قطاع غزة بين خياري الإدارة الذاتية و فوضى المليشيات المسلحة

نشر بتاريخ: 10/02/2015 ( آخر تحديث: 10/02/2015 الساعة: 12:48 )

الكاتب: محمد حجازي

بدون شك بأن قطاع غزة يشهد مزيدا من التدهور في مختلف المجالات , " الأمن و إعادة الإعمار , جهود الإغاثة , إخفاق واضح في القدرة على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة , الكهرباء الماء , البنية التحتية ............... إلخ " , في الجانب السياسي الصورة قاتمة أكثر , لقاء حركة حماس مع مختلف الفصائل الفلسطينية , الذي حدث في منتصف شهر كانون الثاني الماضي بإستثناء حركة فتح وبحضور فصائل أنتجتها حركة حماس و ساعدت على ظهورها بعد تاريخ سيطرتها على قطاع غزة , وهي أقرب إلى فصائل الجهادية الإسلامية و الحديث عن تشكيل لجنة من الفصائل لإدارة قطاع غزة بمعزل عن حكومة التوافق الوطني , إلى جانب إنعقاد المجلس التشريعي في غزة , و الحديث عن عدم شرعية حكومة الحمدالله , و شرعية الرئيس , أسدلا الستار على فصل جديد من فصول المصالحة المتعثرة .

 هناك أسباب كثيرة , في عدم قدرة الفلسطينين على إنجاز المصالحة , خطوطها العامة تتلخص , بأن إسرائيل هي العامل الأساسي و المعرقل للمصالحة , لأن هذا هو مشروعها و هي صاحبة سيناريو إحداث إنقسام سياسي فلسطيني , و ثانيا حركة حماس التي من الواضح أنها غير جاهزة لان تكون شريكا لحركة فتح و منظمة التحرير في إدارة السلطة و المنظمة , حيث ما زالت تنظر لسيطرتها على قطاع غزة من زاوية أيدولوجية , هكذا تربى الحمساويون في الجوامع و قبلهم الإخوان المسلمين في مصر وغيرها , الهدف هو الوصول للسطة و الحكم , و عدم التخلي عن ذلك تحت أي ضغط , لم تحل حتى هذه اللحظة , إشكالية الوطني و الإسلامي عند حركة حماس , ومن هنا نرى غالبا أن حماس تأخذ غزة بعيدا عن غلاف القضية الفسطينية إلى فضاءات و مشاريع إسلامية , حركة الجهاد الإسلامي عالجت هذه المسالة في الممارسة على الارض إلى حد كبير , قدمت الوطني على الإسلامي .

و السبب الثالث في الفشل , يأتي في عدم قدرة الطرف الرئيس صاحب مشروع حل الدولة الفلسطينية حركة فتح و فصائل " م ت ف " و شخصيات و طنية مستقلة , من لجم و إفشال مشاريع إخراج غزة من غلاف القضية الفلسطينية , التي تعيش آخر فصولها , لم يقدم هذا الطرف رؤية وطنية واضحة يتوحد الجميع من حولها في المعسكر الوطني , أولا بالضغط على حماس و ثانيا و الأهم هو تقديم حلول إبداعية و غير مكلفة سياسيا أو حتى ماديا , لتفكيك قضايا الخلاف و حلها و تجزئتها , و إن إقتضى الامر تقديم تنازلات في القضايا الإدارية , مثل قضية موظفي حركة حماس , على قاعدة تأمين الأمن الوظيفي لهم مقابل تنازلات في المواقع و الدرجات , الجميع يعرف أن حماس لايمكن ان تتنازل عن حكمها وسيطرتها على قطاع غزة , ولكن في الجهة المقابلة هناك أهمية كبرى للفلسطينيين في وحدة مؤسساتهم الوطنية , و وحدة القضية , نحن ذاهبون لنقل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة , بعد رهاناتنا الخاسرة على المفاوضات و الراعي الأمريكي , إنضمامنا للمؤسسات الدولية و في مقدمتها محكمة الجنايات الدولية , و اتفاقيات جنيف الاربعة , يستدعي منا جميعا تقديم وحدتنا السياسية على كافة القضايا الأخرى , حتى ننجح في معركة نيل حقوقنا المشروعة و محاكمة قادة إسرائيل , علينا أن نكون منتبهين إلى إستحقاقات جديدة وفي مقدمتها ضبط سلاح المقاومة التي يجب ان نمارسها في إطار القانون الدولي , هذا يتطلب حوارا فصائليا بشكل آخر , وإن لم نكن موحدين سياسيا , سنفشل و سيكون سلاحنا عبئا ثقيلا علينا .

أزمة السلطة السياسية و البنيوية وضعف أداء الحكومة , زادا من تعقيدات المشهد , خطاب حماس السياسي بات يتلخص في نقطة واحدة وهي تأمين رواتب موظفيها التي عينتهم منذ عام 2007 عام سيطرتها على قطاع غزة , تشكلت حكومة التوافق على أساس توافقي بين حركتي حماس وفتح , أي إختلال يحدث بين فتح و حماس يعكس نفسه بشكل كامل على عمل الحكومة , غياب التوافق بين الحركتين يعني إضعاف عمل الحكومة , هذا من جهة ومن جهة أخرى , يؤثر في مكونات حماس السياسية الضغط الإنساني و حاجات موظفيها الملحة للرواتب , يضع الحركة في منطقة عدم التوازن و يحصر خياراتها , في الهجوم على الحكومة و السلطة , هذا الضغط و إذا ما ستمر يضعنا أما عدة سيناريوهات , الأول وهو تنازل حماس بالكامل عن سيطرتها على قطاع غزة و إلقائها في و جه الحكومة و السلطة , هذا الخيار تؤثر فيه عدة ضوابط أهمها , أن أحزاب الإسلام السياسي ومنها حماس تشكل السلطة هاجس و هدف قوي في ثقافتها و التنازل عن هذا الهدف يقتضي القيام بسلسلة مراجعات سياسية و فكرية لديها , الأمر الذي لم يحدث إلى الآن , إلى جانب أن تركيبة حماس التنظيمية , مجلس الشورى في قطاع غزة و مكتبها السياسي ليسا في وارد لبحث هذا الخيار , و من الصعب تمريره تحت أي ظرف .

السيناريو الثاني هو نشوء جماعات و تيارات داخل الحركة , تحت ضغط الفوضى في المنطقة العربية و إنتشار التطرف بكل أشكاله , نجاحات داعش في سوريا و العراق و سيطرتها على أراض واسعة يشكل للكثيرين من المنتمين لفصائل الجهادية الإسلامية في قطاع غزة و أيضا لجزء من أعضاء حركة حماس نموذجا قويا لنشوء مشروع إسلامي في المنطقة يعتبرونه حتى هذه اللحظة ناجحا , هذا كله يؤثر على بنية هذه الفصائل ومنها بالطبع حركة حماس , أي بمعنى آخر قد يؤدي إلى ضعف سلطتها على أعضائها و مرجعياتها التنظيمية , ويصدر عن ذلك تشظي تنظيمي يذهب بإتجاه التطرف و الإقتراب من مواقع الجماعات السلفية الجهادية . وكلما زاد الضغط على الحركة و الحصار زادت فرص هذا السيناريو وصولا للفوضى العامة , ولكن هذا السيناريو من المبكر الحديث عن إمكانية حدوثه , حيث مازالت للحركة مرجعياتها التنظيمية القوية , التي يصعب التشكيك في قدرتها على منع التشظي و الإنفلات الأمني . الفلتان الذي حدث في الفترة الماضية , هو فلتان مدروس من الحركة تريد منه توجيه عدة رسائل , للجميع بما فيها إسرائيل بان البديل لحكمها الفوضى , و إنتشار الجماعات التكفيرية .

السيناريو الثالث هو بقاء الوضع الراهن على حاله مع إتخاذ إجراءات على الأرض مدروسة بعناية تقوم بها حركة حماس من دون الإعلان عن ذلك رسميا وهو الإنفكاك عن حكومة التوافق الوطني و هذا يحدث بهدوء الآن من خلال عقد جلسة للمجلس التشريعي في القطاع بدون توافق وطني , و الحديث مع الفصائل عن خيار تشكيل إدارة مستقلة في غزة تحت أي مسمى الامر الذي رفضته حركة الجهاد الإسلامي و فصائل منظمة التحرير الفلسطينية , وهناك بالأصل حكومة ظل تعمل ممكن أن يجري تجميلها ببعض الشخصيات , و هذا يتطلب البحث عن مصادر مالية جديدة توفر رواتب موظفي الحركة وهناك جهود تبذل للبحث عن بنود ضريبية جديدة على القطاع الخاص في قطاع غزة و البنوك لن تسلم من ذلك . و بالتالي العودة إلى نقطة الصفر بملف المصالحة و إنهاء الإنقسام السياسي و الإداري و الوظيفي , هذا السيناريو تفضله إسرائيل بإعتبارها هي صاحبة الهجوم الأول على حكومة التوافق , ولكن على قاعدة إبقاء وتمكين حركة حماس من بقاء قدرتها على السيطرة على القطاع , وهذا يتطلب تسهيل دخول الأموال الازمة لذلك و لكن بشكل مدروس و برقابة شديدة . 

وهذه الخطوة يتم توظيفها إسرائيليا ضد السلطة و جهودها بالإنضمام لمحكمة الجنايات الدولية والطعن في قانونية قبولها ، بعدما رفض مجلس الأمن طلب السلطة الفلسطينية إقامة دولة مستقلة وتحديد سقف زمني لجلاء الإحتلال الإسرائيلي عن حدود الرابع من حزيران عام 67 , ومعنى هذا أن إسرائيل ستحاول التأثير على قرار رئاسة المحكمة الدولية بإعتبار السلطة لاتسيطر على أراضيها في إشارة لسيطر حماس على قطاع غزة والسلطة  أو الدولة التي إعترف بعضويتها العالم تحت تصنيف " دولة غير عضو " في الأمم المتحدة "في هذه الحال ستحاول إسرائيل إقناع اللجنة بأنه السلطة الفلسطينية , لا ينطبق عليها ميثاق مونتغيديو المتعلق بتعريف الدولة بأنها إقليم بحدود دائمة ومُعتَرَف بها.

إعلان وكالة غوث وتشغيل اللاجئيين الفلسطينيين في قطاع غزة عن وقف تقديم مساعدات بدل إيجارات و غيره للذين دمرت منازلهم , بسسب النقص الحاد في الدعم و التمويل الدولي , سيشكل ضغطا كبيرا على مسيرة التعليم , وإن عودة المهجرين لشغل ما تبقى من مدارس " الأونروا " مرة ثانية سيشل التعليم و يضاعف من معانات الغزيين , في ظل فقدان الأمل بإعادة الإعمار و حتى إستمرار مشاريع الإغاثة العادية التي باتت غير متوفرة .