الأربعاء: 24/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

رسالة إلى الإسرائيليين

نشر بتاريخ: 21/02/2024 ( آخر تحديث: 21/02/2024 الساعة: 20:12 )

الكاتب:

حمادة جبر

أكتب لكم لأنني على يقين بأن معظمكم أو الكثيرين منكم، كما نحن، ضحايا نظام دولتكم وكذب وعنصرية حكومتكم المجرمة. وأنكم ضحايا إعلامكم، الذي تتحكم به حكومتكم، في أوقات الحرب على الأقل. حيث يقول الكاتب الصحفي الإسرائيلي أورين بيرسيكو (Oren Persico) المتخصص في حرية التعبير في إسرائيل، يقول في وصفه لحال الإعلام الإسرائيلي خلال هذه الحرب: أن المواطنين الأستراليين يعلمون عن هذه الحرب أكثر من ما يعلمه المواطنين الإسرائيليين!! وأن وسائل الإعلام الإسرائيلية تكاد لا تذكر شيء عن الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة. لذلك، لا أعلم كم منكم سيقرؤون هذا الرسالة.

أكتب لكم، لأنني أرى أن كثيرين منكم قد أفاقوا من صدمة هجوم السابع من اكتوبر، ومن مبالغة وكذب حكومتكم المتعمد عليكم وعلى العالم عن حقيقة ما جرى في السابع من أكتوبر. فقد بدأت بالظهور التحقيقات والتقارير عن الهجوم التي تحمل جيشكم مسؤولية قتل العشرات من الإسرائيليين بقصف طائرات ومدافع جيشكم في السابع من أكتوبر. وأن أحد أهم أسباب صدمتكم من الهجوم، هو غروركم القائم على منطق القوة والتفوق الزائف. وبانتظار المزيد من التحقيقات التي على الأغلب ستظهر المزيد من الحقائق التي تعاكس مبالغة وكذب حكومتكم المتعمد. بل حتى لو افترضنا صحة كل ادعاءات حكومتكم حول هجوم السابع من أكتوبر، هذا لا يعطيها الحق بشن حرب إبادة تجاه أكثر من 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة.

أكتب لكم، لأطلعكم عن ما يعتقده الفلسطينيون عن هجوم السابع من أكتوبر. يعتقد الفلسطينيون أن هجوم السابع من أكتوبر جاء رداً على خطة حكومتكم المتطرفة بقيادة "بن غفير" و "سموتريتش" التي تهدف إلى "حسم الصراع" بالقوة. فمنذ تشكيل حكومتكم الحالية في بداية عام 2023، تصاعدت اعتداءات جيشكم وعصابات المستوطنين الإرهابيين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. هذه الاعتداءات شملت قتل أكثر من 200 فلسطيني، وجرح المئات في الضفة الغربية قبل هجوم السابع من أكتوبر، وشملت أيضاً هدم عشرات البيوت الفلسطينية، وحرق أشجار الزيتون، والاعتقالات بالتزامن مع اعتداءات همجية منظمة ضد آلاف الأسرى الفلسطينيين بما فيها تجريدهم من منجزاتهم النضالية لعشرات السنوات لتحسين الحد الأدنى من ظروف اعتقالهم. كل هذا أيضاً بالتزامن مع استمرار وتصاعد الأنشطة الاستيطانية التوسعية في الضفة الغربية، ومن إجراءات واستفزازات متعمدة لتغيير الوضع الراهن في مدينة القدس خاصة في البلدة القديمة والمسجد الأقصى. لقد أجمعت تقارير مؤسسات إسرائيلية مثل "بيتسيلم" (B'tselem)، ومؤسسات دولية مثل "أوتشا" (OCHA)، بأن التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية خلال عام 2023 وقبل السابع من أكتوبر، هو الأعلى منذ حوالي عشرين عام.

أكتب لكم أيضاَ، لأنني أعتقد أنكم أكثر قدرة من الفلسطينيين على كسر دوامة العنف، بوصفكم الطرف الأقوى، والأهم أنكم الطرف المُعتدي. أقول أنكم أكثر قدرة مننا على كسر دوامة العنف، لأنه كما قال "هنري كيسنجر": لا يوجد لإسرائيل سياسة خارجية بل داخلية فقط. هذا لأن صوتكم مسموع وقادرين على المحاسبة والتغيير، لأنكم بنيتم دولة ومؤسسات قد تكون الأكثر ديمقراطية في العالم، ولكنها دولة ديمقراطية لليهود فقط، أي عنصرية. وهذا ليس رأيي فقط عن ديمقراطية دولتكم، بل رأي الأغلبية المطلقة من الفلسطينيين. فقد قام المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في استطلاعه للرأي العام الفلسطيني في شهر آذار/مارس 2018 (قبل إقرار قانون يهودية الدولة العنصري)، بسؤال الفلسطينيين عن تقييمهم لأوضاع الديمقراطية في بعض البلدان ومنها إسرائيل، كانت النتيجة أن 57% من الفلسطينيين يعتقدون أن أوضاع الديمقراطية في إسرائيل جيدة أو جيدة جداً، مقابل 23% فقط للسلطة الفلسطينية، وهذا أحد أسباب أن أغلبية الفلسطينيين يرون أن السلطة الفلسطينية عبء عليهم ويجب حلها. وقد تابعت مظاهراتكم الأسبوعية لأشهر طويلة خلال العام الماضي، ضد خطة حكومتكم "لإصلاح النظام القضائي". لكن، أرى في استطلاعات الرأي العام لديكم، بأنكم ترون ببني غانتس بديلاً لنتنياهو. حسناً، لن أدخل في بازار أسماء قادتكم، وأدعوكم للتركيز على فكرة خلق قادة وانتخاب حكومة تؤمن بالسلام العادل. وللتعرف على ملامح ما قد يكون سلاماً عادلاً، أدعوكم إلى قراءة التاريخ من خلال كتب ومقالات مواطنكم المؤرخ "إيلان بابيه" (Ilan Pappe)، وفي الحاضر، أدعوكم إلى قراءة مقالات مواطنيكم أيضاً، مثل "جدعون ليفي"(Gideon Levy)، "أميرة هاس" (Amira Hass)و"جيف هلبر" (Jeff Halper). أعرف أنكم تطلقون عليهم "يهوداً كارهين لأنفسهم"، لكن أرجوكم حاولوا.

بالعودة إلى هجوم السابع من أكتوبر، هل تعلمون أن حركة حماس قالت بأن بعض التجاوزات قد حصلت خلال هجوم السابع من أكتوبر مثل اختطاف المدنيين، لم تكن من ضمن الخطة. وأن سبب تلك التجاوزات هو نتيجة سرعة وسهولة انهيار جيشكم، حيث لم تكن لدى حماس خطة لمنع مجموعات أخرى، منها مجموعات أقرب لعصابات، ومدنيين من عبور "الحدود"، لأنها لم تتوقع ذلك الانهيار السريع لجيشكم. وهل تعلمون أنه حسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في شهر كانون أول/ديسمبر 2023، أن أغلبية الفلسطينيين الذين شاهدوا تسجيلات مصورة لتلك التجاوزات، لم يوافقوا عليها. وأن من لم يشاهد تلك التسجيلات، أنكر وقوع تلك التجاوزات، وأن الإنكار هو إدانة غير مباشرة لها، إن حدثت بالفعل. هل قال لكم إعلامكم أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تقول أن حماس لم تكن تعلم بوجود مهرجان "نوفا" الموسيقي على الحدود في يوم الهجوم، وأنها تفاجأت به. وأنه بالتأكيد لم يكن ضمن أهداف الهجوم كما تعتقدون. هل تعلمون أنه لو جرى تحقيقاً عادلاً في هجوم السابع من أكتوبر، وأثبت التحقيق مثلاً، أن بعض الأفراد قد قاموا فعلاً بجرائم اغتصاب، هل تعلمون أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين سيطالبون عقابهم بعقوبات أشد مما قد تطالبون أنتم؟ هل قالت لكم حكومتكم ووسائل إعلامكم أن حماس في بداية الحرب كانت على إستعداد لإطلاق سراح كل المدنيين المحتجزين لديها، ولدى مجموعات أخرى دون مقابل بشرط وقف إطلاق النار. لماذا؟ لأن اختطاف المدنيين ببساطة لم يكن ضمن أهداف الهجوم. وأنه إذا ما أخذنا معيار صفقة "جلعاد شاليط" (واحد مقابل ألف) التي نفذها "نتنياهو" عام 2011، فإن حماس يكفيها بضعة جنود لإطلاق سراح كل الأسرى الفلسطينيين في سجونكم. حيث كان عدد الأسرى الفلسطينيين قبل السابع من أكتوبر أقل من خمسة آلاف أسير، وبالتالي -حسب معيار صفقة شاليط- فإن حماس بحاجة فقط لخمسة جنود لمبادلتهم بكل الأسرى الفلسطينيين الذين من بينهم أسرى منذ ما قبل اتفاق أوسلو!!

لا أدعي بأنني أتحدث بأسماء الضحايا لدينا من جرائم حكومتكم وجيشكم، فأعداد الشهداء والجرحى والمفقودين قد تجاوز المئة ألف، أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء (توقف قليلاً عن القراءة وفكر في الرقم المذكور)، وقد نكون بحاجة لسنوات لاستيعاب ما حدث ويحدث من جرائم ودمار في قطاع غزة. لا أدعي أنني أتحدث باسمهم، لكنني أعلم أننا نحتسب هؤلاء الضحايا شهداء، ونفخر بهم، وأن نضالنا من أجل الحرية وليس من أجل الانتقام، لكن بشرط، ألا تذهب دمائهم هدراً، وذلك بتحقيق الحرية والسلام العادل. فأعتقد أنكم تعلمون أن الجيل الذي يقاوم إحتلالكم اليوم في قطاع غزة والضفة الغربية، هو جيل الانتفاضة الثانية ما بين عامي 2000-2005، الجيل الذي رأى جرائم وتنكيل جيشكم خلال الانتفاضة الثانية. هذا الجيل رأى أيضاً، كيف أنكم تجاهلتم حقوقه بالحرية والاستقلال وأدارت حكوماتكم المتعاقبة بمنطق الغطرسة، ظهرها لعملية السلام.

أخيراً، بعد أكثر من 76 عاماً على نكبتنا وقيام دولكتم، أرجو أنكم تعترفون الآن بالكذبة الكبرى التي قامت عليها فكرة دولتكم "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". مهما كانت نتيجة حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من أربعة شهور، فإن منطق ما لم يأتي بالقوة سيأتي بمزيد من القوة، منطق فشل وسيفشل، ولن ندفع ثمنه وحدنا. الفلسطينيون اليوم مصممون أكثر من أي وقت مضى على التحرر، ولا يمكن كسر إرادتهم. وتشير آخر الإحصاءات بأنه لأول مرة منذ النكبة، عادت الأغلبية للفلسطينيين ما بين النهر والبحر. لكن في المقابل، ولأول مرة منذ قيام دولتكم، لقد تجاوز عدد الإسرائيليين اليهود الذين ولدوا في فلسطين التاريخية عدد اليهود الإسرائيليين المهاجرين إليها. وكما ربما تعلمون، فقد استقبلكم الفلسطينيين بأذرع مفتوحة كمهاجرين هرباً من بطش وعنصرية الغرب في بداية القرن الماضي، قبل أن تنكشف نوايا الحركة الصهيونية الاستعمارية الإحلالية ومن خلفها الغرب. وعليه، أدعوكم، بعد أن تكونوا قد فكرتم بما قد يكون سلامأً عادلاً استناداً إلى حقائق التاريخ والحاضر. أدعوكم بعقول وقلوب منفتحة، ولأجل أولادنا وأحفادنا، للانضمام إلى الفلسطينيين في نضالهم لتفكيك نظام دولتكم العنصري، وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة على أنقاضه قائمة على المساواة، لكل من يعيش ما بين النهر والبحر في فلسطين التاريخية.