العلاقات الهندية – الفلسطينية ... وانقلاب الصورة؟؟

نشر بتاريخ: 19/10/2015 ( آخر تحديث: 19/10/2015 الساعة: 14:44 )

الكاتب: د. رويد ابو عمشة

قام الرئيس الهندي "براناب موخارجي" بزيارة إسرائيل منتصف هذا الشهر وألقي خطابا في الكنيست الاسرائيلي، و هي المرة الأولى التي يزور فيها الرئيس الهندي إسرائيل منذ قيامها، علماً أنه زار فلسطين في نفس الفترة، كما و أبرق رئيس وزراء الحكومة الهندية "نارندرا مودي" رسالة تهنئة باللغة العبرية الى الشعب اليهودي بمناسبة عيد الأنوار الحانوكا، إذ من المقرر أن يزور هو الآخر إسرائيل حتى نهاية العام الحالي، وفي حال تمت الزيارة ستكون الأولى لرئيس وزراء هندي منذ بدء العلاقات بين الدولتين في العام 1992".

إن هذا التطور اللافت للعلاقة الهندية – الإسرائيلية يفتح الباب لبحث الوجه الاخر للعلاقة، إن صح التعبير، وهي العلاقات الهندية - الفلسطينية، تلك العلاقة التي طالما تغنى بها العرب والفلسطينيون، حيث وقفت الهند وبشكل واضح لجانب الشعب الفلسطيني وثورته لعقود خلت، وكانت مؤيداً دائماً للقضية الفلسطينية في كل المحافل الدولية كالأمم المتحدة وغيرها، وكانت الهند قبل كل شيء بلد مؤسس وقائد في مجموعة دول عدم الانحياز الى جانب جمهورية مصر العربية، ويوغسلافيا، في ثلاثية متلازمة (نهرو، عبد الناصر، تيتو).

ولم تكن قد مرت 3 شهور على نيل دولة الهند استقلالها عن بريطانيا حتى عارضت قرار تقسيم فلسطين رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة، في العام 1947، وكان المهاتما غاندي و من بعده جواهر لال نهرو قد وقفا إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتحول هذا التأييد إلى ثقافة عامة لمئات الملايين من الهنود الهندوس والمسلمين بطبيعة الحال عبر عقود من الزمن، ولم تقم الهند علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا في سنة 1992 أي بعد انطلاق عملية االتسوية السياسية للصراع العربي – الإسرائيلي، وكانت أول دولة غير عربية تعترف باعلان استقلال دولة فلسطين عام 1988.

وكانت قد تطورت العلاقة الهندية – الفلسطينية بشكل لافت للنظر خاصة في عهد الزعيمة الهندية (أنديرا غاندي) التي جمعتها علاقة صداقة شخصية مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث كان يعامل كاحد افراد أسرتها ويدخل بيت الأسرة ويلقب داخل البيت من قبل ابنائها واحفادها بالعم، وعندما أصبح ولدها راجيف رئيسا للوزراء، ازدادت زيارات ياسر عرفات للهند ووثَق العلاقة بين الهند والفلسطينيين، حيث تعمقت العلاقة أكثر فأكثر، وقام ياسر عرفات بزيارة الهند مرات عديدة، حتى أن بسام أبو شريف الذي رافق عرفات في أحدى زياراته للهند في تلك الفترة للمشاركة في عيدها الوطني، والتي استقبل فيها ياسر عرفات بشكل مختلف عن بقية الزعماء، روى أن أحد الوزراء الهنود همس في أذنه إن الملكة اليزابيث لم تحظ بذلك.

واعتبرت الهند في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي منخرطة في الصراع العربي الإسرائيلي وعدت عدواً حقيقياً لإسرائيل، و يعود ذلك في الغالب لإرضاء وجهة النظر العربية، ولم يستطع حتى حزب بهارتيا جاناتا -الذي كان معادياً للمسلمين وصديقاً لإسرائيل- تجاهل العرب، و ترسخت العلاقات الثنائية بين الهند ومنظمة التحرير الفلسطينية من خلال زيارات وفود المنظمة المتكررة للهند، و تصويت الهند الدائم لصالح المنظمة، لإدانة إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت الهند قد اعترفت بمنظمة التحرير في العام 1975 و قررت منحها الوضع الدبلوماسي الكامل في مارس/آذار 1982.
أما علاقة الهند المعلنة بإسرائيل فقد جاءت بعد انطلاق عملية التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل في مؤتمر مدريد في أكتوبر/ تشرين الأول 1991 حيث أعلن رئيس وزراء الهند (ناراسيما راو) من حزب المؤتمر يوم 29 يناير/ كانون الثاني 1992 إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الهند وإسرائيل وتبادل للسفراء.
إذن مالذي تغير وهل انقلبت الصورة؟

بانهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، حصل إعادة تموضع لعلاقات وتحالفات معظم دول العالم حسب رغبات الأميركيين، وباعتبار إسرائيل الحليف الأقرب للولايات المتحدة فقد استفادت في هذا الجانب بأن عملت كوسيط وسمسار علاقات بين الولايات المتحدة والعديد من دول العالم التي رغبت بالتقرب من الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوى العظمى في عهد أحادية القطبية، وهو ما فتح المجال أمام إسرائيل لتعزيز وتنويع علاقاتها الدولية، واستثمرت إسرائيل هذا الوضع وقدمت نفسها للعديد من دول العالم الطامحة لإقامة علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها جسراً لهذه العلاقة.

وكان رئيس الوزراء الهندي (أتال بيهاري فاجبايي) في زيارته للولايات المتحدة في سبتمبر 2000 في إطار قمة الألفية الثانية للأمم المتحدة، اجتمع بقادة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وحصل على دعمهم في مباحثاته مع الإدارة الأميركية في مجال الحصول على احتياجات الهند الدفاعية أو التكنولوجية أو الاقتصادية، بحجة أن الهند تقف في وجه ما أسماه بالإرهاب الإسلامي في جنوب آسيا، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد فرضت حظراً يقضي بتقييد نقل التكنولوجيا العسكرية إلى الهند وباكستان عام 1998 إثر قيامهما باستئناف تجاربهما النووية والصاروخية، وأيدتها في ذلك الدول الصناعية الثمانية الكبرى، وعمدت حكومة (أتال بيهاري فاجبايي) إلى تعيين ممثل خاص لها في الولايات المتحدة الأمريكية لتنسيق المواقف مع اللوبي الصهيوني هناك.

و بالاضافة إلى اعتبار الهند أن دولة إسرائيل هي الجسر المتين للعلاقة مع الولايات المتحدة، اعتبرت العلاقة مع إسرائيل أيضاً بمثابة بوابتها الواسعة لدول الاتحاد الأوروبي، وقد لعبت إسرائيل على وتر العلاقة المتوترة تاريخياً بين الهند و العدو التقليدي لها باكستان، في الوقت الذي تحتفظ به العديد من الدول العربية بعلاقات طيبة مع باكستان بحكم البعد الديني، لذا رأت الهند في تطوير علاقاتها مع إسرائيل ذخراً سياسياً إستراتيجياً في إطار صراعها مع باكستان.

وباتت الأمور أكثر وضوحاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وانضمام الهند للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تحت شعار أن الارهاب الإسلامي الذي ضرب نيويورك هو ذاته الذي يضرب في كشمير، كما و رفعت إسرائيل أيضاً شعار (هناك بن لادن وهنا عرفات) وأنها تتعرض لنفس النوع من الإرهاب في إشارة للعمليات الفدائية التي كانت تتصاعد ضدها مع انتفاضة الأقصى، وهنا أصبحت إسرائيل والهند في نفس القارب في مواجهة الإرهاب الإسلامي، وزادت الأمور تعقيداً عقب حادث الهجوم على البرلمان الهندي يوم 13 ديسمبر 2001، و بعد هجمات بومباي عام 2008 التي قام بها تنظيم القاعدة و راح ضحيتها قرابة مائتي شخص، حيث تمت مهاجمة عدد من الفنادق الفاخرة والمطاعم الشهيرة والمستشفيات ومحطات القطارات المكتظة في المدينة ومن بين المواقع التي استهدفت مجمع سكني هو "ناريمان هاوس" حيث يقطن مجموعة من اليهود والإسرائيليون، ويوجد بداخله مركز ثقافي يهودي.

ومن اللافت للنظر في العلاقات الهندية – الإسرائيلية، هو التسارع في تطورها في المجالين العسكري والأمني على وجه الخصوص، حيث تعتبر الهند حاليا أكبر مستورد للأسلحة من إسرائيل في العالم، ففي الثمانينيات حرصت الهند على الحصول على الخبرة الإسرائيلية في مجال توجيه الضربات الجوية باستخدام طائرة الاستطلاع والإنذار المبكر الإسرائيلية (E2C) وانعكس هذا في طلب الهند من إسرائيل تزويدها في التسعينيات بنظام فالكون للإنذار المبكر، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي استطاعت إسرائيل أن توظف عنصر المهاجرين الروس لتدخل من خلاله إلى الدول التي اعتمدت في تسليحها على السلاح السوفييتي كالهند للدخول في عمليات تطوير هذه الأسلحة وتزويدها بما يلزم من معدات أو نظم الصيانة، وعلى الجانب الآخر استغلت إسرائيل منظومتها العسكرية وصناعتها العسكرية التي تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية، لذا قامت إسرائيل بتسريب بعض من هذه التكنولوجيا للهند كما فعلت قبل ذلك وسربتها للصين، و في بداية العام الحالي وقعت الهند مع إسرائيل عقداً لشراء صواريخ مضادة للصواريخ بقيمة 525 مليون دولار، وتوثق إسرائيل تعاونها التكنولوجي في كافة المجالات وتتبادل العلماء فهناك أكثر من 50 عالماً هندياً في معهد وايزمان فقط، و في الوقت الذي تعاني فيه إسرائيل من تصاعد حركة المقاطعة العالمية ضد شركاتها وخسارتها لبعض الأسواق عالمياً يشهد حجم التبادل التجاري بين الهند وإسرائيل نموا مطردا، من 200 مليون دولار عام 1992 الى 5مليارات دولار عام 2014.

كما حظي التعاون الأمني و المخابراتي بأهمية خاصة في العلاقة بين الهند وإسرائيل، من خلال الزيارات المتبادلة بين رؤساء المخابرات الإسرائيلية ونظرائهم الهنود، وفي مجال التعاون الأمني تمد إسرائيل الهند بمعلومات ونشطاء الحركات الكشميرية، وهي المعلومات التي تجمعها من أقمار التجسس الصناعية الإسرائيلية، و المعلومات التي تحصل عليها إسرائيل من الولايات المتحدة في إطار اتفاقيات التعاون وتبادل المعلومات القائمة بينهما، وقد بررت إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية بأن تعاونها العسكري والتكنولوجي مع الهند يحقق للولايات المتحدة عدة أهداف كتطويق إيران من الجنوب الشرقي، و احتواء الصين كونها القوة المرشحة لمنافسة الولايات المتحدة في المنطقة في القرن الحالي، و قمع الحركات الأصولية الاسلامية في المنطقة.

والمتابع للعلاقات الهندية الاسرائيلية يلاحظ النمو المتسارع لها مع ثبات أو تراجع العلاقات الفلسطينية – الهندية، أو اقتصارها على المستوى التقليدي فقط ضمن مجموعة عدم الانحياز أو غيرها من التجمعات الاقليمية، بينما تتبادل الهند وإسرائيل الزيارات على أعلى المستويات السياسية، فقد استقبلت الهند رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق أرئيل شارون عام 2003 من قبل رئيس وزرائها في حينه (أتال بيهاري فاجبايي) الذي ينتمي لحزب (بهارتيا جاناتا) الحزب القومي الهندوسي المتطرف، وقد زار خلالها شارون ولاية إقليم (غوجارات) والتقى برئيس وزرائها (ناندرا مودي) الذي يشغل رئيس وزراء الهند حالياً، حيث أبقى صورة شارون معلقة فوق رأسه ليشاهدها كل من زاره في مكتبه بعد ذلك، وقام بزيارة اسرائيل في العام 2006، و على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك العام الماضي التقى رئيس الوزراء الهندي نظيره الاسرائيلي (نتنياهو)، وكان نتنياهو من أوائل الزعماء في العالم الذين قدموا التهنئة لرئيس الوزراء الهندي (ناندرا مودي) بفوزه بالانتخابات التشريعية في أيار من هذا العام، ودعاه لزيارة إسرائيل في نهاية هذا العام، وإذا تمت هذه االزيارة سيصبح (مودي) أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل حيث زارها سابقاً بصفته رئيس وزراء إقليم فقط.

ويعتبر امتناع الهند عن التصويت في مجلس حقوق الإنسان لتبني تقرير لجنة التحقيق في العدوان الأخير على قطاع غزة نقطة تحول دراماتيكية وتاريخية في العلاقات بين الهند وفلسطين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وكانت الهند واحدة من خمس دول امتنعت عن التصويت وهي كينيا وأثيوبيا والبراغواي ومقدونيا، وصوتت الولايات المتحدة الأميركية وحدها ضد توصيات التقرير، ويذكر أن رئيس الوزراء الهندي يبحث مسألة الانتقال إلى نهج الامتناع عن التصويت فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتبنى مشروعات القرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية التي تصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنويا،ً و إذا ما وصلنا لهذا الوضع فسنكون امام معضلة هامة سيما وأن الهند عمود فقري في حركة عدم الانحياز التي تضم أكثر من مائة وعشرين دولة عضو ومراقبة، وفلسطين عضو في الحركة منذ عام 1976.

يعود السبب في نمو العلاقات الهندية الإسرائيلية لقناعة الهند بأن إسرائيل هي بوابتها إلى السوق والإدارة الأميركية، و لعدم خوف الهند من أية ردود أفعال حتى الدبلوماسية منها والتي من الممكن أن تتخذها الدول العربية من جهة أخرى، أو المساس بمصالحها مع العرب حيث تعتبر الهند من الدول الصاعدة عالمياً في شتى المجالات وتشهد عملية تحديث وتصنيع ضخمتين وهي بحاجة للنفط العربي التي تحصل عليه بانتظام، عدا عن العمالة الهندية الموجودة في دول الخليج تحديداً وحجم حوالاتها للبلد الأم، وأنه لو قامت الدول العربية باستثمار هذان العاملان فقط مع الاستناد لإرث العلاقة التاريخية لكانت كفيلة بجعل الهند تعيد النظر في علاقاتها مع إسرائيل، أو على أقل حال أن لا تكون هذه العلاقة على حساب القضايا العربية وفي القلب منها القضية الفلسطينية، وهنا على العرب والفلسطينيين إعادة تقييم العلاقة مع هذه الدولة الصاعدة وتقديم أنفسهم لها بشكل موحد أو منسق كحد أدنى ولو بالشأن المتعلق بالقضية الفلسطينية، كما قدمت إسرائيل نفسها كضرورة للهند، وأنه بالرغم من كل ما تقدم من عرض للنمو المضطرد في العلاقة الهندية – الاسرائيلية فإنه لا يزال هناك متسع للعمل على تصويب المسار حيث تواصل الهند إعلانها تأييد حل الدولتين في القضية الفلسطينية، سيما وأن هذا التسارع في العلاقة مع اسرائيل يقلق بعض النخب السياسية في الهند ممن أخذوا يشعرون بأن الهند ستفقد دورها في دول عدم الانحياز والعالم الثالث، وسيؤثر على منظومة القيم والأخلاقيات والمبادئ التي كانت تحدد الموقف الهندي من فلسطين، ولكن يجب عدم المراهنة على بقاء الموقف الهندي على حاله، وعلى الدبلوماسية العربية أن تعمل على بناء علاقات قوية مع الهند، وعلينا أن نتحدث كعرب وفلسطينيين مع الهند بلغة المصالح وأن لا نبقى متكئين على إرث العلاقة التاريخية بين الهند وفلسطين.