الأحد: 21/04/2024 بتوقيت القدس الشريف

ما الذي تغير في القرار 2728؟

نشر بتاريخ: 02/04/2024 ( آخر تحديث: 02/04/2024 الساعة: 16:39 )

الكاتب: عواد الجعفري

الإجابة السريعة هي: الولايات المتحدة، وعلى نحو أدق الرئيس جو بايدن.

إن كل الكلام الذي يقال عن جهود دبلوماسية فلسطينية وعربية دفعت إلى تمرير القرار في مجلس الأمن الدولي يجانبه الصواب.

لولا امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، ووضع حق النقض "الفيتو" جانبا لما مر قرار مجلس الأمن الذي يحمل رقم 2728.

يطالب القرار، الذي صدر في 25 مارس، وفق النص المنشور في موقع الأمم المتحدة بـ "وقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان، تحترمه جميع الأطراف، بما يؤدي إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ويطالب أيضا بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن".

ويطالب القرار كذلك بـ"كفالة وصول المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الطبية (يقصد الأسرى الإسرائيليين) وغيرها من الاحتياجات الإنسانية، ويطالب بأن تمتثل الأطراف لالتزاماتها بموجب القانوني الدولي فيما يتعلق بجميع الأشخاص الذين تحتجزهم".

الفقرة الأخيرة تتعلق بالشعب الفلسطيني الذي يعاني الإبادة في غزة، وجاء فيها: "يشدد (المجلس) على الحاجة الملحة إلى توسيع نطاق تدفق المساعدات الإنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة بأكمله وتعزيز حمايته، ويكرر تأكيد مطالبته برفع الحواجز التي تحول دون تقديم المساعدة الإنسانية على نطاق واسع، تماشيا مع القانون الدولي الإنساني والقرارين 2712، 2720".

إن إيراد هذه التفاصيل ليس من باب الحشو، بل لتبيان الصورة الكاملة عن القرار، فالبعض أخذ المطالبة بوقف إطلاق فوري في رمضان وتجاهل بقية أجزاء القرار أو لم يقرأه أصلا.

إن القرار 2728 أول قرار ذي صلة يتخذه مجلس الأمن الدولي بشأن العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر الماضي.

وخلال الأشهر الماضية، أجهضت أميركا كل المحاولات لاستصدار قرار من مجلس الأمن بشأن وقف إطلاق النار بصورة دائمة، بفعل الفيتو، إذ رفضت واشنطن عدة قرارات كان من بينها قرار يطالب بوقف إطلاق نار إنساني في غزة خلال ديسمبر الماضي.

وبالطبع، استخدمت الصين وروسيا حق النقض ضد مشاريع قرارات أميركية كان بعضها في أكتوبر ومارس، وتدعو لوقف النار بصورة مؤقتة، لكنها تسمح باستمرار الحرب، مما يعني قرارا إسرائيليا في الجوهر.

إذن، نقطة الاختراق كانت أميركية.

لماذا نقول إن بايدن هو الذي أحدث تغييرا في مجلس الأمن؟ بالطبع هناك عوامل أخرى وراء قرار بايدن، لكن العامل الأبرز من وجهة نظرنا يتصل بالداخل الأميركي.

قبل 9 سنوات، كتبت الباحثة الأميركية روبرتا هار دراسة بعنوان: "متى تتدخل الولايات المتحدة عسكريا لأسباب إنسانية".

إن هذه الدراسة تساعد في فهم السبب في التغير الأميركي، على الرغم من وجود اختلافات بين تلك الدراسة، وغزة التي تخوض حربا مع إسرائيل "الولاية الأميركية الـ51" وفقا للبعض.

تقول الدراسة إن الرؤساء الأميركيين غيّروا من استراتيجياتهم حيال تلك الأزمات لا لسبب الضغوط الدولية، بل من المخاوف من فقدان اللعبة السياسية في الداخل، خصوصا عندما تغدو مصداقيتهم وبقاؤهم السياسي في موضع الشك.

وعلى سبيل المثال، رفضت الولايات المتحدة طوال 3 سنوات التدخل في حرب البوسنة بين عامي 1992 و1995، رغم أن التطهير العرقي أسفر عن مقتل 100 إنسان ونزوح مليونين آخرين.

قاومت إدارات بوش الأب وكلينتون الضغوط للتدخل، ولم يتدخل الأخير إلا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية بحيث أصبح بقاء كلينتون السياسي على المحك، خاصة مع استغلال خصومه السياسيين في الكونغرس للأمر.

وللمفارقة، فقد كان بايدن حينها عضوا في مجلس الشيوخ، وكان يضغط بقوة على كلينتون من أجل وضع حد لجرائم الصرب، وصار بايدن اليوم في موضع كلينتون.

إن أبرز أولويات الرؤساء الأميركيين هي المحافظة على موقعهم في السلطة، لذلك فالعوامل الداخلية أقوى من الخارجية.

إن عام 2024 هو عام الانتخابات، وبايدن يصبو للبقاء في البيت الأبيض، والعدوان على غزة ألقى بظلاله على شعبية الرجل، الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي، وفيه جناح يرفض الحرب الإسرائيلية ويؤيد الفلسطينيين.

في 27 مارس، نشرت مؤسسة غالوب استطلاعا للرأي يظهر أن غالبية الأميركيين يرفضون حرب إسرائيل على غزة. أرقام المؤسسة تظهر انخفاض التأييد للحرب في مارس إلى 36 %، بعد أن كان في حدود 50 % في نوفمبر، أما نسبة معارضي الحرب فقد ارتفعت من 45% في نوفمبر إلى 55% في مارس.

وجاء هذا الاستطلاع تتويجا لمعطيات متتالية عن تغير في الرأي العام الأميركي، خصوصا في الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن.

وكتبت صحيفة "واشنطن بوست" إن بايدن وغيره من الديمقراطيين اضطروا إلى التكيف مع الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، خاصة أن هذه الاحتجاجات أمست جزءا أساسيا في نشاطات الحزب، فاستمرارها بهذا الزخم يجعلها "صداعا لأي شخص في السلطة".

الخلاصة هي أن الشباب الأميركي التقدمي والمناصر لفلسطين قادر على إحداث تغيير، لكن ذلك يحتاج إلى عمل وجهد، وهو لغاية الآن فردي وتطوعي من شباب أميركي يؤمن بحق فلسطين في الحرية والتحرير.

بالطبع، بايدن غيّر من سياسته تجاه حرب الإبادة في غزة علنيا، لكنه لن يصبح "صلاح الدين الأيوبي"، وهذا ما بدا في تأكيد المسؤولين الأميركيين مرارا على أن قرار مجلس الأمن غير ملزم، مرفقة مع تصريحات بأن هذه الخطوة لا تعني تحولا في سياسة واشنطن.

الغاية من هذه التصريحات الأخيرة، من بين أمور أخرى، استيعاب غضب أنصار إسرائيل في واشنطن وتهدئتهم فلهؤلاء أيضا حصة كبيرة وتأثير كبير في انتخابات نوفمبر المقبلة، خاصة أنه عندما تتخذ أي إدارة أميركية خطوة لا تعجب تل أبيب، لا يتوقف هاتف البيت الأبيض عن الرنين.