الخميس: 26/11/2020

القضية الفلسطينية وإعلان بلفور

نشر بتاريخ: 19/10/2020 ( آخر تحديث: 19/10/2020 الساعة: 19:33 )

كتب: منيب رشيد المصري

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

هذا هو التصريح الذي صدر قبل مئة وثلاثة أعوام وقبل صك الانتداب بعامين ليكون أصل معاناة الشعب الفلسطيني والتمهيد الفعلي لانتهاك حقوقه وسلب أرضه ومقدراته ، فلا يمكن تبرئة الحركة الصهيونية ومن خلفها حكومة بريطانيا وكل من شارك في إعمال هذا التصريح من المجازر والمآسي التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وبخاصة جريمة اقتلاعه من أرضه وتشريده هذه الجريمة التي لا زالت مستمرة حتى الآن.

هذا ليس مجرد تصريح وإنما شهادة ميلاد دولة وقعت بحروف من العار والظلم والبطلان ، ونهج إحلالي واحتلالي رسمته بريطانيا ونفذته بدعم وشراكة كاملة من الحركة الصهيونية ، هذا التصريح الذي لغى وجود وحقوق الشعب الفلسطيني الذي كان يشكل 93 % من سكان فلسطين وليعرف هذا الشعب بأنهم طوائف غير يهودية اعترف بحقوقهم المدنية والدينية مثل الحق في التنقل والحق في العبادة ومنح من نسبتهم 7% فقط وهم اليهود كامل الحقوق.

شكلت بريطانيا وأمريكا أساس الدعم الخارجي من خلال عصبة الأمم لتحقيق أهداف الصهيونية حيث جاء صك الانتداب على فلسطين الذي وضع موضع التنفيذ في 29/9/1922 ليعطي قوة دفع للمشروع الصهيوني على أن تكون بريطانيا هي الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد سياسيا وإداريا واقتصاديا بما يضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي، ذلك الصك الذي جاء بناء على وعد وزير الخارجية البريطاني جيمس بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

إن جملة الجرائم التي ارتكبتها حكومة بريطانيا أثناء حقبة الانتداب على فلسطين هي جزء من تنفيذ مخطط الحركة الصهيونية الذي بدأ قبل ميلاد سيدنا المسيح ، والذي من ضمنه تمكين ودعم الحركة الصهيونية وتشجيع وفتح باب هجرة الصهاينة إلى فلسطين في سبيل الإعداد والتمهيد لإقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين التاريخية، وبالتوازي ضرب الحركة الوطنية الفلسطينية، وغض الطرف عما يقوم به الصهاينة من استعدادات عسكرية لاستلام زمام الأمور مع انتهاء مدة الانتداب، كلها حقائق تؤكد ليس فقط تواطئ حكومة بريطانيا مع الحركة الصهيونية وإنما أيضا دعمها والوقوف ورائها لتحقيق أطماعها على أرض فلسطين.
في الفترة التي بدأت فيها بريطانيا بالانسحاب التدريجي من فلسطين، مع قرب انتهاء حقبة الانتداب، كانت الحركة الصهيونية تعد نفسها للاستيلاء على فلسطين وهذا ما حصل فعليا حيث استطاعت الحركة الصهيونية الاستيلاء على قرابة 78% من فلسطين التاريخية وإعلان دولتها وإعلانها ضم القدس واحتلال العديد من الأراضي العربية ، التي كانت خطوة في إقامة هذه الدولة من النيل إلى الفرات، ونرى الآن هذا الأمر يسير على أرض الواقع من خلال الربيع العربي الذي تحول إلى خريف عربي يهدف لإضعاف الأنظمة العربية وتركيعهم وليتبعها الإعلان عن يهودية دولة إسرائيل وإنكار حقوق غير اليهود تماما كما نص إعلان بلفور رغم تفوق عدد الفلسطينيين على الإسرائيليين على أرض فلسطين وتساوي عدد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج مع عدد اليهود في العالم ليتبع ذلك إعلان صفقة القرن ومخططات الضم و تطبيع شكلي أقنعت به بعض الأنظمة ورفضته الشعوب وهدفه تصفية القضية الفلسطينية .

تأملنا باتفاق أوسلو خيرا، وعدنا إلى أرض الوطن مع القائد الرئيس ياسر عرفات، وكان لدي ولدى الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني أحلاما وأماني كبيرة بأن هذا الاتفاق سيؤدي إلى إزالة الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، ولكن للأسف نكثت إسرائيل بهذا الاتفاق وادخلتنا في متاهة كبيرة، وتحطمت الآمال بالسلام العادل والشامل وعدنا إلى نقطة الصفر والسعي إلى التطبيق الفعلي لتصريح بلفور، ونالنا من هذا الكثير، وأعادت دولة الاحتلال فعليا سيطرتها التامة على الضفة الغربية وحاصرت قطاع غزة وواصلت عزلها لمدينة القدس، وأمعنت في القتل والتدمير وزادت وتيرة الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتنصلت دولة الاحتلال من كل الاتفاقيات، وبات واضحا لدى الجميع بأن حل الدولتين أصبح صعبا لا بل قد يكون مستحيلا.

لم تكتف بريطانيا بقيادة هذه الجريمة الجسمية التي تخالف كافة القيم الإنسانية والأخلاقية ومبادى حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي ، بل تمادت بالتعبير عن اعتزازها بهذا التصريح وتنفيذه حين أعربت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عن فخرها بالدور الذي لعبته بريطانيا في تأسيس دولة إسرائيل في يوم الاحتفال بالذكرى المئوية لإعلان تصريح بلفور.

ما بني على باطل فهو باطل، وهذا أساس قانوني يمكن البناء عليه قانونيا، لذلك لابد من تبني مشروع متابعة حقوق الشعب الفلسطيني قانونيا وتفعيل استثمارنا للأدوات القانونية لمحاكمة حقبة الانتداب، والتوجه بعدها إلى كافة أنواع القضاء وأينما كان هناك إمكانية لمحاكمة كل من تسبب في نكبة الشعب الفلسطيني وتشريده.

لقد تشكلت هذه الرؤية كإحدى مخرجات مؤتمر الاستراتيجية الوطنية لمواجهة صفقة القرن وسياسات الاحتلال الذي نظمه التجمع الوطني للمستقلين وبالشراكة مع جامعة القدس ووزارة العدل ومعهد ماس عطفا على اجتماع القيادة بتاريخ 19/5/2020 والذي تحلل فيه الرئيس من كافة الاتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل .

إن الهدف الأساسي من هذه الرؤية هو فتح جبهة قانونية ضد كل من تسبب بضرر وظلم للشعب الفلسطيني، واعتدى على حقوقه، منذ وعد بلفور في العام 1917 و الذي أسس لقيام "دولة إسرائيل" وسلب من الشعب الفلسطيني حقوقه السياسية والمدنية، وتعامل مع هذا الشعب الضاربة جذوره في عمق التاريخ على أرض فلسطين على أنه "أقلية" ليس أكثر.

وإلى جانب الجبهة القانونية التي سنعمل على فتحها في المستقبل القريب فلا بد أيضا من فتح جبهة أخرى على مستوى التوعية والإعلام ليبقى هذا الظلم راسخا في ذهن الأجيال الناشئة ولنزرع فيهم إرادة مقاومة هذا الظلم وانتزاع الحق الفلسطيني ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية تعزيز منهج الثقافة الوطنية في نظام التعليم في فلسطين خاصة وأن تجربتي الشخصية تؤكد أن التوعية تبدأ من المدرسة فقد ترسخ في ذهني وعد بلفور وتفاصيله منذ أن كنت طالبا في الصف الأول وتعلمنا معنى هذا الإعلان على يد المعلم راغب ملحس ، وهذه وصية لكل معلم ولكل أسرة فلسطينية أن يكونوا أصحاب رسالة في توعية الأجيال الناشئة بأبعاد إعلان بلفور وتبعاته وكل أشكال الظلم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني.

نعتقد بأن هذا الموضوع ليس موضوع قانوني بحت، وإنما هو موضوع حقوقي سياسي لنا من خلاله أن نجرم من تسبب بالضرر بشكل قانوني، ونعزز الحق الفلسطيني، ونعيد فتح موضوع تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية.

إن هذا الموضوع يمس كل فلسطيني ومما لا شك فيه بأن كل فلسطيني تضرر من هذا الإعلان ، بل وما زال كل أبناء شعبنا الفلسطيني يتضررون من هذا الإعلان وعلى مستوى تجربتي الشخصية فقد تعرضت للإصابة والضرب أثناء فترة الانتداب البريطاني وشاهدت تعرض والدتي وأخوتي للضرب أكثر من مرة ووالدي الذي توفي مبكرا بعد ملاحقته المستمرة من قبل قوات الانتداب ، وأتحسر يوميا على حفيدي الذي أراه يتألم كل دقيقة بعد إصابته خلال تظاهرة للاحتجاج على الاحتلال الذي نشأ بشهادة ميلاد بريطانية.

نعم إعلان بلفور جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وعار ولعنة سيبقى في تاريخ المملكة المتحدة ، وتاريخ البشرية التي تقف متفرجة أمام الجرائم المتواصلة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني . ولكن هناك حقيقة يؤمن بها كل فلسطيني هي حقيقة الحق الفلسطيني بفلسطين و الحق يعلو ولا يعلى عليه و الظلم ما هو إلا صبر ساعة وحقنا واضح وضوح الشمس والشمس لا تغطى بغربال والذي لا يرى من الغربال فهو أعمى نعم سينتصر شعبنا وسيعود اللاجئين وسنرفع علم فلسطين فوق القدس وسيكون إعلان بلفور مجرد ذكرى مشؤومة.