القدس تكتب نصها العظيم على ألواح الزمن

نشر بتاريخ: 12/05/2021 ( آخر تحديث: 12/05/2021 الساعة: 22:49 )

محمد نعيم فرحات*

لا تقع القدس على نهر، ولا تطل على سهل خصيب، وهي ليست موقعا عسكريا حصينا، ولم تقم على طول خطوط التجارة وعرضها لا في العالم القديم ولا في العالم الحديث. وحيزها داخل السور الذي يسيجها بمساحة كليو متر مربع واحد فقط.

لا ينطبق عليها أي معيار من مألوف تعريف المدن، لكنها مدينة المعنى الشاسع الممتد من السماء إلى الأرض ، التي لا تضاهيها أي مدينة أخرى في العالم عبر كل الأزمنة .

إرادة سماوية رسمت القدس وشكلتها على ضفاف السماء وفي ثنايا الأرض وعند تقاطعات الروحي مع الزمني، القدس فكرة عليا تجسدت في قوام ملموس، وأية لم ترفع أقلامها ولم تجف صحفها، كل ما فيها يحيل إلى الأعلى ، وكل ما في الزمن يحيل إليها، وهي من أبدع الشواهد على الغيب، من يمشي فيها يشعر بأنة يتصفح بلاط السماء العظيم.

***

الانتماء للقدس لا يرتبط بالولادة فيها، أو في أكنافها الممتدة من هنا حتى مدينة أور جنوبي العراق مرورا بباب الشام العالي وامتداداته، حيث حددت السماء في هذا الحيز المجال الحيوي لعلاماتها والطريق إليها ومنها، كثيرون هم الذين يشعرون بأنهم من القدس وأنهم يمتلكونها وتتملكهم دون أن يولدوا فيها، ودون أن يتصفحوا شوارعها وشرفاتها.

ليس هناك مدينة تنشد لها الأنظار والأفئدة مثل القدس،وليس هناك حيز عبر الزمن هو ملك رمزي لحشود من البشر على مر العصور،أمم وجماعات وأتباع لهم حق الانتساب لها أو ليس لهم حق مثل القدس، ولم تقم دعوة أو حركة أو امبرطورية أو كيان في العالم المعروف لنا، لم تكن القدس واردة في خياله.كما ليس هناك امتلاك أسس في الزمن لكل هذا المجد وكل هذه الحروب لمدينة وجدت من أجل السلام.

إدوارد سعيد الذي ربح حرب سردية حق القدس وفلسطين،لكنه لم يشأ أن يرى خسارته في القدس وجها لوجه، عندما زار بيته السليب في حي الطالبية الواقع في غربها ، يقول بمناسبة القدس "إن الصراع على المعنى الرمزي هو جزء عميق من الصراع على التاريخ" وصراعات الرموز هو من بين أعقد الصراعات التي تقوم بين البشر، لأنها تقوم على الملموس وعلى امتدادات المعنى الفسيحة معا التي يصعب إلقاء القبض عليها،والقدس مذ وجدت هي ارض الصراع الضاري على التاريخ والمعنى معا، لذلك فإن الصراع عليها لا يتضمن إمكانية الحل الوسط، لان الاتفاق على رواية جديدة مشتركة للرموز لن يتحرر أبدا من المستحيل.

***

لا تستطيع قراءة أي شي في القدس بدون أن تأخذ بيدك أو بناصية وعيك نحو تاريخ عميق، يروي عن لحظات واحداث وازمنة وسنابك خيل وغزاة مروا من هناك ومقاومين مسحوا أثارهم، ويروي عن خير وجمال وتقوى وسحر، وحتى الحجارة لا تكتمل قراءتها دون حصول معراج رمزي نحو السماء لاستكمال البحث عن المعنى وعن صداه، ارتفع الأنبياء في القدس أو عرجوا إلى السماء مرة واحدة، وعي البشر ظل يفعل ذلك مجازا على مدار الزمن.

محمود درويش روى "كيف يقتسم الأنبياء تاريخ المقدس" داخل السور الذي يسيج المدينة، وعن لغة تولدت من" حوار السماء مع القدس".

القدس شأن سامٍ من شؤون السماء وشأن أول على جدول أعمال التاريخ، كيفما كان التاريخ صاعدا أو نازلا أو يعيش ألم الاستقامة كي تستوي القدس في مدارها الأصلي . ما من أحد ظلمها أو اعتدى عليها أو قصر بشأنها، إلا وأصبح أثرا بعد عين.

والقدس هي محك للسلام في العالم أو قلق الحرب واحتمالها، وهي نص نصوص العروبة الثقافية والروحية وعقد الشراكة المتواصل إلى الأبد بين المسيحية الشرقية والإسلام. من استند إليها فهو قوي ومقتدر ومؤيد، لم تكن متروكة في يوم من الأيام من رعاية السماء وعناية التاريخ.

***

اليوم وفي أخر فصول الصراع الذي تخوضه القدس بين قوة الحق وعزيمته وغباء القوة ووهن روايتها، تكتب نصها وموقفها على ألواح الزمن، وتصنع نقطة تحول رمزي في الصراع القائم فيها وعليها، تطيح بصورة العدو،صورة انتصر بها كثيرا، وتكسرها ، وتعصف بما ظنه وقائع قوية في سيطرته على القدس والمجال الذي تقيم فيه، وتصنع صورة المدينة والبلاد المقاومة الصاعدة نحو معنى أخر. وتقول لكل المعنيين موعظتها الكبرى في الخلاص،من خلال فعل مقاوم بسيط شجاع متواصل وبديع، يقوم به عموم الناس وترعاه عدالة السماء وحاجة التاريخ، التاريخ الذي يداوي نفسه في القدس للحفاظ على سلامته واستقامة أحواله.

تقول القدس موعظتها الكبرى لكل المعنيين بمن فيهم من يحتلها، وهي تعرف بالخبرة أنه غير مؤهل لما تعرضه عليه،غير أن سمو رسالتها يتطلب منها فعل ذلك دائما : إن ثقافة الاحتلال قد أفسدت وحطمت وخربت حياة الفلسطينيين وكانت تلويثا للحياة نال الكثيرين، وكانت عدونا على قيم الحق والعدل ، وها هيا ذات الثقافة ترتد علنا وسرا كي تفسد فكرة إسرائيل نفسها، وعلي العدو أن يتدبر أمر خياراته ومصائره.

القدس تعرض علينا أن نرتقي لمعناها وطريقها كي يفضي بنا إلى تاريخ لائق، وهي امتحان الخلاص، من يسقط فيه سيهلك ،وعلينا أن نصغي لها جيدا دون أن نرتكب الأخطاء في الإصغاء: إنها لا تصرخ ولا تستغيث، إنها تنادي في الناس أسوة بكل الدعوات الكبيرة، وتخاف علينا إذا لم نسمع ندائها كما يجب.

واحد من أبناء العروبة الثقافية والروحية من بر تونس بوزن الطاهر لبيب، قال جملة بسيطة قبل أكثر من ثلاثين عاما "إن فلسطين هي أخر معاقل العرب التاريخية" القدس تقول اليوم، إنها معقل الخلاص السماوي والتاريخي للعرب وللعالم، باستقامة أوضاعها كما تشاء السماء والتاريخ المنقى من العدوانية وبؤس السرديات الضالة، يكون السلام،وبتواصل ظلمها سيغفو العالم على حرب ليصحو على أخرى.

*كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين.