قواعد المرور

نشر بتاريخ: 03/03/2015 ( آخر تحديث: 03/03/2015 الساعة: 10:46 )

الكاتب: تحسين يقين

أصل مكان عملي فأحتفل بوصولي سالما، كما أعيد الاحتفال ساعة العودة إلى البيت!

لهذه الدرجة وأكثر، صار تجنب مشاكل الطريق والسلامة منها نعمة كبرى، في ظل المرور عبر منهج المواطنين في قيادة مركباتهم المرخصّة والمشطوبة كذلك.

فمنهج القيادة صار مسيئا خصوصا في المناطق التي لا تتواجد فيها الشرطة، وهي كثيرة في وطني.

تضع يدك على قلبك راكبا كنت أو سائقا/ة، أو مارا على قدميك، لماذا؟

أليست هناك ضوابط وعادات اتفق عليها؟

وهؤلاء الذين حصلوا على رخص ألم يتعلموا أن قيادة المركبة أصلا هي القيادة في الشارع، مع آخرين، إذ لو كان السائق وحده، فلماذا ولدت قواعد المرور وتطورت عبر أكثر من قرن؟

الشارع، الطريق، الدرب،.. تكثر الألفاظ الدالة على الطريق، وفي كل مفردة معنى آخر لها، يتعلق بشكله ومكانه والمارين به، لكنها على أية حال تكون هي الطريق لمن يسير أو يقطعها بنفسه أو بغيرة من الوسائل، من عهد ترويض الخيول حتى آخر ما تنتجه التكنولوجيا.

وللطريق ومرادفاتها دلالات معنوية، فلا تكاد تبدأ أي عمل ماديّ أو معنوي، حتى تنشغل بالمنهج، أي بالطريق التي تسلكها في العمل والشعور والتفكير؛ فلا استغناء عن الطريق.

والطريق هنا كمكان للمرور، ليست بعيدة عن الطريق هناك كمنهج حياة، فالمارون هنا وهناك هم البشر.

وتستطيع تأمل المرور وتأمل ممارسة الحياة، لتتكامل لديك الصورة عن شعب ما، فيتولد لديك انطباع تختبره مع طول التأمل لتكتشف أن انطباعك كان صحيحا؛ فلا يمكن ألا توحي حركة الناس في الشارع شيئا عن طبيعتهم وثقافتهم وتفكيرهم ومشاعرهم وإنسانيتهم.

حين كنت أتعلم قيادة المركبة، قرأت كتابا عن قواعد المرور، ففوجئت؛ إذ كيف توجد هذه القوانين الرائعة والعقلانية والإنسانية والدقيقة، وتحصل الحوادث ويستمر حدوثها؟

كيف يتعرّف الإنسان ويتعلم أهمية قواعد المرور، ثم في أية فرصة تسنح له يخالفها ما دام أنه ليس هناك من يراقب ويحاسب؟

هل من الضرورة وجود شرطي؟

أليست حماية الروح هدفا؟

حين نستجيب ونحترم قواعد المرور، نحن إنما نحترم القانون الذي هو في مصلحتا، فليس هناك قمع أو عنف أو ظلم. وليست المسألة شخص الشرطيّ، إنما المضمون.

أتساءل كلما رأيت أمامي مخالفة لقواعد المرور، هل لذلك علاقة بما ذكرته عن المنهج والطريق بدلالتها المعنوية؟

ربما، لكن أليس هناك تفسير يخص الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال مثلا؟

لقد عاش شعبنا تحت حكم الأجنبي لفترات طويلة، فكره القوانين والإجراءات، فصار اختراقها نوعا من التحدي، حتى تلك القوانين غير المرتبطة بالأجنبي أو الاحتلال، مثل قواعد المرور.

ولعل علم نفس الشعوب يلقي الضوء على مسألة تحد الاحتلال من خلال تحدّ القوانين بشكل عام حتى تلك القوانين النافعة؛ فحين تأسست السلطة الوطنية، ظل في نفس المواطنين شيئا من ذلك الميراث وما زال، بل تطور أيضا فاتجه تجاه الذات، تعبيرا وتفريغا عن قهر الاحتلال، وما ولّد من قهر اقتصادي، في ظل تحولات اجتماعية لم نسيطر عليها، ولم نستعد لنتائجها.

حادثة الاعتداء على شرطي المرور في رام الله لا تخرج عن السياق، ولعلنا يوميا نشهد مشادات غير مبررة بين المواطن والشرطة، لماذا؟

الشرطي الفلسطيني كما أراه مواطن لا يريد أن يحرر مخالفة لأنه يدرك الحال، لكنه من جهة أخرى مسؤول أمام ضميره، كما أنه يرى أن تسامحه صار يمنح مجالا لتكرار المخالفات، فلم يبق إلا تحرير المخالفات لمن لا يريد إلا هذا الأسلوب من العقوبات ليرتدع، وتلك ربما فلسفة العقوبات.

الشرطيّ منفذ للقانون، وهو أخي وأخوك، قريبك، ابن بلدك، إنسان عادي، وليس صورة من صور القهر، بل هو صورة من صور الرحمة وحماية الأرواح، بدءا بروح السائق.

المخالفات موجودة وتطال قواعد المرور، ولم يبق السائقين منها قاعدة إلا انتهكوها.

قبل إيراد أمثلة عن المخالفات، فإنني أحيي كل سائق يحترم قواعد المرور ويتصرف بإنسانية وخلق وعقلانية مع الطريق.

أحييه، وأحييها، لأنهما ولأن آخرين معهما يمنحونني الأمل بأن الدنيا بخير، ونحن بخير، والمستقبل..

وأن هناك الكثيرين ممن يمارسون القيادة، التي قيل عنها: فن وذوق وأخلاق.

لماذا مثلا نتجاوز في المسافات القريبة، حيث يسبق المتجاوز المتجاوز عنه في زمن أقل من الدقيقة؟

لماذا السرعة في طريق كل ما فيه يدل على تخفيفها السرعة؟

لماذا صارت قيادة المركبات نوعا من التنافس؟ هل نحن في مباريات على الطريق؟

لماذا يعتبر بعض قادة المركبات أن تجاوزه لسيارة نوعا من الانتصار؟

لماذا هذه الغلظة والجفاء والإساءة لبعضنا بعضا؟

لماذا لا يرحمنا السائقون في الطرق التي لا تسيطر عليها شرطتنا؟

وهل من الضرورة وضع شرطي في كل مكان؟

صور المخالفات المرورية كثيرة، وربما نخجل من ذكرها، خصوصا حين نرى سيارة فارهة تسير بسرعة ثم يقذف أحدهم نفايات من شباك السيارة، حين نرى سيارة مقدسية تستهين بقواعد المرور في الضفة، وتلتزم بها على الشوارع التي يسيطر عليها الاحتلال.

لماذا؟

قيادة المركبات، هي قيادة الأسر، وصفوف المدرسة، والمجتمع والحكومة. إنها منظومة قيادة فكرية واجتماعية وسياسية، قيادة تحترم قواعد المرور وتحترم القانون، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.

لن نخلص كأفراد إن لم نخلص كشعب، وجزء من خلاصنا هو احترام القانون.

احترام القانون خلق عظيم وسلوك راق ونبيل للمواطن/ة.

وحين نرى في الشارع تعمق احترام قواعد المرور، سنأمل بدولة القانون.

منظومة القيادة والإدارة والتعامل تدفعنا ليس إلى تأصيل الالتزام بالقوانين التي شرّعت لمصلحة الإنسان، بل للتربية عليها في البيت والمدرسة والتلفزيون والانترنت وفي المساجد.

احترام قواعد المرور هو سلوك المواطن الصالح، وفي فلسطين أرى ذلك سلوكا وطنيا، لأن وجود طرق سليمة وخالية من الحوادث لها دلالات سياسية واجتماعية كبيرة.

إنه فعل إنساني يقدمنا لأنفسنا وللعالم بأننا شعب واع ومنظم.

فحين نرى قيادة المركبات في ظل احترام قواعد المرور في الأماكن التي لا تتواجد فيها الشرطة، فنحن سنكون بخير.

سيزداد خوفي على المستقبل حين أرى المخالفات على الشارع، لأن لها دلالات تتعلق بمنهج الحياة والتفكير، خصوصا ونحن في حالة الاشتباك المعقدة مع الاحتلال، الذي من مقاصده أن يرنا بغير قواعد ولا قوانين، ليزيد من مبرراته الرافضة لنا ولدولتنا.

حوادث المرور مآس كبرى، لكن استمرار نهج المرور ونهج التفكير والتعامل مأساة أكبر، لسبب بسيط هو أن الحوادث ستستمر، فإذا أردنا أن نخلص من الحوادث، علينا فقط التطلع إلى دواخلنا لنرى سلطة ضميرنا وعقولنا.

قيادة المركبات وقيادة المجتمع، آن لها أن تحترم القانون من الداخل لا خوفا من الشرطي أو القضاء.

لم ينته الحديث، لعلنا بدأنا بإشارات..