السبت: 24/10/2020

نحو صيغة توافقية للانتخابات العامة

نشر بتاريخ: 18/10/2020 ( آخر تحديث: 18/10/2020 الساعة: 11:58 )

الكاتب: رمزي عودة

أعلن الرئيس ابو مازن مؤخرا بأن الانتخابات العامة سيتم تحديدها قريبا بعد موافقة كافة فصائل العمل الوطني على صيغة الانتخابات القادمة، على أن يتم البدأ بالانتخابات البرلمانية ثم تتلوها الانتخابات الرئاسية. ويشاع في الافق السياسي بشكل متكرر بأن مروسوما رئاسيا للدعوة الانتخابات يتوقع اقراره بعد اجتماع الفصائل الوطنية في الاسبوع الاول من اكتوبر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، فان النظام الانتخابي المزمع عقد الانتخابات العامة في اطاره هو النظام الانتخابي النسبي وهو ما يتماشى مع المرسوم الرئاسي حول تعديل النظام الانتخابي للعام 2007. ويبدو واضحا أن الاسراع في خطوات الانتخابات في الوقت الحاضر يأتي في سياق الرد الفلسطيني على ارهاصات صفقة القرن وتداعياتها، لاسيما اتفاقيات التطبيع والتحالف الامني بين دولة الاحتلال الاسرائيلي وكل من الامارات العربية المتحدة والبحرين وما يشاع بأن خمسة أو ستة دول عربية ستخطوا نفس هذه الخطوة، ومنها العربية السعودية والسودان والمغرب وعمان. وهو الامر الذي ان تم سيعرض العمق العربي للفلسطينيين للاختراق ويترك الفلسطينيين وحيدين في مواجهة صفقة "سلام" ستؤدي حتما الى تصفية القضية الفلسطينية من خلال خلق "دولة" ممزقة، أستطيع ان اسميها "دولة الكباري"، بدون القدس والغور وبدون عودة اللاجئيين.

ليس من المنصف ترك الفلسطينيين وحيدين في صراعهم مع الاحتلال الاسرائيلي، وخاصة أن وجود دولة قوية وغير مقيدة في المنطقة مثل اسرائيل، سيسهل على هذه الدولة ابتلاع دول الشرق الاوسط الصغيرة والضعيفة، لاسيما أن غالبية الدول العربية منهكة بالحروب والثورات والصراع مع قوى كبيرة مثل ايران أو تركيا. وبالضرورة، فان قيام السلطة الوطنية الفلسطينية باعادة ترتيب البيت الداخلي ومحاولة رأب صدع الانقسام من خلال الانتخابات العامة سيؤدي الى تعزيز قدرة الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال أولا، وسيسهل عليهم أيضا الانضمام الى محور "الممانعة" ، وهو المحور الذي سيشكل في المنطقة لمواجهة المحور الامريكي الخليجي الاسرائيلي الهادف الى تطبيق صفقة القرن ومنح شرعية الوجود والتعايش في المنطقة لاسرائيل ومواجهة الخطر الايراني. من هنا، فانه اذا استمر المحور الاخير بالامتداد والتوسع ليشمل أكثر من عملية التطبيع من خلال التحالف الخليجي الاسرائيلي الاستراتيجي فان الفلسطينيين لن يجدوا مخرجا لمواجهة هذا الامر سوى الانضمام لمحور الدول المعارضة لهذا التوجه مثل تركيا وقطر وسوريا وربما دولا أخرى في المغرب العربي. من هنا، أود أن أؤكد بأنه لن يكون بمقدار الفلسطينيين في ظل الانقسام الانضمام لهذا المحور- اقصد محور الممانعة- بدون اتمام ملف المصالحة، وهو الامر الذي دفع بالاسراع في خطوات المصالحة والانتخابات خلال الشهرين المنصرمين.

الاشكالية الرئيسية في الطرح السابق، هي أن مقاربة الاستعجال في اجراء الانتخابات والمصالحة قد تؤدي الى نتائج كارثية على صيرورة النظام السياسي الفلسطيني. فالكل الفلسطيني يرفض ان يكرر تجربة الانتخابات التشريعية في عام 2006، حيث كان الاتجاه العام في الشارع الوطني ينحو نحو الاجماع والتوافق على مرحلة جديدة في النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتفاضة الثانية. وكان الرئيس أبو مازن يسعى لايجاد شرعية انتخابية لحركة فتح بعد أن نجح في الانتخابات الرئاسية وفقا لبرنامج انتخابي يهدف الى العودة الى المفاوضات لتحقيق التسوية العادلة. وللاسف، فان النتيجة المتسرعة لخطوات التوافق الوطني التي كللت باجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة عام 2005 أدت الى التوافق على نظام انتخابي غير ملائم وغير مدروس بالشكل الكافي، كما أدت هذه الخطوات الى التسارع في عقد انتخابات دون الانهاء من التعديلات الاساسية في النظام الدستوري. فقد أدت الانتخابات وفقا للنظام الانتخابي المختلط، وفي ظل عدم التزامن بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية الى خلق "حالة التعايش"؛ حيث الرئيس من حزب ورئيس الحكومة من حزب اخر وحزب الرئيس ليس ممثلا في الحكومة. وفي ظل نظام سياسي وليد وغير متكيف بالشكل المطلوب مع حالة الجمود والاستعصاء التي تترافق في العادة مع حالة التعايش فان النظام السياسي الفلسطيني بعد انتخابات عام 2006 أصيب بالجمود وانكسار الديمقراطية. الان، وفي ظل التغيرات السياسية الوطنية والاقليمية والدولية، فان الجميع في الشارع الفلسطيني لا يريد أن يكرر تجربة عام 2006. وفي السياقات السياسية ذات العلاقة، فلا احد يسعى لانتخابات يمكن أن تجر الى مزيد من الانقسام او تكريس الانقسام الحالي. ومن زاوية أخرى، فلا أحد يريد من العلمية الانتخابية ان تبعد المشروع الوطني عن الغاية الرئيسة من هذه العملية؛ وهي التخلص من الاحتلال، باعتبار أن عملية الانتخابات يمكن ان تشكل حالة من الاشتباك بين الفلسطينيين والاحتلال، وتععبر هذه العملية في جوهرها عن الرغبة الوطنية والارداة الحرة في التحرر واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

من خلال التحليل السابق، أجادل في أطروحتي هذه بأن الانتخابات التشريعية القادمة يجب ان تمازج بين مدخلات ثلاث مقاربات رئيسية؛ اذا ما اريد لها النجاح وتحقيق الغايات الوطنية العليا. هذه المقاربات على النحو التالي:

أولا: مقاربة الانقسام

تشير الدراسات المقارنة في حقل النظم السياسية بأن الانتخابات في الدول المنقسمة تؤدي في غالبيتها الى تكريس الانقسام؛ وذلك بسبب ضعف الثقة المبادلة بين الفرقاء، وغياب المصالح المشتركة، وعدم الوثوق باحترام نتائج الانتخابات. وبالضرورة، توصي هذه الدراسات باتباع مجموعة من الاجراءات التي من شأنها التخفيف من آثار عقد الانتخابات في ظل الانقسام؛ أهمها البدأ بخطوات تعزيز الثقة المبتبادلة، وتطوير الانظمة القانونية والقضائية، وتشكيل حكومات ائتلافية تحضر للانتخابات، وحل الخلافات القائمة بين الفرقاء. وبعد الانتهاء من هذه الخطوات جميعها يمكن اجراء الانتخابات على مدى عام الى عامين من البدا بهذه الخطوات.

ثانيا: مقاربة الاحتلال

تواجه عملية الانتخابات تحدي رئيسي في ظل الاحتلال الاسرائيلي، حيث أثبتت التجربة التاريخية للانتخابات السابقة قيام الاحتلال بتعطيل ووضع عراقيل كبيرة لعقد الانتخابات في القدس، اضافة الى اعتقال أكثر من 40 نائبا فلسطينيا جلهم من حماس، بالشكل الذي أدى الى تعطيل العملية التشريعية. وفي السياق نفسه، فان دولة الاحتلال اسرائيل رفضت طلب الرئيس أبو مازن في عقد الانتخابات في القدس العام الماضي، ولا نتوقع أن توافق اسرائيل على اجراء الانتخابات في القدس، خاصة بعد الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة موحدة لها. وبالضرورة، فان أي نظام انتخابي ستجري الانتخابات القادمة في اطاره يجب أن يتضمن صيغة مقبولة لاجراء الانتخابات في القدس مثل استخدام أداة الانتخابات الالكترونية او تقنية البلوك تشين، او من خلال البريد. كما يجب أن يتضمن النظام الانتخابي صيغة للتصويت للنواب المنتخبين والقابعين داخل المعتقلات الاسرائيلية . وفوق هذا وذاك، فانه على أي صيغة انتخابية أن تحدد أنظمة الكوتا المقبولة والمتوافق عليها وطنيا، ولا اقصد هنا الكوتا النسوية او المسيحية، وانما أقصد تلك "الكوتات" التي تساهم في مقاومة الاحتلال مثل كوتا للاسرى أو كوتا للمقاتلين القدماء او كوتا لمناضلين وغيرها من الكوتات التي تشير ببوصلة الانتخابات الى مقارعة الاحتلال.

ثالثا: مقاربة النظام السياسي الفلسطيني

ليس النظام السياسي شبه الرئاسي هو النظام الاكثر ملائمة لديمومة واستقرار الانظمة الديمقراطية لاسيما الوليدة منها كما هو الحال في النظام السياسي الفلسطيني، فالانظمة البرلمانية في العادة هي اكثر استقرارا وأكثر تكيفا مع المتغيرات السياسية وغيرها. ومع ذلك، فانه لو افترضنا بأن الفرقاء متفقون على استمرار العمل بالنظام شبه الرئاسي بالرغم من احتمال تكرار "حالة التعايش" في ظله لاسيما أنه يشاع بأن الانتخابات الرئاسية لن تكون متلازمة مع التشريعية وهو الامر الذي يزيد من احتمال ظهور حالة "التعايش"، فانه من المنطقي أن تحدث تغييرات واصلاحات حقيقية في النظام السياسي الفلسطيني القائم لاسيما أن القانون الاساسي المعدل للعام 2005، توجد عليه العديد من الملاحظات والثغرات القانونية، وخاصة فيما يتعلق بصلاحيات الرئيس وصلاحيات المحكمة الدستورية، وحتى في الانظمة الحاكمة للمؤسسة التشريعية والامنية. وبالضرورة، فان التوافق الوطني على مسودة دستور فلسطين مع بعض التعديلات يمكن أن يكون مدخلا مهما وضروريا لعقد اي انتخابات. ومن جانب أخر، فان توضيح العلاقة السياسية والقانونية بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية يعتبر أيضا ضروريا لعقد أي انتخابات حتى لا تتكرر تجربة عام 2006. وحتى في ظل اعادة تشكيل منظمة التجرير الفلسطينية وادخال حماس وغيرها من الفصائل الوطنية في اطار مؤسسات المنظمة، فان توضيح العلاقات القانونية والسياسية بين المنظمة والسلطة يعتبرا هاما وضروريا في المرحلة القادمة لاسيما اذا ما تم اعلان الاستقلال لدولة فلسطين من جانب واحد، او اذا قامت اسرائيل باعتقال وابعاد عدد من القادة الفلسطينيين أو الحكومة الفلسطينية الى خارج الاراضي الفلسطينية.

ومن خلال تحليل هذه المقاربات الثلاثة، فان اي انتخابات قادمة يجب أن يكون لها "نكهة فلسطينية خاصة"، بغض النظر عن طبيعة النظام الانتخابي المستخدم. وفي السياق نفسه، أجادل في هذه المقالة بأن أفضل طريقة لانجاح العملية السياسية في فلسطين هو استخدام "الديمقراطية التوافقية" وليس فقط التوافق بين الامناء العاميين للفصائل. وأقصد هنا بالديمقراطية التوافقية الديمقراطية التي تحقق اكبر قدر من المشاركة لاكبر قدر من الفئات والاحزاب والجماعات، بمعنى المشاركة في القوة. وهذه الديمقراطية التوافقية تعتبر اسلوب ناجح متبع في العديد من الدول الغير متجانسة مثل بلجيكا وسويسرا وجنوب افريقيا والى حد ما لبنان والعراق. والنقطة التي أطرحها في هذه الجدلية تكمن في أن التوافق بين فصائل العمل الوطني خطوة مهمة وضوروية من أجل انجاح العملية السياسية في فلسطين. ولكنها خطوة غير كافية بتاتا. لان بذور الانقسام الايديولوجي والسياسي تعززت وتتعزز باستمرار، ولان الاحتلال وتداعياته بما فيها صفقة القرن وتصاعد الضغوط العربية والدولية على الفلسطينيين مستمرة، ولان النظام السياسي الفلسطيني هو نظام غير مستقر وجديد نسبيا. وكل هذه العوامل تدفعنا الى اختيار مقاربة جديدة لاتمام العملية السياسة وانجاح المصالحة والتفرغ لمقارعة الاحتلال. هذه المقاربة الجديدة هي الديمقراطية التوافقية. والتي تنطلق من أربعة ركائز أساسية هي:

استخدام النظام الانتخابي النسبي في الانتخابات التشريعية، وهو الامر المقر من قبل الفصائل الفلسطينية.

تشكيل ائتلاف حكومي واسع يضم مختلف الاحزاب والجماعات السياسية والدينية في الوطن، بحيث لا يحصل أي حزب على الاغلبية البسيطة لوحده في هذه الحكومة.

فيتو الاقليات السياسية و الاجتماعية على اي قانون يمس بالثوابت الوطنية العليا مثل قضايا القدس واللاجئين والدولة وغيرها.

اللامركزية في ادارة الشأن الداخلي، وهنا يمكن اعطاء بعض مزايا اللامركزية في ادارة الحكم المحلي في قطاع غزة من اجل ادارة الشأن الداخلي وزيادة فرص المشاركة والاستقرار.

زيادة قوة ومرونة النظام القانوني والدستوري في مواجهة القوة السياسية لمؤسسات الدولة مثل تعميق الكوربراتية وتعزيز السلطة القضائية.

وبالضرورة، فانني وفي ظل هذه المقاربة، أوصي الفرقاء الفلسطينيين باتباع عدد من الخطوات المتتابعة الهامة والضرورية لانجاح العملية السياسية في فلسطين؛ وذلك على النحو التالي:

أولا: تشكيل حكومة توافقية واسعة يتم التوافق عليها من قبل الامناء العامين للفصائل الوطنية وتؤدي هذه الحكومة مهمة انجاز ملف الديمقراطية التوافقية وانهاء الانقسام.

ثانيا: البدأ بخطوات ممأسسة وجدية تهدف الى انهاء ملفات الانقسام الاساسية مثل ملف الرواتب، وملف الشهداء والجرحي في احداث عامي 2006 و2007، وملف معابر غزة والملف الامني وملف المنظمة.

ثالثا: التوافق على الاصلاحات الدستورية المطلوبة lمثل قانون الاحزاب وقانون الانتخابات وغيرها، واعتماد نسخة دستور دولة فلسطين مع اجراء بعض التعديلات على هذه المسودة.

رابعا: تأجيل الانتخابات حتى نهاية العام القادم من أجل اعطاء فرصة حقيقية لتجاوز الخلافات الرئيسية وتشجيع المصالح المشتركة بين الفرقاء.

خامسا: أن تعقد الانتخابات الرئاسية بشكل متزامن مع الانتخابات التشريعية وفي مدى لا يتجاوز الستة شهور بين المرحلتين. ومن ثم، يتم تنظيم العملية الانتخابية لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية في موعد لا يتجاوز العام واحد من الانتخابات الرئاسية.