الأربعاء: 24/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

الاحتلال كأسلوب حياة

نشر بتاريخ: 22/02/2024 ( آخر تحديث: 22/02/2024 الساعة: 08:45 )

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

مناسبة هذا الكلام هي النقاشات التي تشهدها محكمة العدل الدولية حول تبعات الاحتلال واثاره وانعكاساته في كل المستويات والمجالات وكذلك موقف حكومة اسرائيل الحالية التي صوتت ضد قيام دولة فلسطينية ، ووصل الامر ببعض وزرائها للتهديد بالتخلص من اتفاق اوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية ، وكأن ذلك لا يحصل او لم يحصل بعد ، فضلا عن اجراءات وممارسات حكومة الاحتلال في هذه الحرب الضروس ضد الشعب الفلسطيني .

ذلك ان اسرائيل باحزابها ونخبها و زعاماتها و ادبائها و علمائها اختاروا الاحتلال كأسلوب حياة محتمل ، اسلوب حياة مكلف لكنه يستطاع ، اسلوب حياة قاس و لكن يمكن تجميله او ترويجه او الدفاع عنه .

اختارت اسرائيل على مدى سنواتها ان تحتل شعبا اخر و ان تحتمل تبعات هذا الاحتلال حتى الان ، و تبعات هذا الاحتلال كثيرة و عديدة و ظاهرة و باطنة و بعضها سريع التأثير و بعضها الاخر بطيء التأثير ، فالاحتلال ليس مجرد حدث عادي في التاريخ ، انه استثناء منه ، و انكسار في طبيعته ، و خلل في سيرورته ، لهذا ، فأن كل احتلال يجر معه و وراءه و اثنائه ظواهر و تداعيات خطيرة و فادحة .

و اذا كان الاحتلال يؤذي من يقع عليهم الاحتلال ، فأنه يفعل ذات الشيء بمن يقوم بالاحتلال .

سلب الحرية من الاخرين يعني بالضرورة اكتساب الخوف و التوتر و العنف لمن يفعل ذلك . و التحكم في حياة الاخرين يعني تماما ان حياة المتحكم لن تكون عادية ولا طبيعية على الاطلاق .

فالاحتلال ليس مشروعا اقتصاديا و مربحا ، و ليس تحقيقا لرؤية او رؤيا او وهم او فكرة ، انه جحيم تماما ، فهو يشوه القيم و السلوك ، وهو كالفيروس تماما يفتك بالنسيج الاجتماعي و من ثم يضعف مصادر القوة و المنعة للمجتمع القائم بالاحتلال ، الاحتلال ليس مربحا على الاطلاق ، و يؤدي الى طرق مسدودة و دروب شائكة ، و هو في نهاية الامر ككل الامراض لا بد ان يؤخذ الدواء للخلاص منه ، طوعا او كرها ، و هو ما رأيناه في كل فترات التاريخ و في كل الاحتلالات .

الاحتلال يعمل بأتجاهين لا بأتجاه واحد ، و الاحتلال مضر بالاتجاهين لا بأتجاه واحد ، و الاحتلال مرض يصيب الجميع بجراثيم الكراهية و التعصب و التطرف و الرفض و الانعزال و العنف و الانفجارات المتوقعة و غير المتوقعة ، ولان الاحتلال لا يتم الا بالقوة و الاكراه و الجبر مع ما يرافق ذلك من خسارات و الم و دموع ، فهو حدث يتحول بفعل الوقت و الالم الى معيار للسلوك و محدد للتوجهات و اطار للحركة و الفعل الفردي و الجماعي .

ان اسرائيل باصرارها على الاحتلال و مصادرة حق الشعب الفلسطيني بالحرية و تقرير المصير و اقامة الدولة انما تحكم على هذا الشعب و على شعبها ايضا بالدخول كرها او طوعا الى دائرة لا تنتهي على الاطلاق من الاوهام و الاضاليل و الادعاءات التي لا تنتهي ، دائرة فيها احكام مسبقة و نتائج مأمولة و تمركز مرضي حول الذات و احساس متورم بالاهمية الدينية و التاريخية ، ولان الاحتلال -كل احتلال- يحتاج الى اكاذيب كبرى و سرديات شمولية فأن التصدي له و الاشتباك معه ايضا يحتاج الى وقود روحي عال و كثيف ، و هكذا ، فأن القائم بالاحتلال و الذي يعاني الاحتلال يدخلان سجالات لا تنتهي معظمها دموي صاعق .

ان قرار اسرائيل برفض الدولة الفلسطينية هو قرار سيء و رديء ، ليس لنا فقط ، بل للجمهور الاسرائيلي الذي يتم تعبئته و تحريضه و شحنه و التلاعب به طيلة الوقت ، من خلال ضخ الاكاذيب و الاوهام في رأسه و قلبه ، و هو قرار سيء لنا نحن الفلسطينيين ، لاننا نريد دولتنا و حريتنا و مستقبلنا مثل كل شعوب الارض ، لسنا افضل ولا اقل من كل تلك الشعوب .

ان اختيار اسرائيل الاحتلال كأسلوب حياة هو اختيار صعب و مكلف و قد اثبتت 75 سنة ماضية انها لا تستطيع ان تحتمل تبعاته ولا اثاره ولا نتائجه .