دولة تطارد جنازة!

نشر بتاريخ: 13/05/2022 ( آخر تحديث: 13/05/2022 الساعة: 21:42 )

الكاتب:

مصطفى بشارات

الجنازة التي أجريت للشهيدة الصحافية شيرين أبو عاقلة كانت الأطول من نوعها على مستوى الأراضي الفلسطينية، ولا مجال للمقارنة بينها وبين الجنازة التي أجريت للرئيس ياسر عرفات نظرا لظروف استشهاد القائد الرمز عام 2004 حيث كان أبو عمار يعالج في فرنسا وتوفي هناك وجرى نقل جثمانه، بعد وداعه في مصر، إلى فلسطين ليوارى الثرى مباشرة في ساحة المقاطعة برام الله.

من مخيم جنين الذي استشهدت شيرين على مشارفه برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي، ووصولا إلى القدس المحتلة حيث ووريت الثرى، مر جثمان الشهيدة بكل القرى والمدن والمخيمات الفلسطينية وشارك بوداعه آلاف الفلسطينيين.

خلال هذه الفترة، من الأربعاء 11 أيار 2022 يوم استشهاد شيرين وحتى الجمعة 13 أيار 2022 يوم ووري جثمانهاالطاهر الثرى في مدينتها القدس المحتلة، كانت إسرائيل، بكل قياداتها وأذرع جيشها الأمنية والعسكرية، تقف على قدم واحدة آملة أن تلتقط أنفاسها وتخرج نفسها من الورطة الكبيرة التي دخلت فيها.

ما جرى يوم الجمعة جعل منه اليوم الأطول والاختبار الأكبر في تاريخ إسرائيل، وثبت في هذا اليوم، وللمفارقة فإنه جاء عشية الذكرى الرابعة والسبعين للنكبة الفلسطينية، أن إسرائيل كانت، وعلى مدار 74 عاما من اغتصابها لفلسطين، في مواجهة سلسلة من الاختبارات والورطات المتتالية وقد خسرت فيها جميعا ولم تستطع حتى الآن الخروج من هذه الورطات، ولن تتمكن من الخروج منها إلا بالاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

في ساحة المستشفى الفرنسي في القدس اضطر جنود الاحتلال، المحمولين على ظهور الخيول البوليسية والمدججين بأعتى أنواع الأسلحة والمعززين بقوات الموت الخاصة، أن يطاردوا جثمان إنسانة ميتة، لا نفس فيها، وقد فارقت الحياة، وحتى عندما نجحوا في منع المشيعين الفلسطينيين من حمل الجثمان على الأكتاف، وسيرا على الأقدام، وصولا إلى كنيسة الكاثوليك لأداء الصلاة عليه، وجد الجنود أنفسهم في معركة جديدة تتضمن مطاردة الفتية والشبان الذين كانوا يرفعون الأعلام الفلسطينية، وكلما "اعتقلوا علما" ارتفع آخر، فطاردوا العلم الآخر "ليعتقلوه"، ليرتفع ثالث.. وهكذا، لكن ما جرى في سماء القدس وشوارعها، وفي باحة الكنيسة وأرجاء المقبرة التي ووري جسد الشهيدة شيرين في ثراها، أثبت أن إسرائيل، وبعد 74 عاما من نكبة الشعب الفلسطيني، و 55 عاما من احتلال القدس، تخسر حتى في كسب "معركة السيطرة على جثمان" و "معركة اعتقال علم".

رمزيا، من باب الاستعارة البلاغية فقط مع تأكيد احترامي لكل التعاليم السماوية، حين قرعت يوم الجمعة، اليوم المبارك لدى المسلمين، أجراس كنائس القدس التي تدق في العادة يوم الأحد، اليوم المبارك لدى المسيحيين، كأن الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين ومن كل القوى وجميع الفئات، كانوا مع قيامة السيد المسيح عليه السلام، كانوا مع قيامة المسيح الفلسطيني، كانوا مع قيامة فلسطين، كانوا مع مدينتهم وعاصمة دولتهم القدس التي بدت محررة وها هم جنود الاحتلال يطاردون أبناءها لقتل أو اعتقال كل من يرفع منهم علم فلسطين، وبذلك تأكدت مجددا عروبة وفلسطينية القدس، وكان المستوطن بنيت وقتها يسأل: أية سيطرة وأية سيادة وأية عاصمة موحدة بقيت لإسرائيل ؟؟!!