الإثنين: 20/05/2024 بتوقيت القدس الشريف

أسنان وأوراق

نشر بتاريخ: 14/04/2024 ( آخر تحديث: 15/04/2024 الساعة: 18:47 )

الكاتب: عواد الجعفري

الدبلوماسية بلا أسنان لا تعني شيئا، ومفاوضات بلا أوراق قوة تتحول إلى إملاءات.

يروي وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جيمس بيكر، في كتابه "سياسة الدبلوماسية" أن تشكيل التحالف الدولي ضد العراق إبان غزو الكويت عام 1990، لم يستغرق أكثر من أسبوع في العمل الدبلوماسي. هل الأمر يعود إلى براعة بيكر أم إلى أسنان الولايات المتحدة؟ الجواب معروف.

على سبيل المثال، بعد ثلاثة أيام من تصويت الأمم المتحدة على فرض عقوبات اقتصادية على العراق، طار بيكر إلى تركيا، لعقد سلسلة من الاجتماعات مع الرئيس تورغوت أوزال.

كان الهدف خنق صدام حسين اقتصاديا، عبر إغلاق خط أنابيب البترول الذي يضخه إلى البحر المتوسط عبر تركيا. أوزال أغلق الأنابيب قبيل وصول بيكر بيوم. ما المقابل؟ أبلغ بيكر الرئيس التركي "بأن الولايات المتحدة ملتزمة بتوفير الأموال اللازمة لتعويض ما يقدر بنحو مليار دولار من العائدات السنوية التي ستخسرها تركيا من جراء الحظر التجاري، إلى جانب وعود بالدفاع عن تركيا لو تعرضت لهجوم عراقي انتقاما على غلق أنابيب البترول، كما ستؤيد الولايات المتحدة طلب تركيا الانضمام إلى المجموعة الأوروبية (...)، فنحن بحاجة إلى تأييد أوزال".

إن وزارة الخارجية لن تكون في أي دولة ذات تأثير ما لم تدعمها وزارة دفاع مسلحة بالحديد والنار ووزارة خزانة فيها من المال الكثير. بالطبع هذه مجرد أمثلة على الأوراق وفي الواقع هناك أكثر بكثير.

لقد قيل الكثير عن جهود دبلوماسية بذلت لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، ومن شتى أرجاء العالم، لكن الحرب لم تتوقف أو تتراجع وتيرتها وها هي دخلت شهرها السابع مع كتابة هذه السطور، وهذا بالطبع يثير في أحسن الأحوال تساؤلات عن قلة جدوى هذه الجهود.

استمرت دولة الاحتلال في حرب الإبادة الجماعية أشهرا طويلة، وحاولت بشتى السبل استعادة أسراها، غير أن نجاحها يكاد يقارب الصفر.

لكنها عملت بلا هوادة على تدمير القطاع تدميرا فاق ذلك الذي حدث في الحرب العالمية الثانية، فهذا الشيء في متناول اليد بكبسة زر ويساعد، وفق نظرة مخططي الاحتلال العسكريين، في أقصى تقدير على شراء سنوات من الهدوء وتأخير المواجهة المقبلة، لكنه من الناحية الاستراتيجية لم يؤد إلى الوصول إلى أهداف الحرب المعلنة.

والآن، وبعد أن سحبت إسرائيل معظم قواتها من غزة لا حديث يعلو على حديث المفاوضات. تتراكم الإشارات عن قرب حدوث صفقة وخصوصا التقارير التي تتحدث عن إلقاء الولايات المتحدة بكل ثقلها لإتمام الصفقة، وهذا شيء جيد، إذ إنه لو حدث سيخفف من نزيف الدم في غزة.

لماذا تفاوض الدول؟ لا يوجد طريق أقصر من ذلك لتحقيق أهدافها.

من كان يتوقع أن قادة إسرائيل سيفاوضون حماس، بالنظر إلى النبرة العالية في بداية الحرب التي كانت تتحدث عن "اقتلاع الحركة من جذورها".

السبب الرئيسي الذي أجبر إسرائيل على التفاوض هو وجود أسرى لها لدى حماس، ومن دون هذه الورقة لما كان هناك مفاوضات على الإطلاق، بل شيء آخر اسمه إملاءات. ومهما كان المفاوض بارعا، فإنه لم يحقق شيئا ما لم يكن مسلحا بأوراق ضغط تجبر خصمه وعدوه على التجاوب مع مطالبه.

قالها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، مناحيم بيغن، ذات يوم: "لن ندفع شيئا مقابل لا شيء".