عندما تُصّوب البندقية إلى كل الاتجاهات ما عدا فلسطين

نشر بتاريخ: 12/02/2015 ( آخر تحديث: 12/02/2015 الساعة: 09:50 )

الكاتب: د. وليد القططي

في حوار مع أحد الزملاء المنتمين للمدرسة السلفية حول أولوية الجهاد في فلسطين أم في سوريا , دافع صاحبنا عن أولوية ( الجهاد ) في سوريا , مقّدماً قتال ( الرافضة ) على ( أهل الكتاب ) حسب المصطلحات التي يستخدمها , والغريب أنه كان يدعم كلامه من حينٍ لآخر بفتاوى الإمام أحمد بن تيمية , بينما لا يستعين بآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلاّ نادراً , وهذا يشير إلى منهج خاطئ في التفكير واستنباط الحكم الشرعي يقّدم الفتوى الشرعية المتغيرة باختلاف الزمان والمكان , على النص الديني الثابت الذي تستنبط منه الفتوى , وفي أحسن الأحوال تساوي بينهما . وقد ذهب صاحبنا إلى أبعد من ذلك في تفضيله ( الجهاد ) مع جماعة ( بوكو حرام ) في غابات أفريقا على الجهاد في فلسطين زاعماً أن القتال مع بوكو حرام يكون تحت راية إسلامية بينما لا يوجد راية إسلامية واضحة في فلسطين يمكن القتال تحتها !!

وهذا الحوار يذّكّرني بحوارٍ آخر مشابه , ولكنه حدث قبل ثلاثين عاماً , وهذه المرة مع أحد الأصدقاء المنتمين لمدرسة الإخوان المسلمين , الذي كان يدافع بقوة عن أولوية الذهاب إلى أفغانستان للقتال إلى جانب المجاهدين الأفغان ضد نظام الحكم الشيوعي في كابول المرتبط بالاتحاد السوفيتي والمدعوم من الجيش السوفيتي . ولكن المبرر الذي ساقه للدفاع عن هذا الموقف يختلف عن زميلنا الجديد , حيث يبرر ذلك بأننا نعيش في فلسطين في مرحلة الاستضعاف المكية التي يجب أن تتفرّغ فيها الحركة الإسلامية للتربية والإعداد ريثما تسمح الظروف بالجهاد الفعلي ضد المحتلين الصهاينة . وفي الحقيقة لم يدرك هؤلاء الشباب المتحمسين بصدق للجهاد في أفغانستان أو من بقى منهم على قيد الحياة إلاّ متأخراً أنهم كانوا مجرد وقود في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا
وأنهم أدوات في معركة أكبر منهم , وأنهم مجرد كومبارس في فيلم أبطاله أحد الأنظمة العربية الموّجه عن بُعد بالريموت كنترول الأمريكي . 

إن كان الاخوان المسلمين قد صوّبوا اتجاه البندقية منذ بداية الانتفاضة الأولى نحو فلسطين بتأسيسهم حركة المقاومة الاسلامية حماس , كحركة إسلامية وطنية تتبنى مشروع تحرير فلسطين , ومن قبلها كانت حركة الجهاد الإسلامي تُعلن أن بوصلتها لن تنحرف عن القدس وبندقيتها لن توّجه إلاّ لفلسطين صوب الكيان الصهيوني , فإن التيار السلفي ( الجهادي ) لا زالت بندقيته تُصّوب في كل الاتجاهات إلاّ اتجاه فلسطين , فالجماعات السلفية ( الجهادية ) على اختلاف مسمياتها تضرب في كل مكان وفي كل الاتجاهات من باكستان شرقاً إلى المغرب العربي غرباً ومن نيجيريا ومالي جنوباً إلى سوريا والعراق شمالاً . بينما الكيان الصهيوني في مأمن من هذه البندقية الفاقدة للتوازن والمنحرفة البوصلة, على الرغم من أن هذا التيار أصبح لديه تواصلاً جغرافياً مع الكيان الصهيوني في هضبة الجولان السورية حيث تتواجد جبهة النصرة على طول الشريط الحدودي هناك , والذي يحدث هو العكس فالتعاون والدعم الذي تحصل عليه المعارضة السورية أقله في صورة دعم صحي للمصابين في الحرب السورية ,وما خفي لا يعلمه إلاّ الله , وهذا ينطبق إلى حدٍ ما على جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء التي تستطيع تنفيذ عمليات عسكرية ضد الكيان الصهيوني عبر الحدود الطويلة لمصر مع الكيان الصهيوني .

ان الدعوات للجهاد في سوريا ومن قبلها أفغانستان مروراً بالعراق والصومال وغيرها , تستهدف حرف بوصلة الجهاد عن قضية المسلمين الأولى (فلسطين ) , وحرف اتجاه البندقية عن القضية المركزية للمسلمين ( القضية الفلسطينية ) , وهذا لا يعني عدم الثورة على الاحتلال والأنظمة المستبدة في أي مكان من بلاد المسلمين , ولكنه يعني الحذر من المشاريع التي تقف خلف هذه الدعوات , والتي تصب لمصلحة الكيان الصهيوني ومشروعه في صرف الأمة عن مقاتلته لإبقائه آمناً مستقراً , بينما كل ما حوله يموج في بحر متلاطم الأمواج من الفتن والحروب الأهلية التي تأخذ الأمة إلى ردة نحو الهويات ما دون الوطنية كالمذهبية والطائفية والمناطقية والعرقية ....., بدلاً من الانتماء للأمة الاسلامية التي يجمعها دين واحد , وللوطن العربي الذي يجمعه قومية واحدة , وللجماعة الوطنية التي تنتمي لوطن واحد .