السبت: 19/09/2020

تصريح بلفور بين الابطال القانوني بعد صدوره والإبطال الفعلي الذي ينتظر

نشر بتاريخ: 08/08/2020 ( آخر تحديث: 08/08/2020 الساعة: 22:48 )

الكاتب:

د. وليد سالم

بعد أن تأكد الانغلاق التام لأي فرصة للتوصل إلى حل سياسي تفاوضي ، طرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسألة محاكمة بريطانيا بما يتعلق بإعلان بلفور ، وذلك في خطابه أمام القمة العربية التي انعقدت في نواكشوط عاصمة موريتانيا بين الخامس والعشرين والسابع والعشرين من تموز عام ٢٠١٦.
منذ ذلك الحين لم يتم تحرك بإتجاه إتمام هذه المحاكمة ، ولعل مواقف رئيس الوزراء البريطاني الاخير بوريس جونسون الرافضة لإجراء أية إعمال ضم إسرائيلية إضافية في الارض الفلسطينية تؤخر إجراء هذه المحاكمة اليوم ، مع أن الظرف كان ملائما لإجرائها عام ٢٠١٧ حين رفضت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي الاعتذار عن الوعد بمناسبة مرور مئة سنة على إصداره ، لا بل وقامت بعقد مؤتمر للاحتفال بالذكرى المئوية للوعد دعت إليه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في الواقع أن هنالك مغزى هاما لمحاكمة بريطانيا بشأن تصريح بلفور ، حيث أن فحوى هذا التصريح القاضية بحقوق قومية حصرية لما سمي ب " الشعب اليهودي" فيما تقتصر حقوق " الطوائف غير اليهودية " كما سميت على الحقوق المدنية والدينية لا زالت سارية حتى اليوم وتكررت في قانون القومية الإسرائيلي لعام ٢٠١٨، وفي صفقة القرن الامريكية ( خطة السلام من أجل الازدهار) عام ٢٠٢٠. فبمحاكمة تصريح بلفور ودحض فحواه تتم أيضا محاكمة صفقة القرن وكل القوانين التي لا تعترف بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني في أرض وطنه.

و باصدارها تصريح بلفور كانت الحكومة البريطانية قد خرقت الاتفاقيات والمواثيق التالية:
١) وثيقة مراسلات حسين- مكماهون لعام ١٩١٥ والتي اعتبرت البلاد العربية أهلا للاستقلال. سيما رسالة مكماهون للشريف حسين في ٢٤ تشرين أول لعام ١٩١٥ حول حدود الدولة العربية حيث استثنت هذه الرسالةمن تلك الحدود " أجزاءا من بلاد الشام الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق وحمص وحماة وحلب لا يمكن أن يقال أنها عربية محضة ، وعليه يجب أن تستثنى من الحدود المطلوبة" كما جاء في الرسالة ( كامل خلة ١٩٨٦ عن وثائق جامعة الدول العربية الرئيسية في قضية فلسطين ص ١٤- ١٦). وبما أن فلسطين تقع جنوب الولايات المذكورة وليس إلى غربها كما إدعت بريطانيا ، وبالتالي تكون فلسطين غير مستثناة من وعد مكماهون للشريف حسين.
٢) تقرير لجنة كينغ كرين لعام ١٩١٩ والتي رفضت تصريح بلفور وطالبت باستقلال فلسطين كجزء من استقلال كل سوريا ، واتهمت الصهيونية بالسعي للسيطرة على كامل فلسطين وترحيل أهلها الاصلييين ( خلة ، ١٩٨٦، ص ١١٢- ١١٣، ومؤسسة باسيا ، ١٩٩٧، ص. ٣٣- ٣٦).
٣) مادة ٢٢ من ميثاق عصبة الامم المتحدة الذي أقر في مؤتمر فرساي عام ١٩١٩، والتي نصت على الحق في الاستقلال لكل الولايات العربية التي كانت خاضعة سابقا للحكم العثماني، على أن يتم إرشاد هذه الولايات وحكوماتها من قبل دولة منتدبة تختارها كل ولاية منها وفق مشيئتها. وتقوم الدولة المنتدبة بتقديم الارشاد والمساعدة للولاية المحددة إلى أن يحل الوقت الذي تصبح فيه تلك الولاية قادرة على حكم نفسها بنفسها. وقد اشار عوني عبد الهادي في شهادته أمام لجنة بيل عام ١٩٣٧ إلى خرق بريطانيا لكل الجوانب الاربعة لهذا النص ، فهي قد فرضت انتدابها على فلسطين بدون موافقة مسبقة من أهاليها عبر آلية كالاستفتاء، كما أن بريطانيا لم تقدم النصح والارشاد للشعب الفلسطيني ليصبح قادرا على حكم نفسه بنفسه ، بل تولت رعاية إقامة " وطن قومي لليهود" على حساب الشعب الفلسطيني ، كما أنها منعت السماح بتشكيل حكومة وطنية فلسطينية تقوم بإرشادها وقامت بدل ذلك بمهمة الحكم مباشرة في فلسطين من خلال إدارة إنتدابية بريطانية وبالتعاون مع الوكالة اليهودية فيما يخص تطور المجتمع اليهودي في فلسطين وتسهيل الهجرة اليهودية ، وأخيرا لم تراع بريطانيا أماني الشعب الفلسطيني ولم تأخذ رأيه بشأن مستقبل بلاده( جريدة النفير الحيفاوية اعداد ٥-٩ عام ١٩٣٧، وهاشم ابورميلة عام ٢٠٠٠)
٤)المادة ٢٠ من ميثاق عصبة الامم التي نصت على واجب الدول الأعضاء في العصبة إلغاء كافة الاتفاقيات والتفاهمات السابقة والتي تتناقض مع مواد ميثاق عصبة الامم.
٥)قيام بريطانيا بتضمين تصريح بلفور في وثائق دولية بطريقة خادعة وذلك في تناقض مع المادتين ٢٠ و٢٢ من ميثاق الامم المتحدة ، وذلك مثل اتفاقية سيفر مع تركيا واتفاقية سان ريمو سنة ١٩٢٠، وما تلاهما من تضمين التصريح في نص صك الانتداب الذي صدر عن عصبة الامم المتحدة تموز ١٩٢٢، مما رفع التصريح من مستوى الاعلان إلى مستوى الوعد الهادف لتنفيذه على الارض . وقد قامت بريطانيا بإصدار صك الانتداب بنفسها ، حيث قال السير إريك دريموند للحاج أمين الحسيني عندما قابله " أن الحكومة البريطانية هي التي وضعت الصك وليست عصبة الامم" ثم فرضت الصك على بقية الدول المشاركة في العصبة في تناقض مع ميثاقها(شهادة سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني أمام لجنة بيل عام ١٩٣٧، جريدة النفير ٢٩٣٧، وهاشم ابو رميلة ، ٢٠٠٠، ص. ٩) . هذا ولم تتم أيضا مصادقة البرلمان البريطاني بمجلسيه : اللوردات والعموم على صك الانتداب ، حيث تراجعت الحكومة البريطانية حينذاك عن عرض الصك على المجلسين خشية منها أن مجلس العموم سيرفض الصك ( خلة ، ١٩٨٦، ص. ١٦٢- ١٦٣).

إضافة للنقاط أعلاه أكد الجنرال اللنبي للوفد العربي اثناء زيارته له في بيته في لندن عام ١٩٢٢ أن فلسطين كانت مشمولة في تعهد مكماهون الشريف حسين بوصفها جزءا من البلاد العربية المؤهلة للاستقلال( شهادة الحاج أمين الحسيني أمام لجنة بيل ، ابورميلة ص. ١٤).
لهذا فإن تصريح بلفور وصك الانتداب قد خرقا القانون الدولي الذي كان قائما في فترتهما ، كما أن ميثاق عصبة الامم كوثيقة عامة يجبهما .
تفيد هذه النقاط أن بريطانيا كانت مجردة من أي سند قانوني دولي لتصريح بلفور ، وبالتالي فإن كل ما قامت به بناءا على هذا التصريح هو خرق فاضح للقانون الدولي يتطلب محاكمتها عليه. وقد قال جمال الحسيني أمام لجنة بيل بأن " الوعد سينفذ بالرغم من أنه أصبح لاغيا حسب عصبة الامم ، لأن الوعد المذكور مناقض كل المناقضة لعهد عصبة الامم ، لا سيما المادتين ٢٠ و ٢٢" ( أبورميلة ، ٢٠٠٠، ص.٤٨).

يترتب عن كل ما سبق أن تصريح بلفور الذي اصبح لاحقا وعدا تنفيذيا قد إستند في تطبيقة إلى حق القوة ، لا قوة الحق ، فلم يكن من حق بريطانيا أن تعطي أرض شعب لجهة أخرى ، ولكن قوانين الاستعمار غير الشرعية وموازين القوى لصالحها هو ما مكنها من فرض إرادتها بما في ذلك على عصبة الامم المتحدة.
المشكلة التي لا زالت تنتصب أمامنا اليوم هي أن أعتبار الوعد المذكور لفلسطين ملكا حصريا للشعب اليهودي لا زال ساري المفعول، وهو ما لا يمكن التغلب عليه الا عبر تطوير الطرق الكفاحية اللازمة ميدانيا وقانونيا لجعل بريطانيا تلغي هذا الوعد ، وتتبنى بدل ذلك بناء دولة فلسطين على الارض. ولعل خطة فلسطينية تراكمية وفعالة تؤدي إلى تحقيق ذلك من خلال عمل دؤوب وطويل النفس.