اعلام التفكيك والتفريق

نشر بتاريخ: 19/07/2021 ( آخر تحديث: 19/07/2021 الساعة: 13:46 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

يتحول الاعلام بكل أنواعه وأشكاله الى أداة فتّاكة من أدوات القولبة والتأطير والضبط الاجتماعي والسياسي، وإعادة ترتيب الأولويات وتغيير قائمة الاعداء والأصدقاء والخصوم.

ليس من الضرورة اطلاقاً ان يتمتع المشاهد بقدر عالٍ من الذكاء ليكتشف أن الاعلام العربي المرئي بالذات يخلو الى حد كبير من رؤية متكاملة أو شاملة أو ذات اهداف قومية جامعة, و لهذا ليس من الغريب اطلاقاً ان تشاهد قناة عربية و لكنها تبث طيلة الوقت افلاماً غربية و قيماً غربية و سياسة غربية, و كأنها قناة تخترع جمهورها أو تعيد تركيبه أو قولبته.المفجع في الأمر أن هذا الاعلام يفقد صلته بالواقع تماماً عندما يخترع الحاجات و الأهداف و الوسائل أيضاً, و لهذا السبب بالذات,فالمشاهد العربي يجبر على أن يرى عدة أنواع من الاسلام و عدة انواع من العروبة و عدة أنواع من الرؤى التحررية و التنموية, و قد يقول قائل ان هذا التنوع مفيد و يشير الى التعافي السياسي و المجتمعي, و لكن-للأسف- فإن هذا التنوع المضطرب و المرتبك و المشوش في معظمه يصدر عن ذات المصادر,بمعنى أن "السيد" أو "المعلم" واحد وهو قادر على أن يصنع الحزب و نقيضه و الفكرة و ضدها، وهذا ما يذكر برواية الروائي العظيم عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط" , فالاعلام العربي المرئي في معظمه يترجم الاضطراب و التفكك السياسي, و يعكس تماماً غياب الهويات أو تبعثرها أو اعادة تشكيلها أو اختراعها أو اصطناعها أو تشويهها و هي هويات ملتبسة و جزئية تفكك وحدة الشعب و وحدة الوطن و وحدة المرجعيات و وحدة الأهداف أيضاً.وبما ان الاعلام هو جزء أو ذراع من اذرع النظام السياسي أو المجتمعي, فإن هذا الاعلام يسقط في هوة التقليد و التماهي و التشبه و اعادة انتاج النماذج الاقوى أو الاكثر هيمنة و نفوذاً, بكلمات أخرى, فإن معظم هذا الاعلام يتشابه الى حدٍ كبير في ما يقدم و لكنه يختلف في طريقة العرض و السرد ليس إلا. و في هذا فإن الاعلام يقوم عملياً بخيانة نفسه وخيانة قضيته الصغيرة الكبيرة, الخاصة و العامة.تجب الاشارة هنا الى ان التكنولوجيا تقدم عملياً احدى الوسائل الناجعة في ايقاظ الهويات النائمة او اعادة تجميع الجماعات او اعادة تعريفها لذاتها, و قد يفسر هذا تكاثر القنوات الفضائية بطريقة اسرع من تكاثر الفطر بعد موسم ماطر, الاعلام في هذه الحالة يقدم السرد- الذي تحتاجه كل جماعة حسب المنظّرهومي بابا- و يقدم المصطلح و يعيد هالات الاسلاف و هيمنتها. كثرة و تعدد القنوات العربية برأيي جزء من منظومة كاملة جديدة لرؤية مجتمعات جديدة في المنطقة العربية , هذه الكثرة هي جزء من عمليات التفتيت و التذرير و اثارة النعرات و ايقاظ المختلف و طمس المشترك في مقدمة لتفجير المنطقة برمتها, و حتى اكون واضحاً و صريحاً جداً, فإن ما أراه مخيفا تماماً, فهذا الاعلام المختطف و المرتهن و الموظف و المستخدم هو أحد ما يلي؛ فإما إعلام رسمي حذر و شكاك و متوجس و يخلو حتى من البهجة و التفاؤل, يعتقد بالتأبيد و الازلية و الوحدانية المنجية, و لأنه يخلو من الشرعية و الاقناع و التمثيل فهو لا يرى حرجاً بأن يكون الغرب و سقوفه و قيمة جزءاً من منظومته أيضاً, و هكذا نربح اعلاماً رسمياً مضطرباً ما بين ادعاء الأصالة و زيف المعاصرة, اعلام يحرمك النقد و القدرة عليه, و يحرمك من المشاركة الا في طلب الأغاني و المسلسلات.اما الأخطر و الادهى من ذلك كله, فهو الاعلام ذو الأجندات, الاعلام الممول و المشبوه, و المرتبط فعلاً و قولاً, و هو اعلام لا يتورع عن ايقاظ الفتن في المنطقة العربية و بين شعوبها, قنوات تخصصت في الردح و القدح الأعمى و البغيض و المقيت و المقزز, اعلام يستعيد قصصاً انتهت و حروباً تم الاتفاق بشأنها اعلام يكتشف فجأة الفروق بين الأديان و المذاهب و الطوائف و الأعراق و الجهات و التاريخ, اعلام سلفيات و أصوليات علمانية و دينية, اعلام الاختلاف و الخلاف لا اعلام الجدل العميق و المسئول, اعلام مشبوه لأنه لا يحكي عن الاحتلال الاسرائيلي العنصري و لا عن الفقر و لا عن الظلم و لا عن نسبة الجهل و التصحر و المرض في العالم العربي و الاسلامي,و لا يحكي عن أولويات الأمة و أهدافها القريبة, و لا عن الازدحام و التلوث و قلة البحث العلمي و نسبة العنوسة و تناقص الطاقة و اختطاف القرار و تشقق الأمة و محاصرتها و تبعيتها للمحتل من كل نوع و جنس, اعلام لا يحكي عن الضياع و الغياب و قلة الهيبة و قلة الاحترام, اعلام كاذب و ملفق و غبي و متعصب, و حتى لا يفهم كلامي بشكل خاطئ, فإنني اعني كل هؤلاء الذين يدعون انهم يمثلون المذاهب أو الطوائف أو الاثنيات-التي تكاثرت فجأة دون سابق انذار-.وللوضوح و للصراحة, فإنني و لأنني اعرف نفسي باسلامي و عروبيتي و فلسطينيتي, فإنني اؤمن ايمانا قاطعاً بأن كل هذه القنوات التي تضخ الفتنة, بكل شكل و بكل نوع و بكل أنواع اللحى الطويلة و القصيرة و ما بينهما, انما تخدم اعداء امتنا كلهم بلا استثناء, لا يعنيني كما لا يعني الجامعي المغربي العاطل عن العمل و الاردني المغترب و اليمني الذي لا يحصل على دولار في اليوم و المصري المثقف الذي يعمل سائقاً, لا يعنينا هذا الخلاف المفتعل الآن, و الذي لا يخدم أحداً سوى أولئك الذين يريدون تغيير أولويات الصراع و أولويات الضرر و أولويات الخطر, ان ما يعنينا الآن هو التحرير و التعمير و التنمية و الحرية و الكرامة و التخلص من الهيمنة الأجنبية - بكل انواعها و بكل لغاتها-. لنعترف ان انظمتنا السياسية اثبتت فشلها و ها هي تعاني ما تعاني , فإن حرف الصراع و تشتيت الرؤية و التباس العدو أو تغييره يعني احباطاً أو التفافاً على حركة التاريخ الطبيعية.وما بين الاعلام الرسمي و الاعلام المقنع و المشبوه, هناك انواع اخرى من الاعلام يعكس حالة الالتباس و الارتباك و التوهان, فهنالك الاعلام الذي يدعي الموضوعية في زمن لا يسيل فيه الا الدم العربي و لا يغتصب الا الشرف العربي, فتتحول الموضوعية الى موقف معادٍ و مشبوه و مشكوك فيه, ففي زمن الهزائم و الانسحاق فإن عرض وجهة النظر الأخرى تشبه استماعنا لوجهة نظر مغتصب اختنا و هو يقول انها كانت مغرية, و هذا الاعلام العربي الموضوعي موهوم تماماً, فالموضوعية للأقوياء الذين يريدون الاحتلال و القتل, الموضوعية هنا تقنية المحتل لأنه يساوى بين الجلاد و الضحية, و بهذا يستطيع ارتكاب جرائمه لأنه يقتل المرجعية الاخلاقية لأي خبر أو قصة أو فيلم. و هناك الاعلام المتعوي و الاستهلاكي و المغرق في الجهالة و الاثم و الدعارة و التجارة و ما بينهما, و هناك اعلام النصب- نعم النصب- و الدجل.هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟! ولله الامر من قبل ومن بعد.