بمستوى عدالة القضية يأتي تضامنهم

نشر بتاريخ: 27/11/2020 ( آخر تحديث: 27/11/2020 الساعة: 12:10 )

الكاتب:

الكاتب: ميساء أبو زيدان.

وقف (ياسر عرفات) في الثالث عشر من تشرين الثاني عام 1974 مخاطباً العالم عبر منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ممثلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، معتمراً كوفيته، ومتسلحاً بالإرادة الوطنية ليؤكد أن أية محاولات ترمي لإنهاء وجود الشعب الفلسطيني على أرضه أو تصفية قضيته العادلة هي في حقيقتها تهديدٌ لاستقرار وأمن العالم فـ "الحرب تندلع من فلسطين والسلام يبدأ من فلسطين" كما جاء في خطابه يومها، وبأن تلك المحاولات ستبوء بالفشل فالحق لا يسقط بالتقادم ونضال الشعوب حتميته النصر، مررها (تأكيداً) عبر إشارته الهامة عندما استعرض التجربة الجزائرية وكيف ارتقت الإرادة الوطنية (حينه) لتتبوأ رئاسة الجلسة عبر وزير خارجيتها (عبد العزيز بوتفليقة)، الذي رحب بدوره بـ"ممثل الشعب الفلسطيني"، كما لم يُفوِّتها لاعتباراتٍ ديبلوماسية بأنه "القائد العام للثورة الفلسطينية". لقد كانت سابقة بأن يلقي ممثل حركة تحرر وطني خطابه في مقر الإرادة الدولية للدرجة التي دفعت المراقبون الأميركيون بأنه يطلقوا على ذلك اليوم بـ (يوم عرفات)، يومَ احتشد العالم (محتفيّاًّ) في القاعة الأممية لسماع صوت فلسطين.

بين الأعوام (1974-1979)، تحديداً منذ الثاني والعشرين من ذات الشهر والعام، توالى صدور القرارات الأممية التي تؤكد بمجملها على أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف وأنه لا يمكن لأية جهةٍ كانت أن تُمثله بعيداً عن منظمة التحرير الفلسطينية التي ستصبح العضو المراقب في الإطار الأممي. قبل تلك الأعوام ومنذ النصف الثاني للعقد الخامس في القرن العشرين صِيغت الإرادة الوطنية للشعب الذي ورِث كما باقي شعوب المنطقة التركة الثقيلة، التي ما إن تخلصت من حِقبة استعمارية استنزفتها لقرون حتى خاضت معارك الإستقلال مع قوى الغرب التي استباحتها وقسمتها، تشكّلت تلك الإرادة فِعلاً مدوياً بهدف إسماع العالم صوت فلسطين الأرض والشعب عبر ثورته التي تفجّرت عام 1965 فالصراع فيها وعليها تَمَركزَ. لقد سمع العالم وتجلى موقفه خلال السنوات تلك وبواسطة شرعته وأطرها، في محاكاةٍ عبقرية من قادة الثورة حينه للواقع الدولي بتحالفاته وقواه على اختلاف توجهاتها وصياغاتها، نسجوها انطلاقاً من فهمهم العميق لطبيعة الصراع الذي يخوضه شعبهم، وبقراءتهم الواعية للواقع المحيط بهم بمستوياته المختلفة حينه.

في أيلول العام 2011 ومن ذات المنصة الأممية توجه أحد قادة الثورة (محمود عباس) مخاطباً العالم مرةً أخرى، ومسائلاً الشعوب (عبر ممثليها الحاضرين يومها) عن مواقفهم تجاه القضية الأعدل، وبأن ينتصروا لها إسناداً للشعب الفلسطيني وصوناً لحقوقه التاريخية ولتضحياته ، خاطبهم قائلاً: " جئتكم اليوم أحمل رسالة شعب شجاع فخور؛ فلتكن جميع شعوب العالم مع الشعب الفلسطيني وهو يمضي بثبات نحو موعده التاريخي مع الحرية والاستقلال، الآن، وأرجو ألا ننتظر طويلا"، أجاب العالم فلسطين في تشرين الثاني من العام 2012 ومنحها دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة، رغم الضغط المهول الذي مارسته القوة الداعمة للاحتلال ضد الفلسطينيين والعالم برمته، حيث صوتت (138) دولة لصالحها.

يتشكك الكثير بجدوى مثل تلك القرارات الأممية، كقرار الإحتفال باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني،كما التشكيك بجدوى الفعل والحراك السياسي والديبلوماسي (بأنواعه) وبالمستويات المختلفة، متناسين أن التطور التاريخي الذي شهدته القضية الفلسطينية جاء حصيلةً المسيرة النضالية المتعددة الأوجه، وبأن الشعب يسطر يومياً ملاحم بطولة في وجه القوة الإحتلالية وحلفائها الداعمين متجاوزاً مآسيه وعذاباته، وبأن الصراعات اتخذت من الصيغ الغير نمطية منهجاً يتناسب ومصالح الأطراف المنخرطة بها، وبأن العالم اليوم اختلف عن الأمس . ويبدو أيضاً أن تلك الجموع المُشكِكة تجهل قدرة الشعوب على صياغة مواقفٍ حاسمة في المعادلات الدولية! وبهذا السياق نذكرهم بعبارة مندوب فنزويلا في الأمم المتحدة حين صدح: "العالم ليس للبيع" في وجه الإدارة الأميركية عام 2017 رفضاً لاعتبارها مدينة القدس عاصمة لكيان الإحتلال، الموقف الدليل على أن اختلاف الأدوار والمواقع لا يمكن أن يأتي على ما تكتنزه الشعوب كما ممثليها من مواقف داعمة للقضية الفلسطينية العادلة.

لم ينخرط الشعب الفلسطيني في مساره التحرري فاقداً الثقة بإرادة الشعوب المؤيدة لنضاله وحقوقه، ولم يُراكِم انتصاراته بعيداً عن إسناد العالم بشعوبه المختلفة، بل كان مؤمناً بأنه جزءًا أساس في المكون الإنساني والحضاري، ومُنطلِقاً من شراكته الفعلية والشعوب كافة لإرساء السلام وصون قيم الإنسانية في وجه القوى الظلامية والرجعية. وبالمستوى هذا تأتي ولا زالت محاولات عزله عن حاضنته العربية وشعوب العالم التي يجهدها قادة الإحتلال وقواه اليمينة عبر ماكيناتهم الصهيونية كونهم أدركوا ما يحظى به الفلسطينيّون من ملكات مكنتهم من عناصر القوة الغير تقليدية. وعليه فإن المصالح الوطنية تقتضي اليوم حفظ علاقتنا بعمقنا العربي وامتدادنا العالمي حرصاً وصوناً لمواقفهم الداعمة، وتبني السياسات الكفيلة بإعادة الاعتبار لمكانة قضيتنا، واعتماد اللغة التي بمقدورها التنبيه من خطورة السياسات الإسرائيلية وحلفائها ومشاريعهم المتطرفة التي تتهدد الاستقرار والسلم العالمي. الأهم هنا هو التنبه من خطاب الانهزام الذي يسعى محاصرتنا وسلبنا ثقتنا بصلابة مواقف الأشقاء والشعوب الحرة الداعمة، فرغم الإعلانات الاستعراضية المحتفية بـمسلسل تطبيعهم (الشكلي) إلا أن كلمة الشعوب ومواقفها الراسخة هي الأقوى؛ وما كلمة الشعب المصري بالأمس حين أعلن موقفه بل ثورته على أحد فنانيه إلا أشرف النماذج التي نستشد بها.