الأحد: 14/08/2022

"الوجع والجرأة" للروائي إياد شماسنة رواية "مكانية" بامتياز

نشر بتاريخ: 03/07/2022 ( آخر تحديث: 03/07/2022 الساعة: 14:32 )

الكاتب: د.حسن عبدالله


ليس من السهل في مقال تحليلي أن تحيط بتفاصيل رواية "الوجع والجرأة" للروائي إياد شماسنة، فهي رواية حافلة بحشد كبير جداً من التفاصيل لاسيما المكانية منها. الرواية مسرحها الرئيس القدس، ويتفرَّع عنه مسارح فرعية كثيرة في الوطن وخارج الوطن، إلا أن نقطة الارتكاز المكانية في الرواية تظَّل القدس، منها الانطلاق وإليها العودة.

الأبطال يتحركون على أرضها وفي مدن وقرى وجغرافيا أخرى، في الحياة العادية وفي "البرزخ"، بيد أن النبض المتدفّق في شرايين كيان الرواية نبض مقدسي، يتداخل فيه الماضي والحاضر والمستقبل الذي اجتهد الروائي لاستشرافه.

رواية تقدِّم للقارئ عملاً متكاملاً، حيث تتصاعد الأحداث في سياق زماني ومكاني مقدسيين. وأستطيع القول إن الرواية التي صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا وتقع في 399 صفحة من القطع المتوسط، هي رواية مثَقَّفَة ومثقِّفَة، والمقصود بمثقَفَة بفتح القاف أن الرواي ثقَّف نفسه بمعلومات تاريخية بالقراءة والاجتهاد، ومثقِّفة بكسر القاف أنها قادرة على تقديم معلومات جديدة للقارئ المتلقِّي، بخاصة وأن هناك أعمالاً روائية حينما تنتهي من قراءتها وتسأل نفسك ما الذي أضافته الرواية فنياً ومعلوماتياً إلى معارفك وخبراتك؟ فلا نجد شيئاً. أما الأعمال الروائية المميزة ما دمنا نتحدَّث عن الرواية فإنها تبهرك بجديدها المعلوماتي والفني، وتبرهن لك أنك أمام روائي متمكِّن، مثقف، لم يقحم نفسه اقحاماً في عالم الرواية، وإنما دخل إليها من باب مشترك بين حضور معرفي وفني، وأن دخوله من هذا الباب هو دخول طبيعي وضروري، الأمر الذي ينطبق تماماً على رواية "الوجع والجرأة". يقول "شماسنة" لنا ببساطة شديدة إنني أدخل باب الرواية بتلقائية وبخطوات متناسقة، واعياً تماماً للرواية بمقوِّماتها وأبعادها وسياقاتها.

إمكانيات "شماسنة" الروائية فرضت نفسها، لكن وأنا في أجواء تأمل النص بشكل عام توقَّفت عند الحوار، وتمنيت لو ورد بالفصحى المبسَّطة بدل إدارة الحوار بالعامية، وعلى الأقل كان يمكن إدارته بما يسمى اللغة الثالثة أي بين الفصحى والعامية على رأي حنا مينة، لكي نميِّز بين الأسلوب السردي للراوي بقوته وبلاغته ولغة الحوار "لغة ابطال الرواية"، بيد أن "شماسنة" اختار أن يكون الحوار بالعامية التي أخذت مساحة لا بأس بها في الرواية، مع معرفتي المسبقة أن فريقاً بين النقاد يعتقد أن الحوار بالعامية هو أقرب إلى الواقعية والتصديق. أنا شخصياً مقتنع برأي حنا مينه وأطبِّقه في نصوصي، وعليّ ألا أذهب أبعد من ذلك لأقول بتكثيف ومن باب الإنصاف، أن "شماسنة" حينما يسرد بالفصحى تبرز بوضوح قدراته اللغوية ومهاراته في النحت والتشكيل والتطويع، حيث يتبارى في روايته لغةً وجمالاً الشاعر بتكثيفه ورشاقته والقاص بلغته التشويقية المتصاعدة في ميدان التطور الدرامي، مع الإشارة إلى أن "شماسنة" هو شاعر وروائي معاً.

كل عمل روائي من المفروض أن يحمل عدداً من المقومات والمزايا على مستوى الشكل والمضمون، وفي حال الرواية التي نحن بصددها تتصدر المشهد ميزة من بين مزاياها، وهي في رأيي سيدة المزايا وأقصد المكان بموقوماته ، والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف حشد ووظَّف "شماسنة" تفاصيله المكانية في رواية "الوجع والجرأة"؟

أنا مسكون بالمكان

ومشدود للثقافة المكانية

اقتبست هذا العنوان الفرعي من عنوان قدمت به لأحد إصداراتي، بعد أن أصبح المكان في نتاجاتي الأخيرة يصول ويجول في عقلي وخيالي، تماماً مثلما أكتب بقدمي ويدي وروحي على مسرحه حنيني للمكان حتى لو كنت أعانق المكان ويعانقني في التو جسدياً وروحياً.

لذلك من الطبيعي أن يتناول كل محلل لعمل روائي أبعاد العمل مجتمعة، مع تركيزه على البعد الأكثر بروزاً وتجلياً وحضوراً، وبالنسبة إلي فقد شدد المكان الذي في رواية "شماسنة" ليس كأي مكان. إنه المكان المقدسي بما فيه من وجع الحاضر وغنى التاريخ وأسئلة المستقبل. المكان الذي طافت فيه الرواية حارة حارة وزقاقاً زقاقاً ومَعلَماً مَعلَماً.

رواية تكتب المكان ويكتبها

يتنقل "شماسنة" بين الحاضر والماضي زمنياً، مسلطاً الضوْء على القدس في زمن الاحتلال بعد العام 1967م، والقدس في ظل الاستعمار البريطاني وقبل ذلك الحقبة التاريخية للقدس تحت الحكم العثماني، إضافة إلى القدس الاستشرافية المستقبلية المضمنة في الدلالات الروائية.

تفاصيل مكانية للمدينة المقدسة في سياقها التاريخي، نسجتها على الورق صنارة روائي بحث في التاريخ كثيراً، ونقب في خباياه وعينه على القدس.

يطوف النص الروائي المدن والقرى والبلدات، الساحل والجبل والوادي داخل فلسطين ثم يعود إلى نقطة الارتكاز القدس، ويسافر بقلمه وخياله إلى بلاد الشام، أو إلى إسطنبول يبني بعض مكونات الرواية وامتداداتها، لتكون العودة المؤكدة إلى نقطة الارتكاز القدس.

لقد اجتهد الروائي وهو يجمع المعلومات والمعطيات، جاعلاً الأرشيف مصدراً رئيساً، حيث اختار أن يبدأ روايته من مبنى المحكمة الشرعية في شارع صلاح الدين، حينما جلس موظف المحكمة عبد المعطي الساحوري متمعناً في كتاب تاريخي قديم مجلد بعناية ومعنوّن بخط عثماني جميل، ثم يقرر أن يكسر القفل الذي أُغلق به الكتاب، ليتدفق إليه سيل معلوماتي.

كتب "شماسنة" عن القدس مستفيداً من الأرشيف وكتب عنها من داخلها ومن الحاضر، لأنه يعيش الحاضر المقدسي ويتفاعل معه مكاناً وتاريخاً. في رواية موضوعها القدس تحدَّثت الرواية مكانياً وتحدَّث المكان روائياً، وكانت المفردات والجمل والمعاني والدلالات تدور حول مسميات مكانية: المسجد الأقصى، المحكمة الشرعية، شارع صلاح الدين، باب العمود، مقهى الروضة، سوق خان الزيت، باب الزاهرة، حي البستان، جبل الزيتون، جبل المكبر، دار الطفل العربي، طريق الجثمانية، كنيسة ستنا مريم، شارع الزهراء، المدرسة الرشيدية، حارة النصارة، حي الشيخ جراح، محمص السمَّان... إلخ

حشد كبير من تفاصيل القدس- المكان، لا يتسع المجال لذكرها في مقالة كما وردت في الرواية، أتيت ببعضها للتدليل ليس إلا.

تجربة فن الرواية بشكل عام مرتبطة بالذاكرة التي لا تستقيم بمعزل عن الحدث الذي لا يستقيم بدوره بمعزل عن المكان والزمان.

الذاكرة في رواية "شماسنة" مشتعلة والمسرح المكان مشتعل أيضاً، نتيجة ما يتعرَّض له المكان ، كونه أصلاً في دائرة الاستهداف، غير أن الروائي يطلق العنان للأحداث والحوارات لتقول ما تقول وليصل إلى فصل الكلام وكلام الفصل في آخر الرواية تحت عنوان "صفر الأرواح المجنَّدة": للقدس حراسها في الماضي والحاضر والمستقبل من خلال تلك الأرواح النابضة بحبها، تتغير الوجوه ويظلُّ المكان سيد الحدث بحضوره وقدسيته وعناوينه التي تنتصر على النسيان في كل زمان.

"شماسنة" في روايته برهن أن فن الرواية في بلادنا قادرٌ على التطور والاستفادة من أساليب التجريب في ظل انفتاح الرواية على أشكال وأنماط فنية أخرى كالشعر والسينما. لقد كان سارداً مجرباً في روايته، شجاعاً حد المغامره في إحداث تداخل في أمكنته وأزمنته، ليضع بين أيدينا رواية بصوت مختلف لا يشبه أصواتاً روائية أخرى.