الأحد: 29/11/2020

ماكرون يُجدّف سباحة في نار الطابون

نشر بتاريخ: 28/10/2020 ( آخر تحديث: 28/10/2020 الساعة: 19:25 )

الكاتب: السفير منجد صالح

يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أدمن التجديف في المياه العكرة عكس التيّار. فمنذ نشأته "الراقصة" صبيّا فتيّا مع معلّمته، عشيقته، والآن زوجته والسيدة الأولى بريجيت ماري كلود ماكرون، ما زال يعشق خوض غمار "الأماكن الخطرة"، والتجديف في "المياه العميقة"، بروح التحدّي وحتى الرعونة.

الرئيس ماكرون إفتعل مع العالم الإسلامي ومع الإسلام مُعضلة كبيرة، "تحرّشا" تفوح منه رائحة العنصرية و"الحنين" إلى الماضي، إلى ماضي الإستعمار القديم، بأدوات جديدة، ورغبات جديدة وأطماع جديدة.

وما زيارتيه إلى لبنان في شهر واحد بعد التفجير الإجرامي "المقصود والمُفتعل" لميناء بيروت الجريحة إلا أحد عناوين الحنين والعمل للعودة إلى الماضي الإستعماري، بالرغم من تغليف الزيارتين بطابع إنساني وفنّي بزيارته إلى بيت السيدة فيروز، وبكائه على كتف المغنية الملتزمة ماجدة الرومي ووعده لها: "ستكونون بخير"ّ!!!

لم ير لبنان حتى الآن من "خير ماكرون" لا قمحا ولا دقيقا، ولم يُجّند ماكرون الندوات والورشات لجمع الملايين ومساعدة لبنان في محنته ومصابه، كما وعد "بعظمة لسانه".

وما زال لبنان حتى اللحظة "ببركات ماكرون" يتأرجح و"يتخبّط" بين مدّ وجزر ولا يقوى حتى على تشكيل وزارة جديدة تُدير شؤون البلاد والعباد وتتصدّى لتبعات مصيبة تفجير المرفأ ولتبعات الأزمة الإقتصادية الخافقة التي تصب الزيت على نارها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي لم تستطع "نفخات" ماكرون المُصطنعة من التخفيف من أوارها وزيادة إشتعالها.

لماذا "يتنطّح" ماكرون لحوالي 2 مليار مسلم، في مشارق الأرض ومغاربها، ويُصرّ على تبنّي الرسوم المسيئة لحضرة النبي صلى الله عليه وسلّم؟؟!!

أولا يجب ان نعرف وأن نكون على قناعة تامة بأن ماكرون "لا ينطق عن الهوى". فماكرون بحد ذاته وتكوينه ووصوله إلى سدة الحكم في الأليزيه في هذا السنّ المُبكر من عمره ما هو إلا نتاج صناعة "القوّة الخفية" التي تسيطر على مقدّرات العالم، أقصد الماسونية العالمية وكارتيلات المال والصهيونية العالمية.

ماكرون طالب "نجيب" تتلّمذ جيدا على أيدي جهابذتهم وهو يُطبّق ما هو مطلوب منه بحذافيرة إستمرارا لسياسة معاداة الإسلام، التي إخترعتها وإختلقتها وأبتدعتها و"سارت على هديها" الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة بعد "نجاحها" في تدمير التجربة الإشتراكية في الإتحاد السوفييتي ودول أخرى كانت تابعة لحلف وارسو.

فالولايات المتحدة، بحسب تكوينها ونشأتها الوحشية في إبادة ملايين الهنود الحمر، سكان واصحاب ومالكي أمريكا الأصليين، لا تستطيع سياستها الإمبريالية، سياسة الهيمنة واللصوصية والنهب،إلا أن تبتدع أعداء جددا.

وقد وقع الخيار على الإسلام بعد "الحرب الباردة" مع محور الشرق السوفييتي، الذي إنهار، بتحريض ودسائس منهم، على أيدي ميخائيل غورباتشوف وسياساته الرعناء في البيرسترويكا والغلاسنوست.

إذن "العدو الأول" في الوقت الحاضر وإلى حين "أن يرث الله الأرض وما عليها" بالنسبة للغرب المتوحّش الوحشي هو الإسلام، لأن التناقض الرئيس في هذا العالم هو ما بين هذا الغرب المُتغطّرس الإستعماري، ممثّلا حاليا بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ودول الغرب، وعلى رأسها فرنسا ماكرون، وما بين الشرق "الإسلامي" البسيط المتواضع وحتى "الساذج" أحيانا، الذي "يُلدغ من جحر واحد مرتين وثلاث وأربع مرّات"، ويتلقّى الضربات في ظهره وصدره، من الأعداء ومن أبناء جلدته الغشماء، الذين ربطوا مصيرهم الشخصي ومصير عائلاتهم "المكتنزة" بالدولار، بالغرب الوحشي، طلبا للحماية من شعوبهم وجيرانهم!!!!!

وثانيا أن ماكرون بشخصيّته وتكوينه السيكولوجي الفوقي، وبتحريض من اللوبي اليهودي الصهيوني في فرنسا، صانعية وداعمية، يُريد أن يستحضر روح الإستعمار الفرنسي القديم في دول شمال أفريقيا ودول من سوريا الكُبرى، لبنان وسوريّا وغيرها من الدول الأفريقية التي ما زالت ترابط فيها و"تستعمرها" قوات فرنسية تحت بند حماية المصالح الفرنسية والغربية و"معزوفة" محاربة الإرهاب و"التطرّف الإسلامي".

الدول العربية والإسلامية مُحصّنة بالإسلام كدين وكعقيدة وإيمان وكنمط حياة، بغض النظر عن بعض الإجتهادات المذهبية والفروقات والإختلافات ما بين دولة وأخرى، لكن في الجوهر فإن كافة الدول الإسلامية تلتقي على كلمة "لا إله إلا الله محمدا رسول الله".

ولا أدّل على ذلك إلا تلك المظاهرات والإحتجاجات في الدول الإسلامية والتجمّعات الإسلامية حول العالم إنتصارا للنبي (ص) ورفضا لتفوّهات ماكرون الكريهة والبغيضة بحق سيّد الخلق، والتي إمتدّت من تركيا إلى الباكستان إلى إيران إلى بنغلادش وحتى إلى الجالية المسلمة في عقر دار الولايات المتحدة الأمريكية.

بالرغم من أن فرنسا هي مهد الثورة الفرنسية وقيم المساواة والديمقراطية إلا أن فرنسا تحمل في جيناتها الرغبات الإستعمارية، وقد جاء ماكرون ليُغذّيها ويعود بالبلاد إلى ما قبل الثورة الفرنسية، إلى عهد الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت التي قالت لحشود الجياع حول قصرها الذين لا يجدون كسرة خبز ليأكلوها: "فلياكلوا بسكوت"!!!

فهل يوزّع ماكرون على العرب والمسلمين من "بسكوت ماري أنطوانيت"؟؟؟!!!

نحن أرض الرسالات والتسامح، والأديان التوحيدية الثلاث مصدرها واحد ورسالتها واحدة، ونحن "لا نُفرّف بين أحدا من رُسله" ولا يمكن أن نتعامل بنفس الطريقة الفجّة البغيضة التي يتعامل بها ماكرون ومن هم على شاكلته من كارهي الشعوب وكارهي الحق ومفتقدي الشعور الإنساني الحقيقي، وأن "لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى".

نحن مهد المسيحية، ومسقط رأس أوّل معذّب في هذه الأرض، سيدنا عيسى بن مريم التلحمي الناصري، الذي تآمروا علية ووشاه هودا الأسخريوطي وعذّبوه وصلبوه. قال تعالى في كتابه العزيز: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم"، صدق الله العظيم.

ماكرون يجدّف سباحة في نار الطابون التي ستكويه، فهو يلعب بالنار، ولم يتّعظ من تجارب سابقيه، ويعمل على إحياء أخطاء صحيفة "شارلي أبيدو" وينفخ في نارها. ماكرون يدق الباب الهادئ بقبضات من نار، ومن يدق الباب سيتلقّى الجواب.

لسنا مع العنف بل نمقته، ولسنا مع الإرهاب بل نرفضه، فنحض ضحايا للعنف والإرهاب والإحتلال، وشبابنا يُقتلون دون ما ذنب إقترفوه على الحواجز وفي بيوتنا وبين اشجار زيتوننا.

هل يُريد ماكرون في أن تستمر بلاده في حمل وزر عار متحف الجماجم الفرنسي، الذي ما زال محتفظا بجماجم أبطال حرب التحرير الجزائرية رفاق بن بيلا وهواري بومدين وجميلة بوحيرد، الذين أعدمهم جنود الإحتلال الفرنسي للجزائر وقطعوا رؤوسهم وشحنوها إلى "بلد الثورة الفرنسية" ودشّنوا منها وبها متحفا رهيبا مجنونا وكأنهم يحتفظون بمجموعة من الدمى أو الأقنعة البلاستيكية أو من الكرتون المُقوّى.

لقد إستعادت الجزائر بعضا من "جماجمها" المحفوظة والمعروضة "للفرجة" في المتحف الفرنسي، بعد سنوات من عذابات الجماجم وعذابات عائلاتهم المكلومة المكويّة بنار حقد الإستعمار الفرنسي الغابر.

ماكرون يتنابز ويتبارى ويتنافس، في عنصريته وعنجهيّته، مع مواطنتة اليمينية المتطرّفة ماري لوبن، زعيمة حزب الجبهة الوطنية، المعادية للفرنسسيين من أصول مغاربية وعربية وإسلامية، والتي ورثت الزعامة والتطرّف عن والدها المتطرّف المُتعجرف جان ماري لوبين.

في فرنسا الإستعمار يولّد إستعمارا والتطرّف يتوالد تطرّفا ويتوارث التطرّف من جيل لجيل.

أختم بأغنية عبد الوهُاب الدُكالي، المُغنّي المغربي، بأغنيته الشهيرة الحزينة المُعبّرة بعنوان: "في مونبرناس"، التي تعكس صورة قمع الشرطة الفرنسية وقتل قناص فرنسي حاقد لشاب مغربي فرنسي مُسالم.

تقول الأغنية:

"في مونبرناس مات خويا يا بويا، برصاص قنّاص عنصري يا بويا، بالحقد أعمى، تربّى وعاش يكره الناس، في مونبرناص، مات خويا يا بويا. في مونبرناص سال دم أحمر دم أحمر، وبكات طيور الفجر، طيور الفجر، ودم خويا يا بويا .. إنّو عربي عربي ولونه أسمر ...".

كاتب ودبلوماسي فلسطيني