أي نقابة فنانين فلسطينيين نريد؟

نشر بتاريخ: 12/01/2022 ( آخر تحديث: 12/01/2022 الساعة: 16:51 )

الكاتب:

عادل الترتير

عَلِمتُ عبر الشريط الإخباري لتلفزيون فلسطين عن موعد انعقاد اجتماع تشاوري لتأسيس نقابة فناني المهن الدرامية الفلسطينية (تشمل قطاعات المسرح والسينما والدراما التلفزيونية) في الخامس من كانون الأول لعام 2021 في تمام الساعة الثالثة عصراً في قاعة أبراج الزهراء في البيرة. ذهبت لحضور الاجتماع التشاوري لأتفاجأ بالعدد القليل جداً من الفنانين في اللقاء، وبالعدد الأكبر من الحضور الذين لا أعرف ماهية علاقتهم المباشرة بالمسرح أو السينما أو الدراما التلفزيونية.

في بداية اللقاء، اعتلى المنصة واقتنى الميكروفونات مجموعة من المتحدثين لمطالبة الحضور وبإلحاح بضرورة انتخاب لجنة تحضيرية لتأسيس نقابة الفنانين حالا وفورا (والتي بدورها ستقوم بتعيين لجنة\هيئة تأسيسية لنقابة الفنانين)، مع أن هدف اللقاء والاجتماع المعلن هو تشاوري نقاشي بالأساس وليس انتخابي.

بل ذهب المنظمون لاحقاً لأبعد من ذلك بزعمهم أنه إن لم ينتخب الحضور آنياً وفورياً لجنة تحضيرية لتأسيس نقابة الفنانين، فلن يحدث ذلك قبل عشر سنوات من الآن. من دون شك، فقد كان هذا زعماً غريباً ومزعجاً خاصة إن لم ينطق به أصحاب المصلحة الحقيقين، أي الفنانين.

فالفنانين هم المسؤولون بشكل مباشر عن قرار كهذا لأنهم الاشخاص الذين يعيشون واقع الفن والأعلم بواقعهم وحالهم وتجربتهم واحتياجاتهم، ومثل هذا القرار يجب ان يكون نابع منهم بالأساس وليس مفروضاً عليهم من جهات أخرى سياسية أو إدارية أو بيروقراطية، وإن كانت تقصد حسن الفعل. فمن حق، بل من واجب، الفنانين تقرير متى تكون وكيف سيتم إنشاء هذه النقابة، خاصة في ضوء تجاربهم الفنية النقابية على مر العقود الماضية.

نقول كل هذا من باب الحرص وكذلك بناء على تجاربنا السابقة (الناجحة والفاشلة) في هذا المضمار. فنحن في أمسّ الحاجة لبناء جسم نقابي فني وحدوي تعاوني عضوي ممثل فعّال ومستجيب لتطلعات الفنانين. فالمطلوب هو ولادة جسم نقابي فني ولادة طبيعية وصحية، وتأسيس هذا الجسم على أسس سليمة ودقيقة والسير على الطريق الصحيح ليبقى هذا الجسم شامخاً ومعمراً ولنضمن ديمومته واستمراريته وفعاليته وليأخذ شرعيته الحقيقية من الفنانين أنفسهم. فقد سئمنا العيش في ظل فجوات الشرعية وأزمات التمثيل وقد حان وقت جَسرُها.

فنحن نريد نقابة حقيقية أصيلة فعّالة قادرة على حماية حقوق الفنان، وقادرة على الإنتاج ورعاية وحماية الفنان وإيجاد فرص العمل للعاملين في هذا القطاع، وحل مشكلة الإنتاج والتمويل وإيجاد الفضاءات والأماكن المناسبة للعروض الفنية وخلق الأجواء الصحية والطبيعية للإبداع. كذلك فنحن نريد نقابة قادرة على الدفاع عن حقوق الفنانين وتمثيلهم وإعطائهم حقوقهم وخلق ظروف ايجابية لهم مثل تأمينات صحية وحل مشكلة الضرائب المفروضة عليهم والبحث عن وسائل بديلة عن التمويل المشروط وإنصاف الفنانين وفق أسس المحاسبة والمساءلة والعدالة والمساواة، وتعزيز مفهوم العمل الجماعي بين الفنانين والقطاعات الثقافية.

نريد نقابة فنانين تليق بالتجربة الفنية وعطائها، وتليق بالحركة الفنية الإبداعية الغنية وتلبي مطالبها. نريد نقابة بحجم التضحيات والعطاءات والإبداع تلبي الاحتياجات التي طال انتظارها. لا نريد جسما إداريا بيروقراطياً جديدا يُفقد الإبداع بريقه، ولا نريد جسماً هلامياً شكلياً آخر يتبعثر أو يندثر عند أول اختبار حقيقي له. نريد نقابة منا وبنا ولنا. نريد نقابة مبنية على التشاور والحوار والنقاش والجدل الجاد والعميق، لا على ديمقراطيات الانتخاب الشكلية الصورية على حساب لُب وجوهر العمل الجماعي الإبداعي.

نريد نقابة تستعين بأصحاب الباع الطويل في العمل الفني والثقافي والإبداعي وبخبراتهم بدل إهمالهم وإقصائهم وتغييبهم. نقابة تبني على الإرث والجِد والتعب لمن أفنوا عمرهم لرفعة الثقافة والفنون بعطائهم واستمراريتهم على مدار العقود رغم الصعاب. نريد نقابة تراكم على الإنجاز وتتعلم من الفشل وتأخذ العبرة من التجارب النقابية الفنية السابقة ولا تكرر نفس الأخطاء ولا تتنازع على الحصص والمناصب والمخصصات والمسميات والشكليات والرسميات، بل نقابة تحيي بعضاً مما عندنا من رصيد وإرث في المجال الفني النقابي؛ فنحن لسنا بالجدد في هذا الميدان.

يمكننا التعلم من تجارب عدة نذكر منها أول تجربة مزدهرة لتأسيس تجمع مستقل للفنانين في العام 1975، أيام ازدهار الحركة المسرحية والفنية في الوطن، عندما كانت الفرق العاملة والملتزمة تعمل بنفس العمل الجماعي أيام فرقة بلالين وبلا-لين ودبابيس والمسرح الفلسطيني والكشكول. فقد عملت هذه الفرق على إنتاج وخلق "تجمع العمل والتطوير الفني"، وقد كان تجمعاً يضم الفرق المسرحية وفنون أخرى من رقص وغناء وموسيقى. وكان في حينها العمل الفني في أوج عطائه. وأخذ حينها هذا التجمع قوته وشرعيته من أهله ومن الحالة الموجود فيها على أرض الواقع.

سرعان ما تلاشى هذا الجسم إلاّ أن منهجية بناؤه ونهج عمله وتصميمه تصلحان حتى لوقتنا الحالي. وتلت هذه الحالة عدة محاولات وتجارب وتوجهات فيما بعد لعمل رابطة للمسرحيين الفلسطينيين واتحاد للفنانين الفلسطينيين وأطر مختلفة للسينمائيين على سبيل المثال (آخذين بعين الاعتبار تباين واختلاف التجربة بين هذه القطاعات)، إلاّ أن ضعف وفشل وهشاشة هذه الأجسام النقابية قد أصاب الحركة الثقافية والفنية الفلسطينية بمقتل وأرهقها واستنزفها أكثر مما ساعدها وساهم في رفعتها.

الدرس كان واضحاً: ديمومة وعطاء الأجسام النقابية مستمد من قوة شرعيتها التمثيلية ومن احتضان أصحاب الشأن (الفنانين أنفسهم) لهذه الأجسام واحتضانها لهم. وحتى لا نضلّ الطريق مرة أخرى فعلينا بناء نقابة فنانين فلسطينيين تليق بتاريخ وتضحيات وتفاني وإبداع الحركة الفنية، نقابة للفنانين منهم وبهم ولهم.

[email protected]