ما بين التعلم الوجاهي والتعلم عن بعد

نشر بتاريخ: 23/01/2022 ( آخر تحديث: 23/01/2022 الساعة: 17:28 )

الكاتب: منال غانم مصطفى

كثير من أهل الاختصاص وغيرهم من تحدث بإسهاب عن جائحة الكورونا وعن التحديات التي يواجهها العالم بأسره. تحديات كبيرة في جميع مرافق الحياة الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية وأيضا التعليمية. إنها فترة عصيبة مليئة بالتحديات ولا سيما تلك التي يواجهها المعلم والطالب العربي على حد سواء. إن عملية الانتقال السريعة من التعلم الوجاهي إلى التعلم عن بعد ثم العودة للتعلم الوجاهي مرة أخرى بالإضافة إلى التعلم الوجاهي والتعلم عن بعد بنفس الساعة، أي ان قسم من الطلاب يمتلك شارة خضراء وموجودون في الصف الدراسي وقسم اخر موجود في البيت في الصف الافتراضي ويتوجب على المعلم تعليم هذه المجموعة من جهة ومن جهة أخرى عليه البقاء بتواصل تام تلفونيا مع الطلاب والأهل لحتلنتهم عن مستجدات وزارة الصحة ووزارة المعارف عن كل شيء جديد، ويتم التواصل لساعات متأخرة مع الطلاب. جميع هذه العوامل وضعت المعلم في حالة استثنائية وتحديات صعبة وأحيانًا حالة من الإرهاق الشديد والتيه مما أدى إلى صعوبة في الاستمرار بمواكبة التخطيط الممنهج للطبقات المختلفة. هذا الأمر أحدث نوع من البلبلة في مدى معرفة إن كان هناك تمرير للمواد بالشكل السليم والكافي للطالب!

لقد اثبتت النتائج الأولية للفصل الدراسي الأول من سنة 2021-2022 بالفترة التي تعلم فيها الطلاب بشكل وجاهي في المدارس أن هنالك فوارق كبيرة بين نتائج تحصيل الطلاب بالصف الواحد وعلى مستوى الطبقات المختلفة. هذا يشير ويؤكد على أن هنالك تفاوت في قدرات الطلاب في استيعابهم وجاهزيتهم للتعلم عن بعد.

إن عملية مواكبة تقنيات التعليم المحوسب والالتحاق بدورات لتمكين المعلم من استخدام أدوات وتقنيات جديدة على الشبكة التي تمكنه من استعمالها في التعليم عن بعد لا تكفي للنهوض من جديد بالوضع وسد الثغرات التي أحدثتها الكورونا.

إن تشديد وزارة التربية والتعليم على استعمال هذه التقنيات حتى إثناء التعليم الوجاهي واستعمالها ضمن طرق التدريس الحديثة وإدخالها أيضا ضمن التقييم الرقمي للطالب كوسيلة بديلة وجديدة للتقييم، بنظري لا تحسن من الوضع الحالي بالإضافة إلى ان هنالك قسم من المعلمين الذين لا يتواصلون مع طلابهم عبر الشاشات بل يكتفون بوضع مواد تعليمية في الصفوف الافتراضية المحوسبة دون سماع الطلاب او مناقشتهم.

بالإضافة إلى الفجوات في التحصيل التي أحدثتها هذه الفترة، تجلت ظواهر سلوكية ونفسية أخرى لدى الطالب العربي وأدت إلى حدوث نوع من البلبلة بين رجوعه للحياة المدرسية وبين خروجه للتعلم عن بعد وأحيانا التقيد بالشارة الخضراء وتارة أخرى نتيجة إيجابية للكورونا ثم خروجه للتعلم عن بعد. بين بعد ووجاهي، حجر وتواصل وعدم تواصل كل هذه العوامل وضعت الطالب الصغير في مأزق، متاهة وصعوبات تستدعي منا كمعلمين، إدارات ووزارة الانتباه إليها ومعالجتها جذريا.

أمثلة حية تحتاج إلى متابعة ومعالجة:

1.ان عنصر التحفيز الذاتي وشد الهمم الداخلية تكاد تكون معدومة عند طلابنا. فالطالب يحتاج دائما إلى دعم المعلم وتحفيزه للاستمرار في القيام بواجباته وبالعملية التعليمية. ومن تجربتي الخاصة أنا وزملائي في سلك التعليم كنا نتواصل تلفونيا مع العديد من الطلاب بهدف إيقاظهم من النوم وتحفيزهم لتشغيل الحاسوب والبدء في يومهم التعليمي. لذلك يجب العمل على إدخال عنصر التشويق في المنظومة التعليمية وإضفاء روح التنافس من خلال تنظيم مسابقات بين الطلاب وتكريمهم بجوائز متنوعة.

2.طلاب طبقات أول وثاني الذين ما يزالون يتلقون الأساسيات في الكتابة والقراءة والمهارات التعليمية يواجهون أزمة في فهما وتعلمها. نقلا عن إحدى المربيات التي تعمل مع هذه الفئة العمرية منذ عشرين عاما حيث تقول: " أن هناك مشكلة لدى الطلاب في عملية مسك القلم بالطريقة السليمة مما يؤدي إلى كتابة غير سليمة فنجد كثير من الطلاب يكتبون فوق السطر او تحت السطر وكذلك تقريب الكلمات من بعض مما ينتج سطر مليء بالأحرف وليست كلمات واضحة ومشكلة أخرى في الاملاء ومهارات الفهم المختلفة".

تحدثت أيضا عن ظواهر اللامبالاة للتعلم عند الطلاب واستعمالهم المتزايد للعنف الكلامي والجسدي والتنمر.

هذه المشاكل يمكن التغلب عليها من خلال توفير ساعات مساعدة مكثفة من قبل وزارة التربية والتعليم وتجنيد معلمين جدد للجهاز التربوي لمساعدة ومساندة المعلمين.

إضافة إلى زيادة ساعات الأخصائي النفسي والمستشار التربوي في المدارس بهدف التواجد بين الطلاب لمتابعة ومعالجة المشاكل النفسية والتربوية.

3.إن حدوث حالة من البلبلة في الانضباط ومعرفة المسموح وغير المسموح او المألوف في السلوكيات المتبعة في المدارس عامة. مثلا، متى يبدأ الدرس والاستعداد له من تحضير كتاب ودفتر والجلوس بالمكان المناسب. كيفية التركيز والانتباه خلال التعلم. هذه المهارات يكتسبها الطالب من خلال الدوام الدراسي العام في المدرسة.

4.خلل في سلوكيات الطلاب واللامبالاة في قضية السهر لساعات متأخرة والاستيقاظ في وقت متأخر واستعمال التلفون بشكل دائم كحجة للتعلم عن بعد واعتبار التلفون أهم جزء في حياة الطالب والانطوائية داخل الغرف المغلقة في البيت بحجة التواصل مع المعلم والطلاب لحل المهام المحوسبة كلها عوامل تستدعي منا كأهل ومعلمين الانتباه إليها ومعالجتها وألا نتوانى كأهل عن استشارة الأخصائي النفسي في المدرسة.

5.حالة من التيه وعدم تنظيم الأفكار والتركيز على ما هو هام وما هو أقل أهمية، فكثرة وزخم المواد والمهام المحوسبة المعطاة من معلمي المواضيع تجعله مشتت وأحيانا كثيرة تفقده السيطرة والحماس للتعلم وتجعله مثقلا بالمهام وغير قادر على الاستمرار. لذلك على المعلمين تنظيم برنامج ممنهج مرن غير مليء بالمهام مع جدول زمني واضح.

6.رغم التشديد على تشغيل الشاشات اثناء الزووم اتضح أن هناك عدم جدية عند عدد كبير من الطلاب في مواكبة التعلم مثلا، اثناء حصص الزووم قد يكون موجود في الحصة ومع وجود كاميرا إلا انه مشغول بالهاتف واللعب مع طلاب صفه. لذلك على الأهل أن يكونوا على دراية بمدى مشاركة أولادهم الفعالة

7.حل الوظائف والمهام بأسلوب النقل من طالب لآخر دون إدراك وفهم المطلوب ومعرفة الحل. فكثير من الطلاب يقومون بإرسال المهام المحوسبة للمعلم وعلية يقوم المعلم بتسجيل حضور للطالب على أساس الحل المرسل.

8.تدخل الكثير من الأهالي بحل المهام المحوسبة وتقديم المساعدات التقنية للطالب. في المقابل هناك العديد من الطلاب الذين لم يتلقوا هذا الدعم والمساعدة من الأهل بسبب عدم معرفتهم بالحوسبة او انشغالهم بالحياة اليومية. فالطالب الذي تلقى المساعدة والمساندة اليومية من الأهل كانت عنده مواكبة واستمرارية للتعلم عن بعد أما الطالب الذي لم تتم متابعته فنجده غير مواكب وهناك انقطاع عن التعلم عن بعد ونجده قد خسر الكثير.

9.إن وجود إخوة في البيت، المشاركين بنفس الحاسوب أدى إلى صعوبة في استمرار مواكبة التعليم عن بعد وأحيانا كثيرة فقدان الدافعية للتعلم.

كما اسلفت أعلاه إن هذه الفترة تعتبر فترة تحديات مثلها مثل حالات الطوارئ التي ممكن أن تحدث في أي مكان بالعالم. لذلك يجب علينا استخلاص العبر وتوحيد القوى بين الأهل، المعلمين والطلاب حتى ننهض ونجتاز هذه الفترة بسلام.

رأيت من واجبي كمعلمة واكبت هذه الفترة عن كثب أن أنقل ما يواجهه المعلمون والطلاب في مدارسنا وأتمنى أن تؤخذ هذه النقاط على محمل الجد ويتم معالجتها بالشكل الصحيح.

*معلمة لغة عبرية. حاصلة على لقب اول باللغة العبرية ولقب ثاني بالتغيير المجتمعي وتوجيه مجموعات. كاتبة لقصص أطفال باللغتين العبرية والعربية.