التوتر الصيني الروسي هو تعبير مفضوح لهذا الوضع ، صحيح ان الصين ليس لديها ترجمه سياسية ثقافية عالمية لنقدمها الاقتصادي ، وتقترب كثيرا من المنهج الراسمالي في المجال الاقتصادي ، ولكنها قوة منافسة بقوة ، واذا كانت الهيمنة الامريكية على الاقتصاد العالمي الجدي. قد ثبتت خلال الثلاثين عاما الماضية ، الانترنت .... وادواتها وبناها التحتية ، فان اقتحام الصين لهذا المجال وبقوة كثيرة هو ما يزعج امريكيا ويهدد هيمنتها . فالجيل الخامس لانترنت اصبح خارج الهيمنة الامريكية لا بل ان الصين متقدمة بخطوات على امريكيا في هذا المجال .
على اية حال فان عناصر الازمة في امريكيا موجودة وبقوة ، وتفاعلات الازمة قد بدأت تعكس نفسها على مختلف المناحي ، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ، لكن حتى اللحظة لا يمكن القول ان الازمة وصلت من النضج الى مرحلة احداث تحولات استراتيجية ذات مغزى ، ولكنه في ظل ازمة بهذا الحجم فانه ان لم تكبح جماحها باجراءات جادة وفاعلة فانها مرشحة للانتقال الى مرحلة متقدمة تحدث فيها مثل تلك التحولات ، منهج الادارة الامريكية الحالية لا يشير الى هناك محاولات مسئولة لكبح جماح الازمة ، لا بل ان سلوك الادارة الحالية يفاقم الازمة اكثر من ان يكبحها ، سلوك تحول الى عامل معزز للازمة وتقارير جامعة "هارفارد" الأمريكية تشير الى أن النظام السياسي الأمريكي قد ثبت فشله، كما إن الاقتصاد الأمريكي يعاني من الانهيار وانتهى عصر إزدهار الاقتصاد الأمريكي منذ نحو عشرين عاماً، وبات حلم الهيمنة الأمريكي في مهب الريح، وفقد الأمريكيون ثقتهم بزعمائهم السياسيين، وبدأت الأقطاب السياسية الحاكمة في البلد تهيمن على مقدرات المجتمع، ووصل الأمر إلى حد اليأس من إمكانية إصلاح هذا الوضع،، لهذا فترة الشهور الاربعة القادمة مهمة في تحديد المسار الامريكي ، وان كانت المؤشرات حتى اللحظة تشير الى تفاقم في الازمة الا ان الدولة العميقة في امريكيا لم تقل كلمتها بعد ، وتمتلك في لحظات مفصلية امكانيات التاثير . ولكن وفي كل الحالات لم تعد امريكيا هي ذاتها ما قبل هذه الازمة ، وسواء تمت السيطرة على الامور او لم يتم فان ما جرى سينعكس على دور امريكيا ومقدرتها وحتى على استراتيجياتها العالمية .
الثابت الاكيد ان نظام القطب الواحد يتهاوى ، يتهاوى لانه مرحلة انتقالية في التاريخ ، حيث ان العالم ومنذ العصور القديمة قائم على سياسة عالم القطبين ، ولكن الازمة الحالية تسرع بنهايته هذا ما يؤيده جون ايكنبري (John Ikenberry) في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تحت عنوان "مستقبل النظام العالمي الليبرالي" " إن أمريكا في طريقها إلى الانهيار، وأن نظام القطب الواحد الذي يحكم العالم سوف يزول عما قريب، نتيجة ظهور قوى عالمية أخرى كالصين التي تملك أكبر اقتصاد في العالم" . وحتى او تم انتخاب جون بايدن وحاول ترميم ما تم تخريبه فانه في احسن الاحوال سيعيد لامريكيا دورا حيويا في اطار التعاون مع اقطاب دولية اخرى مثل الصين والاتحاد الاوروبي والصين ، واكثر من ذلك اصبح بعيد المنال ، وفي السياق الاقتصادي فالوضع لا يختلف ، صحيح ان امريكيا قوة اقتصادية لا يستهان بها ولكن تنامي قوة الصين ، وبدايات خجولة لفقدان الدولار من قيمته وقوته ، ستجعل الهيمنة الامريكية الاقتصادية موقع تساؤل ، وسيكون تراجع امريكي ملحوظ . اننا امام متغيرات استراتيجية ، الفرق هو ان تتم بهدوء او تنفجر الازمة ، وفي كلا الحالات لا مفر من الاقرار بان امريكيا لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة وان اعتقاد الأستاذ والمؤرخ الأمريكي الفريد ماك كوي (Alfred McCoy) "أن موت أمريكا كقوة عظمى يمكن أن يكون أسرع بكثير مما يحتمل تصوره" ، هذا الاعتقاد بات له ما يبرره وبشكل اكثر وضوحا .
[٧:٣٢ م، ٢٠٢٠/٨/١] ناصر اللحام: والاتحاد الاوروبي والصين ، واكثر من ذلك اصبح بعيد المنال ، وفي السياق الاقتصادي فالوضع لا يختلف ، صحيح ان امريكيا قوة اقتصادية لا يستهان بها ولكن تنامي قوة الصين ، وبدايات خجولة لفقدان الدولار من قيمته وقوته ، ستجعل الهيمنة الامريكية الاقتصادية موقع تساؤل ، وسيكون تراجع امريكي ملحوظ . اننا امام متغيرات استراتيجية ، الفرق هو ان تتم بهدوء او تنفجر الازمة ، وفي كلا الحالات لا مفر من الاقرار بان امريكيا لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة وان اعتقاد الأستاذ والمؤرخ الأمريكي الفريد ماك كوي ‪(Alfred McCoy)‬ "أن موت أمريكا كقوة عظمى يمكن أن يكون أسرع بكثير مما يحتمل تصوره" ، هذا الاعتقاد بات له ما يبرره وبشكل اكثر وضوحا .