العشق يفعل ما لا تفعله الجيوش.. جدلية الصّراع بين الظلال العاشقة والظلال السّوداء في رواية لـ عامر سلطان

نشر بتاريخ: 26/09/2021 ( آخر تحديث: 26/09/2021 الساعة: 11:40 )

الكاتب: نصير الريماوي

وصلتني رواية " ظلال عاشقة " من الأخ الرِّوائي " عامر سلطان" الأسبوع الفائت، وهي هدية ثمينة، ويحمل عنوانها في طيّاته الكثير من المحفّزات للقراءة والتحليل، وتحدّي النُّقاد لإضاءتها .

هذه الرّواية، هي الثانية للأخ "عامر" كما وعد القرّاء في روايته الأولى " وادي الغيم"، بأن سيتبعها أجزاء أخرى لاستكمال ما بقي من أحداث.

تتكون الرّواية من(179) صفحة من القطع المتوسط، وهي صادرة عن "دار طباق للنشر والتوزيع"، ويحتضن غلافها لوحة لفتاة ترنو للحرية والانعتاق من عبودبة "الظلال السّوداء" المتوحّشة، وهي من تصميم"أيمن حرب".

إن أول ما يثير ويشدّ انتباه القارئ في هذه الرّواية، هو عنوانها الذي يدفعك بقوة لقراءتها من أجل معرفة ماذا يعني؟ وماذا يتوارى خلفه؟.

أثناء تجوالي في فصولها الثّمانية بحثا عن كنوزها، وجدت أن العنوان يرمز إلى شخصيتين محوريتين هما، بطلا الرّواية "ركن الدّين، ولوسين" من بين شخوص الرّواية، وله دلالات ومعان كثيرة، وتدور حولهما الأحداث لتأخذ أبعادا كثيرة تكشف عن شخصيات عديدة مرتبطة بهما، مؤيدة أو متعارضة معهما.

استطيع القول بعدما انتهيت من قراءتها: إن للظلال دلالات وجماليات في حقول كثيرة، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، أيضا تم توظيفها في النصوص الإغريقية، و في الشِّعر الجاهلي، وفي السياسة، وفي الحياة الاجتماعية، ولها دلالات علمية، كما توجد فلسفة الظّل للفيلسوف الألماني"غوته" الذي يقول فيها:" حيث يوجد الكثير من الضوء يكون الظّل عميقا، ولا يستطيع أن يعيش الانسان إلا في ظل شخص آخر، أو في ظل فكرة، ففي الظّل حياة".

لقد قسّم قرآننا الكريم الظلال إلى أنواع: الظّل النافع، والظّل الضار وغيرها...

أما من ناحية الرّمزية فيحمل الظّل فكرة البقاء والخلود عندما يتحول إلى تراث وتاريخ قائد أو زعيم روحي أو سياسي، أو عالم، فتظل ظلالهم الإيجابية ماثلة في حياة وثقافة وأدبيات الشعوب، والأمثلة على ذلك كثيرة أذكر منها: ظل "غاندي" في الثقافة الهندية، ظل "جمال عبد الناصر" في الثقافة العربية والأدبيات العالمية، وظل "جيفارا"...إلخ

لكن أحيانا، تكون الظلال قاتمة سوداء في ذاكرة الشعوب، مثل: ظلال الطغاة، والاحتلال، والاستعمار– بكافة أشكاله – الذين قتلوا، ودمرّوا، وشرّدوا ونهبوا مقدّرات الشعوب الأخرى، مثلما حلّ بنا في فلسطين وما زال..إلخ.

هذا يسوقنا إلى معرفة مدى أهمية توظيف كاتبنا " عامر سلطان " للظلال الإيجابية وصراعها مع الظلال السلبية من أجل النهوض بالوعي الإنساني تجاه ما عانينا منه وما زلنا نعاني.

هذا المدخل، كتبتة تمهيدا للدخول إلى جو رواية "عامر سلطان " هذه التي تتصارع فيها الظلال العاشقة للحرّيّة مع الظلال السّوداء القاتلة المرتبطة بالأعداء التي نفذت وتنفذ مختلف الجرائم الوحشيّة، تاركة أثارها التدميرية في مختلف جوانب حياة الشعوب المقهورة المكافحة من أجل الحرّيّة والاستقلال أو التي تدافع عن استقرارها ووحدة أراضيها من عبث الطامعين عبر العصور وما زالت.

لقد وظّف"عامر سلطان" هذه الظلال في روايته أفضل توظيف ليرمز بها إلى بطلي الرواية"صائد الظلال" وهو "ركن الدين"، و"لوسين" اللذان عشقا بعضهما وكافحا معا ضد الظلال السوداء القاتلة لتخليص المدينة وشعبها من شرورها.

من الجدير ذكره، أن التطرف الدّيني - من كافة الأديان- كان مستفحلا على مر العصور وما زال إلى عهدنا هذا، ويسود في حالات تخلف الشعوب أو إنكسارها.

"ركن الدّين" هو ذلك الصبي الذي تركته أمه "جويرية" في دمشق بعدما توفي والده"ثيودور" وهو طفلا، و أسلم والده على يد الشيخ "فضيل الدّين"، وعندما قتلت الظلال السوداء هذا الشيخ بخنجر مسموم في سوق "حلب"، خسر ركن الدين ما تبقى له من أهل لا تجمعهم قربى بل محبة. لم يعرف حزنا أشدّ من ذلك، فنذر نفسه لتخليص الناس والمدينة من هذه الفرقة الرّهيبة، وللثأر منها ومن ظلالها المرعبة، وصار يعرف فيما بعد باسم غامض مستعار" صائد الظلال" البطل المنقذ للناس والمدينة، وأصبح مستهدفا من قبل هذه المجموعات المتطرفة..(ص21).

إن الظروف التي عاشها البطلان دفعتهما كي يصبحا رمزا لمقاومة الظلال السّوداء، والّصّمود في وجه الأعداء المستعمرين في آن واحد.

لقد استطاع الكاتب بقدراته الفنية وأسلوبه التشويقي أن يصور أجمل تصوير بطولات "صائد الظلال" الانسان المقاوم للتطرف الدّيني المتوحش والمستعمر من أجل الحرّيّة والمساواة، بالرغم من المصائب والآلام التي عانى منها في تلك الحقبة التاريخية.

إن عشق لوسين، لركن الدين"صائد الظلال القاتلة" محا من داخلها الظلال السّوداء وأحيا في داخلها الانسانة العاشقة، فكان ذلك بمثابة هزيمة للظلال السوداء، وحررها من عبودية حسن صباح وجماعته المتوحشة، وأدى إلى وحدتهما - في النهاية -بعدما تصارع الخير والشّر في داخل "لوسين" وانتصر الخير أخيرا، وتوحّدت مع ركن الدين. هنا آثرت "لوسين" الحياة من أجل العشق بدلا من الموت في سبيل الصراع السياسي! لقد فعل العشق ما لا تفعله الجيوش بتوحيده لطرفي الصراع الداخلي ومن ثم توجيه بوصلة الكفاح ضد المستعمر الأجبني.

من الملاحظ، أن الرواية اتخذت من بلاد الشام، وبلاد فارس موطننا للأحداث بحيث ظهرت "قلاع النسور" و"الرّها" وغيرها من معسكرات تدريب مقاتلي الحشاشين، وكذلك "أصفهان" التي كانت عاصمة للسلاجقة حيث بنى "حسن الصبّاح" فيها "قلعة الموت". كان الحشاشون يخطفون الأطفال من أمهاتهم وهم في الأسواق العامة، ويربّونهم في هذه القلعة على قتل: الأئمة، والعلماء، والقادة.. إلخ.

أما ناحية زمن وقوع هذه الأحداث فكاتت خلال الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر، ويظهر أبطالها في سيرة أحداث طائفة الحشاشين.

أبرزت الرواية مدى حجم الصراع الفكري بين الشرق والغرب، وظهر ذلك جليّا من خلال الحوارالذي دار بين "خالد" السوري و"ماري" الأندلسية، وللتدليل على ذلك اقتطف ما يلي:

ماري: أدعو الله أن ينتهي جنون شرقكم.

خالد: وأنا أتمنى أن ينتهي جنون غربكم لينتهي جنون شرقنا. إن الشّرق والغرب في تشابك منذ مئات السنين، مسلسل غير منتهي، ولن ينتهي إلا بعودة الأمور إلى نصابها، أن يعود الغرب إلى ما وراء الحدود ويترك الشّرق يستعيد عافيته....

ماري: لم أفهم.

يكمل خالد: لنبدأ من هنا(اسبانيا) حيث اصطدمت الحضارة العربية المتوهجة بظلام الغرب وأحقاده، وتغلبت أطماع ملوك أوروبا على الوجود العربي وطمسته في هذه البلاد، واستمرت الجهود لضرب أي قوة عربية قد تعيد الوجود العربي... دهاة السياسة والعالم يعلمون جيدا أن أي وحدة بين الدول العربية تعني قيام قوة نقيضة تؤدي إلى أفول حضارتهم وقوتهم، فالعالم يقوم على قوة مسيطرة واحدة، فإن ظهرت تلك القوة في الشّرق ماتت الأخرى في الغرب.."(ص77).

ككاتب فلسطيني، أرى أن أثر الظّل في الرّواية: أثر ظلال الاحتلال الاسرائيلي السّوداء على شعبنا ووطننا، يقابلها أثر ظلال الفلسطيني الإيجابي في دفاعه عن حقوقه المشروعة وقتاله البطولي وحيدا للخلاص من الاحتلال البغيض.هنا يظهر الظّل كمديح لبطولة "ركن الدّين" الذي لم يستسلم في قتاله الظلال السوداء.

من الملفت للانتباه أن الرّواية تحمل في ثناياها قيما انسانية، مثل: البحث عن الحرّيّة، والهوية الوطنية، والمساواة، والوحدة بغض النظر عن الدين واللون، ونبذ التطرف المتوحش من جميع الديانات، والإيمان بالانتصار.

هذه الرّواية، جديرة بالقراءة بحيث يستطيع القارئ التعرّف من خلالها على ما جرى في تلك الحقبة المأساوية وما زال يجري، ويشعرك الكاتب كأنه عايَشَ تلك الأحداث لدرجة يجعلك من خلال تماسك وترابط حوار الشخصيات تسمع ما يجري كأنه أماك، ويدخلك في جو الأحداث بحيث تصبح كأنك تعيش حياة شخوصها، وهذا يعود إلى براعة وخبرة وقدرة الكاتب المتمرس.

كما أنها تطرح أمام القارئ أسئلة في غاية الأهمية، منها: "هكذا هي الحياة هواية تقتل أخرى، لماذا لا تتعايش الرغبات مع بعضها ؟.(ص95-96). و " العشق من أجل الحياة أم الموت من أجل الصراعات السياسية؟".

لمست ذلك بشكل واضح في حوار "نورا، وخالد، وعطا" بعدما حاولت الظلال السّوداء قتل"نورا" الأندلسية عربية الأصل و"خالد" السوري فحماهما "عطا" الفلسطيني بصدره فأصابته الرصاصة، حينئذ قالت نورا:" رصاصة واحدة فتحت جرحا فلسطينيا أندلسيا سوريا في آن واحد، ولو قُدّر لهذا الجرح أن يقتل لقتل ثلاثتنا، لن تموت قضية الأندلس، ولن تنسى قضية فلسطين، ولن تَذبح يدُ الظلال سوريا..".( ص95-96 ).

كذلك في الحوار الذي جرى بين"عبد القادر " و"زين" الذي قُبض عليه بتهمة محاولة قتل الثلاثة الذين ذكرتهم آنفا..

عبد القادر يسأل: هل واجه سيّدك"حسن الصّباح" وقاتل محتلا في حياته في فلسطين القريبة أو في سوريا التي تستباح؟

زين: إنه شيخي وولي أمري!!!.(ص122).

يريد كاتبنا الإشارة إلى أن تجار الدين بقيادة "حسن الصّباح" ينفذون الأوامر بلا تفكير، ويبيّن مدى فظاعة غسل الأدمغة، ويعملون تحت إمرة المستعمرين .

لا يفوتني ذكر أن الرّواية تضمنت الكثير من المواقف التي ذكرها الشخوص بحيث تدفع القارئ إلى التفكر، والتأمل، والتعلم، ليستكشف عمق المأساة، والأشياء المحيطة، وتحديد الأراء والمواقف تجاهها.

من الملاحظ أن العنصر المشوّق للرواية، أبرز حبكتها الدّرامية المتطورة النّامية، بحيث جعلها سلسة ليست صعبة الفهم على القارئ، كما أن بنية الأسلوب والسرد تجعلني أصنفها من الروايات التاريخية الهامة الواقعية التي عالجت واقعا في ظرف استعماري تاريخي.

تتشابك الأيام، وتقع الأحداث، لا نستطيع التمييز بين ما هو أبيض وما هو أسود،

إن وجدت الظلال العاشقة فاعلم أن الضوء أمامك!.

آمل بهذه القراءة المتواضعة أن أكون قد وفقت في إعطاء الرواية وكاتبها المبدع ما تستحقه، مع أنني على يقين بأنها تحتاج إلى قراءات من هُم أبرع مني للغوص في أعماقها.